العلاقة بين المثقف و الجيش في السودان كانت دائمًا متوترة، متشابكة، ومليئة بالتناقضات. أضع لك تحليلًا منظمًا:
الخلفية التاريخية منذ الاستقلال (1956) ظل الجيش لاعبًا مركزيًا في السياسة السودانية، عبر الانقلابات العسكرية المتكررة (عبود 1958، نميري 1969، البشير 1989). كان المثقف السوداني، بحكم حضوره القوي في الحركة النقابية والطلابية (اتحاد الطلاب، اتحاد العمال، نقابة الأطباء، المعلمين)، كان غالبًا صوتًا نقديًا ومعارضًا للسلطة العسكرية.
كانت طبيعة العلاقة تتلخص في (١) علاقة صراع: فالمثقف السوداني (شيوعي، يساري، قومي، إسلامي نقدي) كان يرى في الجيش أداة استبداد تُغلق المجال العام والجيش كان ينظر إلى المثقف باعتباره “محرّضًا” على الفوضى أو تهديدًا للاستقرار. هذا الصراع تجسد في القمع، السجون، الإعدامات وغيرها. (ب) علاقة تحالف/اختراق: بعض المثقفين انخرطوا في مشاريع السلطة العسكرية، خاصة في حقبة الإنقاذ (1989–2019) حيث لعب مثقفو الإسلاميين دور “العقل الأيديولوجي” للنظام لكن بعد مفاصلة الترابي (1999)، انكشفت هشاشة هذا التحالف، إذ استغل العسكريون الفكر لتثبيت سلطتهم ثم تخلصوا من بعض “المفكرين” حين لم يعودوا مفيدين.
(ج) علاقة شد وجذب: في ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، لعب المثقفون والنقابيون دورًا مركزيًا في إسقاط العسكر، لكن الجيش سرعان ما عاد ليحكم عبر انقلاب جديد.العلاقة إذن أشبه بحلقة مفرغة: عند حدوث الثورة بمشاركة المدنيون (المثقفون) يحدث مايسمى انحياز وتدخل الجيش وتؤدي بعد فترة في إعادة إنتاج الاستبداد.
في الثورة السودانية (2018–2019) لعب المثقفون (الأكاديميون، الكتّاب، قادة لجان المقاومة) دورهم وصاغوا الشعارات الكبرى: حرية، سلام، وعدالة. الجيش دخل على الخط بعد سقوط البشير ليحافظ على مصالحه الاقتصادية والسياسية (شركات الجيش، الدعم السريع) وكانت النتيجة الصدام الدموي بين طموحات المثقف المدني وواقعية “السلطة العسكرية” التي لا تريد مغادرة المشهد.
الإشكاليات الجوهرية في علاقة المثقف والجيش يمكن تلخيصها في الشرعية: المثقف يستند إلى الشرعية الأخلاقية والفكرية، بينما الجيش يستند إلى القوة المادية و”الأمن”. المشروع: المثقف يبحث عن دولة مدنية ديمقراطية، والجيش يبحث عن بقاء سلطوي بأي صيغة. التوازن: غالبًا ما ينجح الجيش في قمع المثقف، لكنه لا يستطيع القضاء على أفكاره؛ فيعود الفكر ليتحول إلى ثورة جديدة.
العلاقة بين المثقف والجيش في السودان هي علاقة تصادم بنيوي: المثقف يرى الجيش كعقبة أمام الدولة المدنية الحديثة. الجيش يرى المثقف كتهديد لسلطته ومصالحه. في بعض المراحل ظهر تحالف ظرفي (كما مع الإسلاميين)، لكن النتيجة دائمًا كانت أن الجيش يستعمل الفكر كغطاء ثم يفرض منطقه الخاص. لذلك يمكن القول إن جوهر الصراع السياسي السوداني منذ الاستقلال حتى اليوم هو صراع بين “سلطة العسكر” و”مشروع المثقف المدني”.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم