لطالما اعتبرت النخبة السياسية السودانية، منذ العقود الأخيرة للقرن العشرين، أن الحل لكل أزمات السودان مرتبط بالغرب، سواء عبر التمويل، المساعدات، أو الدعم السياسي. النظام الوطني في عهد حزب المؤتمر الوطني (1989–2019) رسّخ هذه الرؤية، رغم ادعائه بغير ذلك مستفيدًا من الدعم العسكري والاقتصادي الخارجي لتثبيت سلطته، مع توجيه النخبة الفكرية والإعلامية لتبرير سياسات الحكومة بما يتماشى مع مصالح الشركاء الغربيين. هذه التبعية الفكرية والسياسية انعكست في خطاب الدولة الإعلامي الذي ركّز على السلام، الاستقرار، و”الشراكة الدولية”، وغابت عنه العدالة الاجتماعية والمشروعات الوطنية المستقلة.
مثال مرجعي: حسن الترابي، السياسة في السودان: بين القومية والتبعية، الخرطوم، 1995.
تحديات 2011–2019: سقوط النموذج التقليدي فأزمة السودان لم تكن منعزلة عن التحولات الإقليمية: فالربيع العربي أعاد إحياء فكرة الإرادة الشعبية في مواجهة الأنظمة التقليدية. حراك ديسمبر 2018 أظهر أن الشعب قادر على فرض الإرادة السياسية، رغم قمع الجيش والمليشيات المرتبطة بالنخبة القديمة. ظهرت نخبة جديدة من الشباب والمثقفين والصحفيين الرقميين، تنشط في فضاءات رقمية مفتوحة، وتتبنى خطابًا مستقلًا عن الغرب، يقارب القضايا الوطنية من منظور مقاوم وتحرري.
مرجع محلي: مركز دراسات الرأي السوداني، حراك ديسمبر 2018: تحليل القوى السياسية والشبابية، الخرطوم، 2019.
النخبة السودانية تواجه واقعًا خاصًا: الانقسام بين الحكومة المدنية والجيش. فالجيش يحتفظ بنفوذ واسع ويعتبر نفسه ضامن الاستقرار الوطني، بينما تسعى النخبة المدنية لبناء مشروع نهضوي مستقل. هذه الديناميكية تشبه ما يحدث في بعض الدول العربية الأخرى: كيف يمكن للنخبة المقاومة أن تفرض مشروعها داخل الدولة في مواجهة مؤسسات تقليدية مهيمنة؟
مرجع محلي: أحمد زكي، الدولة والنخب العسكرية في السودان: قراءة تحليلية، جامعة الخرطوم، 2021.
السودان كمرآة للتحولات العربية الكبرى السودان يعكس التناقض بين: الإرث التاريخي للتبعية: سيطرة نخبة مرتبطة بالغرب على القرار السياسي. القدرة الجديدة على المقاومة: ظهور جيل واعٍ من الشباب والمثقفين قادر على استشراف مشروع وطني مستقل.
فالأحداث الأخيرة (الانقلابات، الحراك الشعبي، الضغط الإقليمي) تظهر أن السودان هو نموذج مصغّر للتحولات العربية الكبرى: الانفصال عن الغرب كمرجع شرعي، وصعود الوعي الذاتي كمحرك للتغيير.
مرجع محلي: منبر الدراسات السودانية، السياسة والتحولات المجتمعية في السودان بعد 2019، الخرطوم، 2022.
إذا استمرت التحولات الحالية، من المتوقع أن تنشأ نخبة سودانية مقاومة جديدة تتميز بـ: استقلالية الفكر السياسي والثقافي عن الغرب. القدرة على إدارة التحالفات الإقليمية (مع مصر، الخليج، وتركيا وغيرها) لتحقيق موقع استراتيجي للسودان في محور المقاومة والجنوب العالمي. القدرة على ربط المشروع الوطني بالمقاومة والثقافة والتنمية الاقتصادية، لتحقيق نهضة حضارية شاملة وتمثيل مصالح الشعب السوداني في صوغ القرار السياسي بعيدًا عن الوصاية الخارجية.
مرجع محلي: عبد الرحمن محمد علي، التحولات السياسية في السودان: رؤية استشرافية 2025–2035، الخرطوم، 2024.
السودان يمثل حالة مصغّرة للتحولات العربية الكبرى: من دولة تهيمن عليها نخبة مرتبطة بالغرب، إلى مجتمع يبحث عن استقلال القرار والنخبة المقاومة، حيث يبدأ الوعي الجماهيري والفكري في إعادة تشكيل السياسات الداخلية وربطها بالتحولات الإقليمية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم