الاقتصاد الريعي مقابل الاقتصاد المنتج: مفارقة النمو الزائف في دول العالم الثالث
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
المقدمة
في قلب الجدل التنموي الذي يواجه دول العالم الثالث، يبرز التمييز بين الاقتصاد الريعي والاقتصاد المنتج كأحد المفاتيح لفهم أسباب التبعية، البطالة، وتآكل السيادة الاقتصادية. فبينما يُغري الريع الحكومات بعوائد سريعة دون جهد إنتاجي، يُبنى الاقتصاد المنتج على العمل، الابتكار، والتصنيع، وهو ما يُعد أساسًا للتنمية المستدامة. في هذا المقال، نُحلل الفروق الجوهرية بين النموذجين، ونُفكك كيف يُستخدم الريع كأداة احتكارية تُعيد إنتاج التبعية، بينما يُمثل الإنتاج طريقًا للتحرر الاقتصادي.
أولًا: الاقتصاد الريعي
الاقتصاد الريعي هو نمط اقتصادي يعتمد على تحقيق الدخل من مصدر غير إنتاجي، مثل:- تصدير الموارد الطبيعية الخام (نفط، ذهب، فوسفات).- تحصيل الإيجارات أو الرسوم دون خلق قيمة مضافة.- الاعتماد على تحويلات خارجية أو مساعدات دولية.
ويُعرف الريع بأنه دخل لا يرتبط بعملية إنتاجية حقيقية، بل يُستمد من امتياز أو احتكار أو موقع جغرافي.
ثانيًا: الاقتصاد المنتج
الاقتصاد المنتج
هو نمط اقتصادي يُركز على:- التصنيع المحلي وتحويل المواد الخام إلى سلع ذات قيمة مضافة.- الزراعة الذكية التي تُنتج وتُصدّر.- الابتكار التقني والمعرفي.- تنمية رأس المال البشري عبر التعليم والتدريب.
هذا النموذج يُعزز من قدرة الدولة على خلق فرص عمل، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتحقيق استقلالية اقتصادية.
ثالثًا: مفارقات الريع في العالم الثالث
الوفرة مقابل الفقر-
دول غنية بالنفط أو الذهب تعاني من الفقر والبطالة.- مثال: نيجيريا، الجزائر، السودان.
الاستقرار الزائف-
الريع يُغذي أنظمة سياسية استبدادية عبر شراء الولاءات.- يُضعف مؤسسات الرقابة والمساءلة.
التبعية الدولية-
الريع يُربط بأسواق عالمية متقلبة.- يُفقد الدولة قدرتها على التحكم في مصيرها الاقتصادي.
رابعًا: آثار الاقتصاد المنتج
تنمية مستدامة-
بناء سلاسل إنتاج محلية.- تقليل الاعتماد على الخارج.
عدالة اجتماعية-
توزيع الفرص عبر قطاعات متعددة.- تقليل الفجوة بين الريف والحضر.
سيادة وطنية-
امتلاك القرار الاقتصادي.- مقاومة الضغوط الدولية.
خامسًا: كيف ننتقل من الريع إلى الإنتاج؟
إصلاح السياسات الاقتصادية- تقليل الاعتماد على تصدير الخام.- فرض ضرائب على الريع وتوجيهها للتنمية.
دعم التصنيع المحلي- إنشاء مناطق صناعية.- تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
الاستثمار في الإنسان- إصلاح التعليم الفني والمهني.- دعم البحث العلمي والابتكار.
التعاون الإقليمي- تبادل الخبرات الصناعية.- بناء تكتلات إنتاجيةجنوب–جنوب.
خاتمة
الاقتصاد الريعي هو فخ النمو الزائف، بينما الاقتصاد المنتج هو طريق التحرر الحقيقي. وبينما يُغري الريع بالراحة، يُتطلب الإنتاج جهدًا واستثمارًا طويل الأمد. لكن المكاسب الحقيقية لا تُبنى إلا على العمل، المعرفة، والتصنيع. إن دول العالم الثالث، وفي مقدمتها السودان، تمتلك من الموارد والطاقات ما يؤهلها للانتقال من الريع إلى الإنتاج، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية.
المراجع
- Hazem Beblawi – The Rentier State in the Arab World
- Joseph Stiglitz – Creating a Learning Society
- UNDP – Arab Human Development Report
- UNCTAD – Economic Development in Africa Report
- World Bank – From Mines to Markets: Adding Value to African Resources
- Mariana Mazzucato – Mission Economy
- ASJP Journals – دراسات حول الاقتصاد الريعي في الجزائر والسودان
- MRK Journals – أبحاث حول التصنيع المحلي في أفريقيا
- South Centre – Industrial Policy and Development
- Oxfam – From Extraction to Transformation: Rethinking Resource Economies
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم