من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان ، مقالات من بطون كتب
- مدخل عام
يُنظر عادةً إلى الموارد الطبيعية مثل النفط والذهب باعتبارها الثروة الكبرى للدول، غير أن التجارب التاريخية والحديثة تؤكد أن الثروة الحقيقية تكمن في العقل البشري المتعلم. فالتعليم، إذا وُضع في إطار استراتيجي، يصبح أصلًا استثماريًا طويل الأجل، تتجاوز عوائده أي مورد طبيعي ناضب.
- التعليم كأصل استثماري
النفط يُستخرج وينضب، والذهب يُخزّن ويُباع، بينما التعليم يولّد عقولًا جديدة، وابتكارات متجددة، واقتصادات متطورة. هذا الأصل لا يعرف الانتهاء، بل يتضاعف أثره عبر الأجيال. لذا فهو أعظم منجمٍ يمكن للدول استثماره.
- تجارب عالمية ناجحة
فنلندا: جعلت التعليم المجاني عالي الجودة أساس نهضتها، فانتقلت من دولة زراعية فقيرة إلى نموذج عالمي في الاقتصاد المعرفي.
كوريا الجنوبية: بعد الحرب الكورية، اعتمدت على الاستثمار المكثف في التعليم التقني والعالي، فصارت قوة صناعية وتكنولوجية عالمية.
سنغافورة: لم تملك ذهبًا ولا نفطًا، لكن بفضل التعليم الموجّه نحو الابتكار والانضباط المؤسسي، تحولت إلى مركز مالي وتكنولوجي عالمي.
- التعليم في دول العالم الثالث
رغم وضوح هذه النماذج، ما تزال كثير من دول العالم الثالث، ومنها السودان وأغلب الدول الإفريقية والعربية، أسيرة لنظرة قصيرة الأجل، تركّز على الموارد الطبيعية وتهمّش التعليم. ومع ذلك، هناك محاولات جادة:
رواندا: استثمرت في التعليم الرقمي، ما جعلها تُعرف بـ “سنغافورة إفريقيا”.
مصر: بدأت مبادرات واسعة للتعليم التقني والجامعي المرتبط بسوق العمل.
المغرب: عززت الجامعات التقنية والبحث العلمي في مجالات الطاقة المتجددة.
- البعد الاستثماري والاقتصادي
تشير الدراسات إلى أن كل دولار يُستثمر في التعليم يمكن أن يُنتج ما بين 5 إلى 15 دولارًا من النمو الاقتصادي على المدى الطويل (تقديرات البنك الدولي). وفي كوريا الجنوبية مثلًا، ساهم التعليم بنسبة تفوق 50% من النمو الاقتصادي خلال العقود الثلاثة الماضية، وهو رقم لم يتحقق عبر أي مورد طبيعي.
- التوصيات
- جعل التعليم أولوية في السياسات الوطنية، لا مجرد قطاع خدمي.
- الاستثمار في التعليم التقني والعالي والبحث العلمي.
- ربط المناهج بسوق العمل والاقتصاد العالمي.
- دعم الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص.
- اعتبار التعليم موردًا سياديًا، يوازي في قيمته النفط والذهب وربما يتفوق عليهما.
- خاتمة
التعليم ليس كلفة بل استثمار، وليس خدمة اجتماعية فقط بل أصل استراتيجي تنتظم حوله الأمم. فحين ينضب النفط ويُستهلك الذهب، يبقى الإنسان المتعلم هو الأصل المتجدد، الذي يُعيد بناء الاقتصاد والمجتمع باستمرار. من هنا، فإن الاستثمار في التعليم هو الخيار الأضمن لمستقبل الدول، وخاصة دول العالم الثالث التي تبحث عن طريق النهضة.
المراجع
Amartya Sen, Development as Freedom, Oxford University Press, 1999.
Joseph Stiglitz, Creating a Learning Society, Columbia University Press, 2014.
البنك الدولي: تقارير التنمية العالمية حول التعليم (2018–2021).
علي عبد الواحد وافي، التعليم والمجتمع.
عبد الله عبد الدائم، مستقبل التعليم في الوطن العربي.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم