ما يجري في قاعة الأمم المتحدة في الدورة الثمانين للجمعية العمومية المنعقدة في مقرها الدائم بنيويورك نهاية هذا الشهر، وما جاء في كلمات الرؤساء والوفود، يظهر وكأن العالم لم يتغير من حيث كثافة الأزمات ومشكلاته الإنسانية، وبدت خريطة أزمات العالم وتحديات المشكلات الاقتصادية والصراعات وأزمات البيئة والأوبئة، تشير إلى تراجع كبير، ربما تجاوز قدرة المنظمة الأممية على احتوائه بطرقها التقليدية. وعلى ما شهدت قاعات جلسات الأمم المتحدة من أحداث تاريخية منذ إنشائها، إلا أن حدث التصويت على الاعتراف بدولة فلسطين، لا يماثله حدث أممي بشأن قضية عربية، منذ أن ألقى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات خطابه الشهير في 1974. فقد شهدت حدثا تاريخيا في دورتها الحالية تمثل في مؤتمر حل الدولتين، واعتراف دول كبرى بالدولة الفلسطينية، ما شكل خطوة غير مسبوقة تجاه السياسات التي ظلت تدعم إسرائيل، وتنفي في الوقت نفسه حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته منذ قرار الأمم المتحدة للتقسيم عام 1947 وما تلاها من قرارات غير قابلة للتنفيذ.
وظل دورها وأهميتها في الإعلام مكان تساؤل دائم، وكذلك المطالبات بإصلاحات في هيكل المنظمة الدولية، خاصة مجلس أمنها، الذي تستحوذ عليه قوى الفيتو الخمس، وكيف أنها لم تزل حبيسة عالم الحرب الباردة ومشكلاتها، التي تخطاها العالم منذ ثمانية عقود. ولعل في انتقاد الرئيس الأمريكي على عدائيته الأمم المتحدة، إلا أنه يكشف عن موقفها وحالتها في عالم اليوم وتحدياته، ومدى ضعفها أمام هيمنة الدول الأقوى وسياساتها المهددة لمبادئها في السلم والأمن الدوليين. وهكذا ظلت المؤسسة الأممية منذ إنشائها ساحة لاستعراض بلاغة السياسات المبطنة، ومنبرا يعكس على الدوام تناقضات السياسة الدولية، أكثر من التقارب الذي تستدعيه المواقف والأزمات؛ وهو أمل لا تحققه اجتماعاتها الدورية، لعدم كفاية دورها القانوني، ونفوذها المقيد بعوامل هيكلية، تجعل منها مظلة رمزية لدول العالم على الفوارق بينها، على مستوى القوة والنفوذ. فالمشكلة مع الأمم المتحدة، التي يجب أن تتعامل كمؤسسة تعنى بالتعامل مع التهديدات الأمنية الخطيرة، إذ تخول المادة 51 استخدام القوة، التي لا بد أن يتم من خلال مجلس الأمن، إلا أن مجلس الأمن الذي يعكس عضويته التحالف المنتصر في الحرب العالمية الثانية، قد صمم ليصبح مؤسسة ضعيفة. فحق الفيتو المستخدم من جانب الأعضاء الدائمين، يضمن لهم أن المجلس لن يعمل بشكل يتعارض ومصالح دولهم.
ومن الصراع الروسي الأوكراني الممتد لأكثر من ثلاث سنوات، إلى الحروب الأهلية في السودان وبورما وغير ذلك من بؤر ملتهبة، تأتي هذه الدورة والعالم العربي قد تصاعدت أزمته في قضية الشرق الأوسط بسبب المجازر الإسرائيلية في قطاع غزة، واستهداف إسرائيل لإيران ثم قطر كأحد أهم التوترات الدولية، التي تضع النظام الدولي المؤسسي أمام اختبار بالغ الأهمية، بالقياس إلى منطق علاقات القوى وشرعية استخدامها بالتفوق، كما وصفها أمير قطر الشيخ تميم بأنها تراجع منطق النظام الدولي أمام منطق القوة، يعني السماح بتسيد منطق الغاب. وليس هناك ما هو أدل على تسيد هذا المنطق وعلى تداعياته الخطيرة من سياسات إسرائيل في المنطقة، بما يعصف بجميع الترتيبات الخاصة بشأن السلام بما فيها حل الدولتين. وهذا ما يبرر هيمنة غزة على خطابات الرؤساء والزعماء العرب والأجانب، رفضا لوحشيتها غير المسبوقة أمام أنظار العالم. وأن هذه السياسة الإسرائيلية تقوض جهود العالم على ما تواثق عليه في ميثاق المنظمة من حفظ للأمن والسلام الدائمين.
وتعد هذه الدورة استثنائية فيما شهدته من تباين في وجهات النظر بين الدول الغربية والولايات المتحدة حول القضية الفلسطينية، والاعتراف بدولة فلسطين، الذي حاز مئة وتسعة وخمسين صوتا، وانتقالها بالتالي من مقعد المراقب إلى دولة كاملة العضوية في الجمعية العمومية حال قيامها. إن إقرار الأمين العام أنطونيو غوتيريش بأن الأمم المتحدة بعد ثمانين عاما تواجه التحديات نفسها التي واجهها مؤسسوها، يشير إلى مرحلة حرجة لم تعد معها المنظمة ووثائقها بالقدرة التي تمكنها من الاستجابة المطلوبة. ففي ظل اختلال موازين القوى وتحالفاتها بمفهوم العلاقات الدولية على خريطة العالم والمتقاطعة بين مصالح تاريخية واقتصادية، بما يتجاوز الشرعية الدولية، رغم استخدام الوسائل الشرعية الدولية نفسها، توظيفا وغطاء غايته التبرير بما فيها المنظمة الدولية من قبل دول مهيمنة. ويعيد هذا الوضع للمؤسسة الدولية ما أثاره مفكرون بأن المنظمة الدولية تواجه مشكلة كبرى مع الشرعية، وتنبع هذه المشكلة من أن عضويتها تستند إلى السيادة الشكليّة، بدلا من تعريف موضوعي للعدالة، خاصة إنها لا تطالب أعضاءها بشكل عملـي بأن يكونوا ديمقراطيين، أو أن يحترموا حقوق الإنسان. هذه المعادلة بالنسبة لواقع سياسات العالم، كما بدت أثناء تأسيس المنظمة، لازمت أنشطة المنظمة المتلاحقة، التي شغلت منذ البداية بواسطة ديكتاتوريات، ودول غير ممثلة شرعيا منذ أن كان صراع الحرب الباردة الأيديولوجي يقوم أساسا على الاختلاف حول مبادئ العدالة، فليس غريبا أن تكون الأمم المتحدة عاجزة ومتوقفة باستمرار عن التعامـل مع مشكلات الأمن الدولـي.
وما بين رغبات وأمنيات خطباء المنصة الأممية من رؤساء وممثلين، تبقى دول العالم الثالث وأزماتها ونظمها الهشة، في التنمية والاقتصاد وارتفاع معدلات الفقر، أبعد من محاولة التأثير على وجهة المنظمة، وغالبا ما تكتفي باستعراض حال بلدانها التي تعصف بها الصراعات والأزمات الإنسانية، فدول العالم التي لديها مقاعد في المنظمة الدولية بوصفها دولا ذوات سيادة من مختلف قارات العالم، تأمل في التعاون والدعم من وكالات الأمم المتحدة المتخصصة في التنمية والتعليم وغيرها، أكثر من أي هدف آخر بشأن الإصلاح أو الهيمنة على القرار الدولي في سياق نظام المنظمة.
وعلى هامش مداولات الدورة، وما تشهده من فعاليات ولقاءات بين رؤساء العالم، التي عادة ما تناقش فيها قضايا البلدان أكثر من قضايا العالم، تتقارب فيها وجهات النظر وتكوين ما يشكل تحالفات محدودة لدعم قضايا محددة. وبما أن هذا المنتدى العالمي الذي اتخذ شعار «معاً بشكل أفضل: 80 عاماً وأكثر من أجل السلام والتنمية وحقوق الإنسان»، تظل الأمم المتحدة وجمعيتها العامة المكان الوحيد الذي يجمع دول العالم تحت مظلة واحدة إلى الآن. فحاجة دول العالم إلى شرعية أممية دائمة تظل أمرا ملحا لبعض البلدان، خاصة تلك التي توصف بالدول الأقل نموا. فالشاهد أن العالم لم تتغير أزماته في الذكرى الثمانين للمنظمة الدولية، قياسا على المشكلات والأزمات التي تسببت فيها الدول المؤسسة، أو المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. فمن المشكلات الأكثر تعقيدا لا تتعلق بقدرة المنظمة على التكيف مع برنامجها في السلام والتنمية والتعاون بين مجموعة دول الكوكب، بقدر الحفاظ على حد أدنى من الاقتراب من عدالة عالمية تبدو مستحيلة بين دول العالم على مستوى احتياجها الإنساني لما يقدم عبر المنظمة، أكثر من المقاييس السياسية التي تسم قراراتها. وإن ما يواجه العالم من صراعات وهي الأكثر مدعاة للتحرك الفعلي نحوها قد لا توقفها الخطب من على المنصات، دون أي دور فعال يجعل من استراتيجيات الدبلوماسية والقانون الدولي تعمل بكفاءة كما نُص عليها في الوثائق والاتفاقيات الملزمة.
كاتب سوداني
نشر بالقدس العربي# 1 أكتوبر 2025م
nassyid@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم