في وداع أم طارق … من أحقّ بالدمع منها؟

فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ
حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً
شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي

الموتُ هو قَدَرُ الإنسان المحتوم الذي لا مردّ له حين يحين موعده المثبّت في اللوح المحفوظ … ورغم يقيننا به، تظلّ مصيبة الموت أفدح من أن يعتاد عليها الإنسان.
فما من عينٍ جفَّ دمعها، إلّا وذرفته سخياً على فقد الأحبّة،
وما من قلبٍ مهما تحلّى بالثبات، إلّا وخفق جزعًا حين يُنعي الناعي من نحبّ…
قضى الله – ولا رادّ لقضائه – أن ترحل الأمّ الغالية حليمة عبدالنبي محمد سليمان (أم طارق)،
رحلت على عجلٍ في تمام ساعة الأجل، إلى جوار ربها ورحابه السنيّة.
إنّ اللسان مهما بلغت بلاغته، ليعجز عن الحديث عن الأحبّة الراحلين. ومع ذلك، فإنّ أقلّ ما يُقال في وصف مناقب أم طارق، عليها رحمة الله ورضوانه:
أنها عاشت بقلبٍ طيبٍ ممتلئٍ بالحبّ غير المشروط للآخرين، تعاملت مع الأهل والجيران بخير ما عُرف عن السودانيين من تواضعٍ وتسامحٍ ومحبة. فبادلها الجميع حبًّا واحترامًا، كما يُحبّ من أحبّه الله فحبّب فيه الناس.
عاشت وفيّة بينهم، بأدبٍ جمّ، وتواضعٍ نبيل، وسريرةٍ نقية، وسيرةٍ محمودة. كانت حفنةً من المكرمات، يشهد الناس لها بذلك وبعمل الخير وصالح الأعمال.
كانت صادقةً في قولها، صادقةً في مشاعرها، كانت من الأخيار: زوجةً صالحة، وأمًّا حنون، وجدةً رؤوم..
تركتِ في نفوسنا ومن عرفوها جُروحًا غائرة لا تندمل، وحُزنًا مقيمًا يأبى الرحيل. تركتِ فراغًا في الأسرة الصغيرة والكبيرة لا يملؤه أحد.
إنه فقدٌ عظيم في زمنٍ مرير، ترحل فيه وهي بعيدةٌ عن وطنها السودان، وعن أهلها وجيرانها الذين أحبّتهم وأحبّوها، وكم تمنّت أن تموت وتُوارى فيه ويُعزَّى فيها في بيتها بينهم.
قلبي مع رفيق دربها، والدي بشرى فرح عبدالرحمن، ومعي إخوتي وأخواتي: عبدالرحمن، وصال، ندى، عصام، ومعتز، ومع ازوجهم وزوجاتنا، وأبنائنا وبناتنا .
قلبي مع الأحفاد: سميرة، سحر صالح المقبول وإيمان عماد منور، وسائر الأحفاد الذين نهلوا من حنانها ودفئها.
وقلبي مع أخيها سليمان وأبنائه، وأختها هندية وأبنائها، وأبناء المرحومة مريم. لقد كنتِ لنا جميعًا “أمّ الكل”…
لكن عزاءنا أنها ستزورنا طيفًا في الأحلام، وسنلتقيها في جنات الخُلد بإذن الله.
أسأل المولى الكريم أن ينعم بالصبر والسلوان على كلّ أفراد الأسرة، وكلّ من عرفها وأحبّها.
اللهم إنا نسألك أن تغفر لوالدتنا حليمة، وأن ترحمها رحمةً واسعةً بقدر رحمتك التي وسعت كلّ شيء ولم تنفد، وأن تحفّها بلطفك وعنايتك، وتقرّ عينها بجوار حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم. اللهم اجعل الجنة متقلّبها ومثواها، واجعل البركة فينا من بعدها؛ زوجها، وأبنائها، وبناتها، وأحفادها، وإخوتها، وأهلها، وأحبابها، وكل عارفي فضلها. وان لا تحرمنا أجرها، ولا تفتنّا بعدها، واحشرنا معها في زمرة النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا.
سلامٌ عليك يا أمي في الغياب، كما كان سلامًا في الحضور.
“إنا لله وإنا إليه راجعون.”
طارق فرح

tariqbf@gmail.com

عن طارق فرح

طارق فرح

شاهد أيضاً

بابكر فيصل.. في ظلال السلطان -الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة ( قراءة جديدة)

بقلم: طارق فرح tariqbf@gmail.com “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” تشرفت بأن أهداني المؤلف …