أبيي.. الجرح المفتوح بين شمال لا يريد الحل وجنوب لا ينسى القضية!

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

منذ فجر تكوين الدولة السودانية الحديثة، ظلت منطقة أبيي تمثل إحدى أكثر القضايا تعقيداً في مسار العلاقات بين شمال السودان وجنوبه. فهي ليست مجرد منطقة جغرافية متنازع عليها، بل تختزن في باطنها سردية كاملة عن إخفاقات المشروع الوطني، وعن العجز التاريخي في بناء دولة تتسع لتعدد الهويات والثقافات. فبين شمالٍ لم يتصالح مع ماضيه الاستعماري وجنوبٍ لم ينسَ مرارات التهميش، تقف أبيي شاهدة على تاريخ طويل من سوء الفهم السياسي والتلاعب بمفاهيم العدالة والانتماء. تبدأ جذور الأزمة في العام 1905، حين قررت الإدارة الاستعمارية البريطانية نقل تبعية منطقة مشايخ دينكا نقوك من بحر الغزال إلى مديرية كردفان لأغراض إدارية محضة. لم يكن القرار آنذاك يعبّر عن إرادة السكان، بل عن منطق السيطرة الاستعمارية التي كانت تنظر إلى الحدود باعتبارها أدوات لضبط النفوذ لا لتحديد الهوية. هذا الإجراء الإداري البسيط ألقى بظلاله الثقيلة على الوعي الجمعي لأجيال لاحقة، إذ زرع بذرة الشك في العدالة التاريخية التي تُبنى على قرارات فوقية لا تعبّر عن إرادة الناس. ومنذ ذلك التاريخ، ظل دينكا نقوك يعيشون حالة من الانقسام الوجداني بين انتماء ثقافي واجتماعي إلى الجنوب، وارتباط إداري وسياسي بالشمال. مع اقتراب نهاية الحرب الأهلية الأولى وتوقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972 بين حكومة جعفر نميري وحركة الأنيانيا بقيادة جوزيف لاقو، طُرحت قضية أبيي ضمن القضايا المعلقة. فقد نصّت الاتفاقية على أن يُجرى استفتاء لسكان أبيي ليقرروا ما إذا كانوا يرغبون في البقاء في الشمال أو العودة إلى الإقليم الجنوبي، غير أن هذا البند لم يُنفذ مطلقاً، شأنه شأن كثير من الوعود التي سقطت ضحية المماطلة السياسية. كان ذلك أول إخفاق رسمي في تحقيق العدالة التاريخية لسكان المنطقة، وأول دليل على أن الدولة المركزية كانت تنظر إلى أبيي من زاوية المصلحة السياسية لا من منظور الحق الإنساني. ثم جاءت اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) عام 2005 بين الحكومة السودانية (المؤتمر الوطني) والحركة الشعبية / الجيش الشعبي لتحرير السودان لتعيد فتح الجرح القديم. فقد نصّ البروتوكول الخاص بأبيي على الاعتراف بحقوق دينكا نقوك في الأرض، وعلى إجراء استفتاء لتحديد تبعية المنطقة بالتزامن مع استفتاء تقرير مصير جنوب السودان. لكن الخلاف سرعان ما تفجّر حول تعريف “سكان أبيي” الذين يحق لهم التصويت، إذ أصرت الحكومة على إشراك قبائل المسيرية الرعوية التي تتنقل موسمياً عبر المنطقة، بينما تمسكت الحركة الشعبية بأن التصويت يجب أن يقتصر على المقيمين الدائمين من دينكا نقوك. ومع غياب الثقة السياسية، تحوّل الخلاف القانوني إلى مواجهة هوياتية، أفرغت فكرة العدالة من مضمونها. وفي عام 2009، أحيل النزاع إلى محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي التي أصدرت قرارها بتقليص حدود منطقة أبيي من الجهة الشمالية والشرقية والجنوبية الشرقية، لكنها أبقت على جوهر الخلاف دون حسم. فالمحكمة لم تفصل في مسألة السيادة السياسية، بل اكتفت بإعادة ترسيم الحدود الجغرافية، وهو ما فُهم على أنه حلّ قانوني لقضية ذات طبيعة سياسية وأخلاقية أعمق. ومنذ ذلك التاريخ، ظل القرار مثار جدل، إذ اعتبرته الخرطوم انتصاراً لموقفها، بينما رأت فيه جوبا انتقاصاً من حقوق الدينكا نقوك لكن رحبت بها بينما تنصلت الخرطوم من استحقاق الاستفتاء. وعندما أُجري استفتاء جنوب السودان في يناير 2011، لم يُنفذ الاستفتاء الخاص بأبيي رغم النص الواضح في الاتفاقية، وهو ما فُسر على أنه رغبة متبادلة من الطرفين في تجنب مواجهة الحقيقة. ثم انفصل الجنوب رسمياً، وبقيت أبيي في منطقة رمادية: لا هي شمالية بالكامل ولا جنوبية تماماً. وفي أكتوبر 2013، أجرى أبناء أبيي استفتاءً شعبيًا غير معترف به دولياً أو إقليمياً، صوّت فيه أكثر من 99% لصالح الانضمام إلى جنوب السودان. لكن هذا التعبير الشعبي عن الإرادة ظل معلقاً في الهواء، بلا أثر قانوني أو سياسي، لأن الآلية الرسمية كانت غائبة والإرادة الإقليمية والدولية مترددة. ما يجعل قضية أبيي أكثر تعقيداً هو أنها تتجاوز الخلافات القانونية إلى عمق المسألة السودانية ذاتها: سؤال الهوية الوطنية. فالإنسان في أبيي يجد نفسه ممزقاً بين ثقافتين ونظامين سياسيين، يعيش في فضاء تختلط فيه الدم بالأمل. إنه نموذج مصغر لسياسات الحكومات السودانية في نقض العهود والمواثيق،فتحول إلى ساحة تنازع بين هويتين متصارعتين. ففشل الدولة السودانية في الإيفاء بالعهود والمواثيق لم يكن مجرد إخفاق إداري، بل تاكيدا لما آلت إليه الأمور في السودان حاليا. من منظور العدالة التاريخية، لا يمكن الحديث عن حل دائم لقضية أبيي دون الاعتراف بمسؤولية الدولة السودانية القديمة عن هذا الخلل. فالقرارات الإدارية التي اتخذت في ظل الاستعمار، ثم أُعيد إنتاجها بعد الاستقلال، خلقت شعوراً عميقاً بالظلم لدى سكان الجنوب عموماً وأبيي خصوصاً. كما أن استخدام القضية كورقة تفاوض في كل مرحلة من مراحل الصراع جعلها رهينة الحسابات السياسية الضيقة. وفي المقابل، فإن التعامل الجنوبي مع أبيي بوصفها رمزاً للهوية المفقودة جعلها محملة بعواطف قومية يصعب التنازل عنها، ما حوّلها من قضية أرض إلى قضية كرامة وطنية. العدالة لأبيي لا يمكن أن تتحقق بحدود تُرسم على الورق، بل بمصالحة تاريخية تعيد تعريف العلاقة بين الشمال والجنوب على أسس الاعتراف المتبادل والاحترام المشترك. فالقضية لم تعد فقط من يملك الأرض، بل من يملك الحق في أن يُسمع صوته. ينبغي أن يُعاد النظر في آليات الحل بعيداً عن ثنائية الربح والخسارة، وأن يُمنح سكان المنطقة فرصة حقيقية ليقرروا مصيرهم بحرية، وفق ترتيبات تضمن احترام حقوق دينكا نقوك في إقرار مصيرهم. إن مصير أبيي يشكل اختباراً للضمير الإقليمي والدولي، كما يشكل مرآة لمدى نضوج الوعي السياسي في الشمال والجنوب على السواء. فالاستمرار في تجاهل هذا الملف يعني استمرار نزيف الذاكرة، واستمرار انقسام السودان إلى دولتين متقابلتين على طرفي الجرح ذاته. ما تحتاجه أبيي ليس مزيداً من المؤتمرات والوساطات، بل شجاعة أخلاقية تعترف بالأخطاء وتضع الإنسان في قلب الحل. فإذا كان الجنوب قد نال استقلاله السياسي، فإن العدالة لأبيي تمثل استقلال الوعي من أسر الماضي، واستعادة الكرامة لمنطقة دُفعت ثمناً لأخطاء الآخرين. وحين يتحقق ذلك، يمكن أن تتحول أبيي من جرح في الذاكرة إلى رمز للمصالحة والاعتراف المتبادل بين شمال لا يريد أن يخسر وجنوب لا ينسى من أين جاء.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …