عبدُ القادرِ محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com
رُجوعًا إلى مقالي بعنوان: «كلُّ شيءٍ واردٌ، لكنَّ الأفضلَ أن نتريَّث»، أُؤكِّدُ بأنَّ المقالَ في جوهرِه لم يكن حولَ إثباتٍ أو نفيِ الاتهامِ الموجَّهِ للجيشِ باستعمالِ الأسلحةِ الكيميائية، ولا أملكُ الصلاحيةَ القانونيةَ أو العلميةَ للنفيِ أو الإثبات. ومنعًا لأيِّ لَبسٍ، ذكرتُ أنَّ “الإسلاميِّين” ارتكبوا جرائمَ من شأنِها أن تجعلَ ارتكابَ جريمةِ استخدامِ السلاحِ الكيميائي واردةً في حقِّهم.
السياقُ الذي كتبتُ فيه المقالَ كان في إطارِ أنَّ هذا الملفَّ بالغُ الخطورةِ والحساسيةِ، بما يستوجبُ إبعادهُ عن شبهةِ الصراعِ السياسي، وقد أوضحتُ الجوانبَ السلبيةَ المترتبةَ على ذلك. علمًا بأنَّ الملفَّ كان قد بدأ بالفعل يُستخدمُ في هذا الصراع، بدليل المقال المنسوب زورًا إلى الكاتبةِ أماني الطويل، ومقالاتٍ أخرى في القروباتِ غيرِ مُذَيَّلةٍ بأسماء.
لو كنتُ قد اطَّلعتُ في حينِه على ما نشرهُ المجلسُ الأعلى للبيئة، لتناولتهُ في مقالي لتوضيحِ الفارقِ الجوهري. فالمجلسُ تحدَّث عن تلوثٍ كيميائيٍّ في ولايةِ الخرطوم ناجمٍ عن قصفِ قواتِ الدعمِ السريع لمصانع، بينما الاتهامُ الموجَّهُ للجيشِ يتعلَّق باستخدامٍ متعمَّدٍ لأسلحةٍ كيميائيةٍ محظورةٍ بموجبِ اتفاقيةِ حظرِ الأسلحةِ الكيميائية.
قد يكونُ هذا التصريحُ محاولةً للتغطيةِ على الاتهامِ الموجَّهِ للجيش، لكنهُ لا يُعَدُّ اعترافًا بذلك الاتهام، إذ يظلُّ الأمرُ رهنًا بقرارِ لجنةِ التحقيقِ المحليةِ ومدى مصداقيتِه.
وأعتقدُ، وفوقَ ما أوردتُه في المقال، أنَّ استخدامَ هذا الملفِّ في الصراعِ السياسي في هذه المرحلةِ يضرُّ بجديَّةِ تناولِه كقضيةٍ وطنيةٍ بالغةِ الخطورة يجبُ عدمُ التهاونِ في الوصولِ إلى حقيقتِها. فإذا ثبتَ الاتهامُ، يصبحُ من حقِّنا أن نتداولَهُ في إطارِه السياسي وكجريمةٍ تُصنَّفُ دوليًّا كجريمةِ حرب، وكجريمةٍ ضدَّ الإنسانية، وكجريمةِ إبادةٍ جماعية.
ومع ذلك، وبالنظر إلى الانتقادات الموجَّهة للمقال بشأن الآثار الوخيمة حال ثبوت الواقعة، أقرُّ بأن المقال قد شابَهُ بعض النقص والقصور، مما قد يربك المواطن بين مصدِّقٍ ومكذِّب للاتهام. وهذا يستدعي المزيد من التوضيح باقتراح الحلول، أنا بشر والخطأ من طبيعة البشر، فجلّ من لا يخطئ.
لذلك، أُضيفُ لمقالي إنَّ هذا الاتهام، سواءٌ كان صحيحًا أم زائفًا، يفرضُ على البرهان وجميعِ العسكريين والمدنيين في السلطة، وعلى اللجنةِ الوطنيةِ المكلَّفةِ بالتحقيق، على الصعيدين الفردي والمؤسسي، التزامًا قانونيًّا ودينيًّا وأخلاقيًّا وإنسانيًّا بكشفِ الحقيقةِ للشعب، فلا يُعفيهم تضرُّرُ مصالحِهم؛ فليس من المعقولِ أن يضعوا مصالحَهم فوقَ حياةِ شعبٍ بأكملِه، ونعتقدُ أنَّ أيَّ مسؤولٍ يتحلَّى بقدرٍ من الإنسانية ينبغي أن يحرصَ على ألَّا يُتَّهَمَ أمامَ شعبِه بما يمسُّ شفافيَّتَهُ ونزاهتَه في أمرٍ يتعلَّقُ بمثلِ هذه الجريمةِ الخطيرة.
▪️ فإذا كان الاتهامُ صحيحًا، فعليهم الاعترافُ، والكشفُ عن الأماكن، واتخاذُ كافةِ الإجراءاتِ المعمولِ بها دوليًّا لحمايةِ صحةِ المدنيين في تلك الأماكنِ ومنعِ دخولِ المواطنين، وكذلك تطبيقُ الإجراءاتِ الدوليةِ المتعلِّقة بتنظيفِها وتأمينِها. وتظلُّ مسؤوليتُهم عن الجريمة مسألةً أخرى.
▪️ وإذا كان الاتهامُ ليس صحيحًا، فلا يكفي مجرَّدُ النفي لبثِّ الطمأنينةِ في نفوسِ الناس في ظلِّ حاجزِ الثقةِ المشروخِ بين المواطنِ والسلطة، خاصَّةً هي المتَّهَمة. فيبقى المطلوبُ إعادةُ تشكيلِ اللجنةِ الوطنيةِ وتغذيتُها بخبراءَ دوليِّين مستقلِّين، ونشرُ أسماءِ أعضاءِ اللجنة ليتأكَّدَ الشعبُ من كفاءاتِهم واستقلاليتِهم، وإعلانُ القرارِ للشعب.
▪️ هذه القضيةُ تضعُ على عاتقِ جميعِ القوى السُّودانية، المدنيةِ وغيرِ المدنية، خارجيًّا وداخليًّا، مؤيِّدًا ومعارضًا، مسؤوليةَ جعلِها قضيةَ الساعةِ حتى تتكشفَ الحقيقةُ كاملة.
حاشية: انتقد بعض الإخوة رأيي في رفض التدخّل الدولي، فهم يرون أن تصرّفات البرهان قد تقود البلاد إلى الضياع والشعب إلى الهلاك، ولذلك يعتبرون التدخّل الدولي أفضل. هذا رأي له مسوِّغاته، لكنّي أرى أن التدخّل الدولي لن يخدم الشعب. الدول الكبرى، لو كانت جادّة في إيقاف الحرب، لفعلت، وتاريخ أمريكا يوضح أنها لا تقف إلى جانب الشعوب، وطريقة تواصلها الغامضة مع البرهان لا تشير إلى سعي جاد لحل الأزمة. وما دامت تمتلك أدلة على استخدام الأسلحة الكيميائية، فالجانب الإنساني يستوجب عليها كشفها حمايةً للشعب. والقول بغير ذلك يعني إقرارنا بحقها في التكتم عليها بغرض الضغط على البرهان لتحقيق مصالحها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم