حمى الضنك “حمى تكسير العظام” .. مسار المرض ، التشخيص ، العلاج

د. حسن حميدة
مقدمة:
يشهد السودان حاليًا تفشيًا واسع النطاق لحمى الضنك. ويُعزى ارتفاع عدد الحالات إلى تدهور الأوضاع الصحية والوقائية بسبب الحرب، مما أدى إلى انهيار البنية التحتية، وتدمير مصادر المياه، وتراكم النفايات واختلاط الصرف الصحي، مما يؤدي إلى خلق بيئات ملائمة لتكاثر البعوض الناقل للمرض، ويزيد الأزمة حدة، حلول فصل الخريف، وارتفاع منسوب مياه الانهر، والفيضنات المرتبطة بذلك. وتتوزع الإصابات بحمى الضنك بشكل رئيسي في كل من ولايتي الخرطوم والجزيرة. وتسجل السلطات الصحية عددًا كبيرًا من الحالات، بما فيها المستعصية. يحدث هذا وسط مخاوف من عجز القطاع الصحي المحلي المُنهك عن مواجهة الأزمة، مما يزيد من صعوبة السيطرة عليها كوباء في طريقه للانتشار بصورة أوسع، لتغطية مناطق أخرى جديدة وبعيدة.

على النطاق الإقليمي، تمثل حمى الضنك مشكلة صحية متنامية عالميا، إذ حيث سُجلت أكثر من ۱٤ مليون حالة إصابة وأكثر من ۱۰۰۰۰حالة وفاة في عام ۲۰۲٤ وحده، مع انتشار المرض في حوالي ۹۰ دولة. وتتطلب الاستجابة الفعالة للوقاية، نهجًا متعدد يشمل كل المؤسسات الصحية، إلا أن نقص الموارد والعاملين في القطاع الصحي والوعي الوقائي يُشكلان تحديات كبيرة لمكافحة الوباء. ووفقًا لأحدث إحصاءات منظمة الصحة العالمية، سجلت البرازيل مجددا أعلى عدد من حالات حمى الضنك بين الدول كمرض مستوطن فيها.

تاريخ المرض:
عُرفت حمى الضنك منذ ألفي عام في الصين، ووُصفت لأول مرة في العصر الحديث عام ۱۷۸۰ في الفلبين. وسُميّت آنذاك “بحمى تكسير العظام” نظرًا لألمها الشديد. ومنذ عام ۲۰۱٤، أصبحت حمى الضنك مشكلة صحية عالمية رئيسية، لا سيما في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، خصوصا التي توجد فيها مساحات شاسعة من المستنقعات، مُسببةً لملايين الحالات سنويًا في جميع أنحاء العالم. ويرجع ذلك إلى انتشار البعوض الناقل للفيروس المسبب للمرض.
وُصفت حمى الضنك لأول مرة في العصر الحديث على يد الطبيب البريطاني السير باتريك مانسون، الذي لاحظ أعراضها لدى سكان هونغ كونغ في أواخر ثمانينيات القرن الثامن عشر. وتاريخيًا يظل هناك لبس حول موطن حمى الضنك الأصل، عما إذا كان ذلك في إندونيسيا أم اليابان أم الصين أم مصر القديمة. ويُرجّح أن مصطلح “دنج” مُشتق من الإسبانية أو البرتغالية، ويعني تاريخيًا “الروح” أو “التشنجات الخفيفة”.

التوزيع الجغرافي:
يعيش حوالي نصف سكان العالم في مناطق معرضة لخطر حمى الضنك، بما في ذلك أجزاء كبيرة من الأمريكتين وأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. وتتزايد الحالات باستمرار وتنتشر إلى مناطق جديدة لم تعرف المرض من قبل. وتشير التقديرات إلى أن حوالي ۴۰۰ مليون شخص حول العالم يُصابون بفيروس حمى الضنك سنويًا. ويُصاب واحد فقط من كل أربعة أشخاص بفيروس حمى الضنك، بينما يبقى ثلاثة من كل أربعة أشخاص بدون أعراض ظاهرة. أهم مناطق انتشار المرض حاليا هي: جنوب شرق آسيا وغرب المحيط الهادئ (إندونيسيا، فيتنام، تايلاند، ماليزيا، الفلبين، وفيجي)، أمريكا الجنوبية (البرازيل، كولومبيا، بيرو، فنزويلا، والإكوادور)، أمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي (المكسيك، كوبا، جمهورية الدومينيكان، وبورتوريكو)، آسيا وجنوب المحيط الهادئ (فيتنام، ماليزيا، كولومبيا، لاوس، سنغافورة، بولينيزيا الفرنسية، فيجي، كاليدونيا الجديدة، والصين)، وأفريقيا (تنزانيا، بوركينا فاسو، إثيوبيا، بنين، والسودان).

إنتقال العدوى:
ينتقل فيروس حمى الضنك إلى الإنسان عن طريق لدغ البعوض المحامل لعدوى المرض في مناخات مدارية وشبه مدارية، وعادة في أنحاء العالم بأسره وفي مناطق حضرية وشبه حضرية على الأغلب. النواقل الرئيسية المسؤولة عن نقل المرض هي البعوض من نوع الزاعجة المصرية أو بعوض النمر الآسيوي (بعوض منقط باللون الأبيض). ويعتبر الناقل الأخير في الوقت الحالي، أكثر اتزايداً في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية.

فترة الحضانة:
تتراوح فترة حضانة حمى الضنك عادةً من أربعة إلى عشرة أيام بعد لدغة بعوضة محملة بالفيروس. هذه هي الفترة التي ينتقل فيها الفيروس إلى جسم الإنسان دون ظهور أي أعراض. تلي هذه الفترة مرحلة ظهور الأعراض الأولية، والتي قد تشمل الحمى والصداع وآلام الجسم، وتستمر عادةً من يومين إلى سبعة أيام.

مسار المرض:
يختلف مسار حمى الضنك من شخص لآخر بشكل كبير. هناك حوالي ثلاثة أرباع الحالات تكون بدون أعراض أو ذات أعراض خفيفة، بينما قد تُشكل الحالات الشديدة، مثل حمى الضنك النزفية أو متلازمة صدمة الضنك، خطرًا على الحياة. بعد فترة حضانة تتراوح بين أربعة وأربعة عشر يومًا، تبدأ المرحلة الحادة بحمى وصداع وآلام في الجسم. يشير التدهور المفاجئ بعد المرحلة الحمية إلى مسار خطير، يتميز بعلامات تحذيرية مثل ألم شديد في البطن وقيء مستمر ونزيف. وغالبًا ما تُشفى العدوى الأولية، ولكن العدوى الثانوية بنوع مختلف من فيروس حمى الضنك قد تُسبب مرضًا أشد حدة.

التشخيص:
أولا: يصعب التشخيص السريري لحمى الضنك نظرًا لعدم تحديد الأعراض الأولية بدقة. ومن هنا لا يمكن تحديد الحالات المتفرقة إلا من خلال الكشف المعملي لفيروس حمى الضنك، وتمييزها عن أمراض فيروسية أخرى متشابهة في الأعراض الأولية، مثل حمى شيكونغونيا، والحمى الصفراء، وعدوى فيروس غرب النيل، والملاريا. تُؤكد الأعراض الشائعة المصاحبة، كالحمى والطفح الجلدي وآلام العضلات والمفاصل الشديدة، الاشتباه بحمى الضنك.
ثانيا: عادة ما يُسحب الدم لتأكيد حالة الاشتباه في التشخيص. في بداية العدوى، يُمكن الكشف عن الحمض النووي الفيروسي وبعض البروتينات الخاصة بالفيروس في الدم، تُكتشف هذه البروتينات باستخدام اختبار معملي سريع. ومع اقتراب نهاية العدوى، قد تكون هذه المكونات قد اختفت من الدم. ولذا تُستخدم اختبارات الأجسام المضادة بعد ذلك للكشف عن دفاعات الجسم (الأجسام المضادة) ضد الفيروس. ويُمكن لهذه الاختبارات المعملية أن تُقدم أدلةً قاطعة حول ما إذا كانت العدوى حادة أم حدثت منذ فترة.
ثالثا: يستطيع الأطباء أيضًا الكشف عن تغيرات أخرى في الدم يُسببها فيروس حمى الضنك. هنا على سبيل المثال: غالبًا ما ينخفض عدد الصفائح الدموية، وترتفع مستويات وظائف الكبد والكلى، بالإضافة إلى مستويات الالتهاب. ويُسبب انخفاض عدد الصفائح الدموية، المسؤول عن تخثر الدم، أعراض النزيف المذكورة أعلاه. وفي الحالات الشديدة، يمكن اكتشاف تضخم الكبد عن طريق الموجات فوق الصوتية.

العلاج:
لا يوجد علاج محدد لحمى الضنك، ولكن يعتبر التشخيص في الوقت المناسب، وتحديد العلامات التحذيرية لحمى الضنك الشديدة، والعلاج الفوري من العناصر لأساسية للرعاية الطبية للوقاية من المرض وتطوره لحمى الضنك الوخيمة، وعليه خفض نسبة الوفايات المرتبطة بذلك. مع كل هذا، يمكن علاج الأعراض المصاحبة للمرض في عيادات خارجية متخصصة. تشمل إجراءات العلاج القصوى ما يلي: الراحة والاستجمام، شرب الكثير من الماء والسوائل، مسكنات الألم وخافضات الحرارة، يُفضل هنا استخدام الباراسيتامول، وينصح بتجنب العلاج بالأسبرين (لأنه يزيد من سيولة الدم، وبه زيادة النزيف).

الحالات السريرية:
يوصى بالعلاج السريري في المستشفى إذا حدث أي من الحالات التالية: القلق والارتباك، نقص تناول السوائل أو نقص كمية البول، انخفاض عدد الصفائح الدموية، النزيف الشديد، اختلال الدورة الدموية، تدهور الحالة العامة، وفقدان الوعي والتغييب.

حمى الضنك الوخيمة أو النزفية:
الأفراد الذين يصابون بالعدوى للمرة الثانية هم أكثر عرضة من غيرهم لخطر الإصابة بحمى الضنك الوخيمة أو النزفية. وغالباً ما تظهر أعراضها بعد زوال الحمى من قبيل ما يلي: ألم شديد في البطن، التعب والإرهاق الشديدين، نزيف شديد من الأنف واللثة، أثر دم في البراز أو البول أو القيء، ضيق التنفس، فشل وظائف الأعضاء، الصدمة بسبب فقدان كمية كبيرة من الدم، الوفاة عند إهمال العلاج. وينبغي أن يسارع الأشخاص الذين يبدون هذه الأعراض إلى التماس الرعاية السريرية المكثفة أو طب الطوارئي فوراً.

امكانيات التطعيم:
أول لقاح توصي به منظمة الصحة العالمية، هو لقاح “دنجفاكسيا” من شركة “سانوفي باستور”، والذي طرح للتسويق في بعض الدول في عام ٢٠١٥. ومنذ ذلك الحين، طُوّرت لقاحات أخرى مشابهة من عدة دول، وحصل العديد منها على موافقة أو قيد التطوير من قِبل شركات مختلفة. وعموما يوفر اللقاح الحديث حمايةً ضد عدة أنماط فيروسية جينية مسببة لحمى الضنك، ولكنه ليس فعالاً بنسبة ١٠٠% ضد جميع السلالات الموجودة. ويُنصح عادةً بالتطعيم للأشخاص في سن معينة، عادةً ما تبدأ من ۹ أو ۱۰ سنوات، حسب توصيات المنتج للقاح والمنطقة التي توجد يها سلالات بعينها. ويُشترط إجراء تقييم طبي قبل التطعيم، بما في ذلك لا بد من مراعاة الإصابات السابقة بحمى الضنك. الحالة الصحية. وعليه تختلف الموافقات والتكاليف وجداول التطعيم من بلد للآخر. ويختلف توافر اللقاح بشكل كبير وتبني ذلك على فترات زمنية محددة لتحقيق الحماية الكافية، وعادةً ما يلزم تناول جرعات متعددة. وفي الغالب ما تكون هناك آثار جانبية خفيفة (ألم في موضع الحقن، صداع، حمى)؛ ونادراً ما تحدث ردود فعل شديدة بسبب التطعيم.

التشخيص التفريقي:
يشمل التشخيص التفريقي أمراضًا أخرى ذات أعراض مشابهة، مثل الحمى الفيروسية والإنفلونزا والحصبة وفيروس زيكا وحمى غرب النيل وحمى شيكونغونيا وحمى أوروبوش والحمى الصفراء والحصبة الألمانية والإنفلونزا والملاريا. يمكن تمييز حمى الضنك من خلال أعراضها المميزة، مثل الحمى المفاجئة والصداع الشديد (خاصة خلف العينين) وآلام العضلات والمفاصل الشديدة (لذا سميت بحمى تكسير العظام) والطفح الجلدي والنزيف الخفيف.

تغير المناخ وانتشار حمى الضنك:
يُسهّل تغير المناخ من انتشار حمى الضنك من خلال توسيع نطاق موائل وبيئات البعوض الناقل للفيروس، وخاصةً (بعوضة الزاعجة المصرية أو بعوضة النمر الآسيوي)، إلى مناطق جديدة، وتقصير مدة تكاثر العامل الفيروسي المسبب للمرض في مضيفه “هنا الإنسان”. كما أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتغير أنماط هطول الأمطار يُهيئان ظروفًا مثالية لتكاثر البعوض الناقل والفيروس معا، مما يؤدي إلى زيادة حالات الإصابة بحمى الضنك في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك جديدا في أوروبا وأمريكيا الشمالية.

عوامل أخرى مساعدة على الانتشار :
تساهم عدة عوامل أخرى في انتشار حمى الضنك، منها تكاثر البعوض الناقل في بيئات ملائمة، والتوسع الحضري الذي يوفر بيئات مناسبة لوضع بيض. كما يلعب نقص المناعة لدى السكان المعرضين للفيروس لأول مرة، وتكرار الإصابة دوراً هاماً. ويأتي زيادة على ذلك تسريع الانتشار مجددا عبر السفر والتنقل ونشاط حركتي الملاحة البحرية والجوية على حد سواء، بالإضافة إلى نقص الوعي المجتمعي بسبل الصحة العامة وطرق مكافحة الناقل والوقاية من المرض.

الاحتياطات لصحية اللازمة للوقاية:
لتجنب الإصابة بحمى الضنك في المنزل، يُنصح بالتخلص من البعوض عن طريق نظافة الأماكن وتهوية الغرف وادخال الضؤ لها، والتخلص من المياه الراكدة في الأواني والمغاسل، وتغطية خزانات المياه، ومعالجة مياه الصرف الصحي، واستخدام ستائر النوافذ المانعة للبعوض. كما يُنصح باستخدام المبيدات الحشرية وطاردات الحشرات، وارتداء ملابس بيضاء تغطي كل الجسم، والنوم تحت الناموسيات المصبغة أو المعالجة كيمائيا، وهذا خاصةً خلال فترات نشاط البعوض خلال النهار، و متابعة رصد و إحصائيات وإرشادات منظمة الصحة العالمية، والنظر بتمعن في النشرات الصحية الصادرة محليا من المؤسسات الصحية والوقائية المرجعية لدرء مخاطر حمى الضنك كمرض وبائي فتاك.

Email: hassan_humeida@yahoo.de

عن د. حسن حميدة

شاهد أيضاً

حرب السودان والآثار البيئية المترتبة عليها (1)

د. حسن حميدةبناءً على رصد الخسائر البيئية الناجمة عن الحرب الدائرة في السودان “الغزو على …