الفجيعة لاتترك القلب سريعا، إنها تستوطن فيه وتأكله شيئا فشيئا، وهاهي فجائعنا تزداد يوما بعد آخر، وقد نكون على حق لو أسمينا زمننا هذا زمن الفجائع بامتياز ..
في كل مرة كنت التقي راحلنا العزيز الصديق الإنسان سيد عكاشة بعد الأحداث الأخيرة كنت أستمع منه لأحداث التأريخ البعيد والقريب.. كان يتذكر كل شيء بحرقة الغياب وفراق الوطن، وهو الذي لايغادر من التأريخ صغيرة ولا كبيرة إلا دونها في عمق ذاكرته المتقدة، الوضاءة أكثر من ذاكرة الشباب في مختبر العمر..
إلتقينا علي عزاء خالي محمد أحمد ، تعانقنا بكل شوق تحت شمس الحياة ..تحدثنا عن الأحباط الذي يعترينا منذ الاحداث الأخيرة ، وكان أول مرة أن أري في الراحل مرارة في سرد مايجري في الوطن ..
للحظات تأملت ملامح وجهه وتمنيت له العمر المديد .. اعتراني خوف للحظات وهو يشتكي من الاما في اسفل ظهره و.و.. من أن يأتي يوم أفجع به فنفقد هذا النور الذي يبزغ على غربتنا القسرية ..
كان إحترامي للراحل كأمعلم وأخ كبير يجعلني أستبعد عنه أي شيء يمت للموت بصلة ، وأراه بمنظار روحي التي تبعده عن الرحيل مهما طال عمره، فمثله لايمكن أن لايفجع به اي إنسان وإن كان عمره قرونا من السنين..
كم هي الحياة سريعة الزوال، وكم هي خادعة، إذ تجعلنا لانضع من نحبهم ونعتز بهم في خانة الراحلين يوما ونرى غيابهم بعيدا فنؤجل يومهم بقلوبنا ولا نعرف كم أن وجودهم كانت فرصة لنا لنتعلم منهم أكثر وأكثر..
الراحل الغالي الباشمهندس سيد عكاشة كان مدرسة للفكر والمواقف الوطنية والانسانية الشجاعة، فكم ضحى وأعطى للتغير في السودان الكثير من جهده وسنين عمره مواقفا ً مشرفة يذكرها القاصي والداني.. كان لا يعرف المداهنة والإلتواء في المبدأ ورحل وهو لايملك من الحياة سوي القليل. رحل خفيفا، جليلا، ملائكيا، لكنه ملك حب كل من عرفه كل شئ ..
هكذا يرحل أمثال سيد عكاشة
هكذا يسكنون القلوب ويشغلون الدنيا بفقدانهم الموجع..
هكذا نشعر أننا فقدنا معه كل شيء حتى أننا دهشنا بأنه كان محورا غير مرئي لحياتنا تائهين في المنافي بعد هذه الاحداث المريرة ، وبأنه كان من يذكي في أرواحنا محبة الأوطان كل يوم، يشعلها في كل لقاء، وكأنه الحارس الأمين على وطنيتنا التي يخشى عليها أن تخبو ، فيغذيها بفكره، ويذكرنا كي لا نتيه في غربة المنافي وننسى.
برغم من أوجاعه علي كل المستويات، كان يفرح باللقاء بنا كأصدقاء وأقارب ويبتهج منطلقا بما جادت به ذاكرته من سنين النضال، وهو الذي إذا انتبهنا لكلامه نجده في كل جملة يذكر كلمة وطن، في كل جملة نشعر بحنين هائل كما الغصة أو الدمع العصي .. كان علي الدوام شوقه للوطن نازفا في أعماقه ، يوجعه حتى لو ابتسم بقفشاته المعروفة بها أو جامل الأخرين.
فكلما يكون في وعكة صحية، كان يتمسك بالحياة ولا يريد الرحيل قائلا:
لا أريد ان أموت إلا بأرض فرس الحبيبة مسقط رأسه ..
وهكذا كانت روحه تتوائم مع مشتهاه الوطني بإنتماءه البسيط والمركب وحبه النبيل لأرض أجداده، فرس غرب تلك الأرض الحبيبة والمزكاة بحضارة لها مايقارب ال ٤٥ الف عام في تركيبة أهلها ..
كانت مواقفه المبدأية التي لاتقبل أي مهادنة تزعج بعض مدّعي المبادئ، وكان يواجه أي موقف بصدق وشجاعة رافضا المواربة والمجاملة على حساب المبدأ، في كل مجالات الحياة.
زهد فقيدنا بكل مايغري سواه، فلم يحلم بأي شيء من متاع الدنيا مطلقاً ..
هكذا يرحلون أمثال سيد عكاشة
يعانون في حياتهم، يتألمون من أجل الآخرين، ثم يتذكرونهم بعد الرحيل، إذ تبقى كلماتهم النبيلة وحكمتهم، وأعمالهم الجليلة جرساً فقد زره ولم يستطع أحد إيقافه، يبقى يدق ويدق في ضمائر وعقول الذين غفلوا عن الحق، أو الذين يطمحون للمعرفة وانتهاج دروب النضال من أجل الخير والعدالة..
الخميس ٢٠٢٥/٨/٢٨ بعد أن ودعنا راحلنا الكبير ، لانملك غير الكلمات وحرقتنا عليه وكفي ..
كل العزاء والصبر لرفيقة دربه الفاضلة / حنان هارون والأسرة الصغيرة والممتدة ..
خالص المواساة والعزاء للأهل بحلفا الجديدة بفرس شرق وغرب وعموم النوبيين داخل وخارج السودان وللذميلات والزملاء بالحزب الشيوعي السوداني داخل و في منافي الأرض ..
الخلود للراحل والمحبة لمسيرته ولتأريخه المشرف الناصع الذي بالضرورة سنظل نفتخر به ماحيينا ..
mohamed.abdommm@icloud.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم