lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
في أي دولة، يكون المواطن البسيط حجر الأساس الذي يُبنى عليه الوطن، لكنه غالبًا ما يبقى في الظل، بعيدًا عن الأضواء الإعلامية، صامتًا أمام الأزمات، ومحتفظًا بأمله رغم كل الصعوبات. في جنوب السودان، هذا المواطن يواجه تحديات مضاعفة: الأمن الهش، الفقر المزمن، ضعف الخدمات الأساسية، النزاعات المسلحة المتكررة، والانقسامات السياسية والاجتماعية العميقة. ومع ذلك، يظل هو الركيزة الحقيقية التي يمكن أن تنهض بالدولة إذا أحسنت القيادة الإنصات له ومنحته الأدوات اللازمة للتمكين والمشاركة الفعلية. المواطن البسيط ليس مجرد شخص يعيش يومه في البحث عن لقمة العيش. إنه رمز الصمود والقدرة على التحمل. الفلاح الذي يزرع الأرض رغم تهديد النزاع المسلح، المعلم الذي يفتح أبواب المدرسة رغم شح الموارد، والناشط المجتمعي الذي يوثق الانتهاكات ويطالب بحقوقه، هم جميعًا أبطال صامتون. هؤلاء لا تُسجل أسماؤهم في الصحف، ولا تُذكر مآثرهم في المنابر الرسمية، ومع ذلك يشكلون اللبنة الأساسية في بناء الدولة. عمل المواطن اليومي، مهما بدا بسيطًا، يشكّل صرحًا صامتًا من بناء الدولة: من إعادة بناء المنازل بعد تدميرها، إلى تنظيم المجتمعات المحلية للمساعدة المتبادلة، إلى حماية النسيج الاجتماعي للأحياء والمدن والقرى. كل فعل صغير له أثر كبير على استمرارية الدولة، لكن هذا الصرح هش إذا لم يحظ بالدعم والتقدير المناسب. التحدي الأكبر الذي يواجه المواطن البسيط هو غياب العدالة والمشاركة الحقيقية في صنع القرار. فالسياسة غالبًا ما تُدار بعيدًا عن همومه، والقيادات تتنافس على السلطة والثروة، بينما المواطن هو من يدفع الثمن، سواء في شكل حرمان من الخدمات، أو تهجير قسري، أو فقدان الأمن. في جنوب السودان، يعيش المواطن البسيط على وقع النزاعات المتكررة: الهجمات المسلحة، الاقتتال بين الفصائل، ونقص الأمن الشخصي والمجتمعي. هذه الأوضاع تجعل من الحياة اليومية معركة بحد ذاتها. ومع ذلك، فإن صموده وإرادته يشكلان قوة هائلة إذا ما استُخدمت كمرشد لبناء مؤسسات قوية وخدمات فعالة. تجربة جنوب السودان تقدم لنا أمثلة حيّة على دور المواطن البسيط في مواجهة التحديات: • الفلاح: رغم النزاعات، يستمر في زراعة أرضه، ويحاول إنتاج الغذاء لأسرته ومجتمعه. هو من يضمن الأمن الغذائي رغم انعدام الدعم الحكومي الكافي. • المعلم: يواصل تعليم الأطفال، حتى في المدارس التي تفتقر للمقاعد والكتب والوسائل التعليمية، فيضحي بوقته وجهده لبناء جيل متعلم قادر على تغيير الواقع. • الناشط المجتمعي: يوثق الانتهاكات، ويناضل من أجل الحقوق المدنية والسياسية، ويخلق مساحة للمواطنة والمشاركة، رغم المخاطر المحيطة به. كما أن المرأة في المجتمع تعتبر عمودًا مهمًا في استدامة الحياة اليومية، فهي تدير الأسرة، وتشارك في النشاط الاقتصادي، وتساهم في الحفاظ على ثقافة المجتمع وقيمه، رغم ظروف النزاع والتهجير. المواطن البسيط في جنوب السودان يعيش ثنائية مستمرة بين الأمل واليأس: • الأمل ينبع من إرادته في الحياة والعمل وحماية أسرته ومجتمعه، ومن ثقته في أن المستقبل قد يكون أفضل إذا ما استمر بالصمود. • اليأس ينبع من التجاهل الرسمي، وفقدان الخدمات الأساسية، واستمرار النزاع والعنف المسلح، مما يجعله عرضة للإحباط والانسحاب الاجتماعي. هذه الثنائية تحدد سلوك المواطن، وتؤثر في قدرته على المساهمة في بناء الدولة. أي استراتيجية وطنية لبناء الدولة يجب أن تركز على تمكين المواطن البسيط، وحماية حقوقه، وضمان مشاركته الفعلية في كل مستوى من مستويات صنع القرار. تجارب عالمية تثبت أن المجتمع الذي يقدّر المواطن البسيط ويمنحه أدوات المشاركة، يمكنه تجاوز أزمات طويلة: • رواندا: بعد الإبادة الجماعية، كان المواطن المحلي هو الذي ساهم في إعادة بناء المجتمع والزراعة والتعليم، ما جعل الدولة قادرة على التعافي بسرعة. • جنوب أفريقيا: المواطن البسيط كان حجر الزاوية في جهود المصالحة والمشاركة الوطنية، مما مكن الدولة من تحقيق استقرار نسبي بعد عقود من الفصل العنصري. في جنوب السودان، المواطن البسيط، رغم الظروف الصعبة، يقوم بدور مشابه لكنه يحتاج للدعم الرسمي والشعبي لتستمر هذه القوة الصامتة وتتحول إلى قوة فاعلة لبناء الدولة. اقتصاد جنوب السودان يعتمد بشكل كبير على الموارد الطبيعية، خاصة النفط، لكن المواطن البسيط يواجه فقرًا مزمنًا، ونقصًا في البنية التحتية، وانعدامًا في فرص العمل. تقدير المواطن البسيط يعني تطوير سياسات اقتصادية: • دعم الزراعة المحلية والأمن الغذائي. • توفير فرص عمل للشباب والنساء. • تعزيز الأسواق المحلية وتحسين النقل والتجارة الداخلية. بدون هذه الإجراءات، تبقى الدولة هشّة، ومواطنها البسيط يتحمل عبء الفقر والبطالة وعدم الاستقرار. التمكين السياسي والاجتماعي تمكين المواطن البسيط يعني منح الفرصة للمشاركة الفاعلة في: • الانتخابات الحرة والنزيهة، بحيث يشعر أن صوته مسموع. • المجالس المحلية وصنع القرارات المجتمعية. • حماية حقوقه المدنية والسياسية، ومكافحة الفساد والانتهاكات. كما أن تمكين المواطن يشمل التعليم والتثقيف حول حقوقه وواجباته، وبناء قدراته على المشاركة في التنمية وصنع القرار، بما يضمن تحول صموده اليومي إلى قوة بناءة وفاعلة. المرأة، بصفتها نصف المجتمع، تشكل عنصراً حيويًا في هذا البناء. دورها لا يقتصر على الأسرة، بل يشمل: • الإدارة الاقتصادية للأسرة. • المشاركة في المشاريع الصغيرة والتجارة. • نقل الثقافة والقيم الاجتماعية، بما يضمن استدامة المجتمع. تمكين المرأة جزء لا يتجزأ من تمكين المواطن البسيط بشكل عام، ويزيد من قدرة الدولة على الصمود والتنمية. دور الشباب الشباب يشكلون مستقبل الدولة، وهم الأكثر تضررًا من النزاعات. تمكينهم يعني: • التعليم المستمر والتدريب المهني. • إشراكهم في مشاريع التنمية المحلية. • منحهم صوتًا في السياسات المحلية والوطنية. الشباب المواطن هو محرك التغيير الحقيقي، وهو من سيكتب التاريخ القادم بجانب المواطنين البسطاء من جميع الفئات. خطوات عملية لتمكين المواطن البسيط 1. تمكين اقتصادي واجتماعي: ضمان وصول المواطن إلى مصادر الدخل، وتحسين الخدمات الأساسية. 2. تعليم وتدريب مستمر: بناء قدرات المواطن ليصبح قادرًا على المساهمة في التنمية وصنع القرار. 3. مشاركة حقيقية في الحكم المحلي: فتح مجال المشاركة في المجالس المحلية واللجان المجتمعية. 4. حماية حقوقه: ضمان حماية المواطن من التمييز والاستغلال والانتهاكات. 5. تقدير جهوده: الاعتراف بمساهماته اليومية في بناء الدولة. الدولة الحقيقية ليست فقط مؤسسات وقوانين، بل شعب يعرف قيمته ويشارك في صنع مستقبله. المواطن البسيط هو حجر الزاوية الذي يمكنه أن يحول هذه الأرض من فسيفساء نزاعات وصراعات إلى وطن قادر على الصمود والنمو والاستقرار، إذا ما استُمع له وأُتيح له مكانه الطبيعي في قلب صناعة القرار الوطني. في النهاية، المواطن البسيط هو البطل الصامت الذي يحمّل الوطن أمله. دعمه وتمكينه ليس رفاهية، بل شرط أساسي لاستقرار الدولة ونموها. أي استراتيجية لبناء الدولة يجب أن تبدأ بالمواطن، لأنه هو الذي يحول الأزمة إلى فرصة، والانقسام إلى وحدة، واليأس إلى أمل، ويكتب تاريخ الوطن بصوت مسموع وأمل لا ينكسر.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم