lualdengchol72@gmail.com
حين ترهّلت الدولة وماتت الفكرة.. آثار البرجوازية المرحلية على المجتمع والحكم
بقلم: لوال كوال لوال
حين يترسّخ الفساد في جسد الدولة، لا يصبح مجرد سلوكٍ فردي، بل ثقافةً شاملة تغيّر شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين المواطن والوطن. وهذا ما حدث تماماً في تجربة ما بعد قرنق، حين استقرت البرجوازية المرحلية في قلب الدولة الجديدة، فبدأت تنهش في عظامها ببطءٍ من الداخل، حتى تحولت السلطة من وسيلةٍ لبناء الوطن إلى أداةٍ لحماية المصالح الخاصة. كانت الدولة الوليدة بحاجةٍ إلى مؤسسات قوية، وإلى قيمٍ جديدة تحكم سلوك السلطة والمجتمع. لكن بدلاً من أن تُبنى على أسس العدالة والمساءلة، شُيّدت على قاعدة الولاء والمحسوبية. وبدل أن يكون القانون مرجعاً للجميع، أصبح يُستخدم سلاحاً ضد الخصوم أو وسيلة لتبرير الامتيازات. لقد فقدت الدولة توازنها مبكراً، لأن الذين تسلموا مفاتيحها لم يأتوا بثقافة إدارة الدولة، بل بثقافة الغنيمة السياسية. تسللت البرجوازية المرحلية إلى كل المفاصل: من الاقتصاد إلى الإعلام، ومن الخدمة المدنية إلى القوات النظامية. صار الانتماء للحركة أو للقائد هو المعيار الأول للتعيين والترقية، بينما تراجعت الكفاءة إلى أدنى المراتب. وبذلك تحولت المؤسسات العامة إلى أذرعٍ تخدم أشخاصاً بعينهم، لا شعباً بأكمله. ومع الوقت، تلاشت فكرة الدولة لصالح فكرة “النفوذ”، وتحوّل الوطن إلى سلسلة من الإقطاعات الصغيرة تديرها شبكات المصالح، كلٌ يحمي نصيبه بما استطاع. في الجانب الاجتماعي، كانت الكارثة أكبر. فالمجتمع الذي خرج من عقودٍ من الحرب والألم، كان يتوقع أن يجد في الدولة الجديدة تعويضاً عن معاناته الطويلة، لكنه وجد نفسه أمام مشهدٍ جديد من التفاوت والتمييز. توسعت الهوة بين الطبقة السياسية المترفة والجماهير الفقيرة التي ما زالت تبحث عن مدرسةٍ لأطفالها أو مستشفىٍ لمرضاها. لقد تحوّل حلم التحرير إلى طبقيةٍ سياسيةٍ صارخة، حيث يعيش أبناء المسؤولين في عالمٍ من الرفاه بينما يكابد الشعب صعوبة العيش اليومي. ولأن السلطة الجديدة احتكرت الثروة، فقد بدأت الثقة الاجتماعية تتآكل. أصبح المواطن ينظر إلى الدولة بعين الريبة، وإلى السياسي بعين الاتهام. تراجعت قيم التضحية والانتماء، وحلّت محلها ثقافة “المصلحة” و“النجاة الفردية”. تلك الثقافة، التي نشرتها البرجوازية المرحلية دون أن تدري، كانت بمثابة السم الذي دمّر ما تبقّى من روح الجماعة الوطنية. أما على الصعيد السياسي، فقد خلقت هذه الفئة بيئةً خانقة تُقصي كل رأيٍ مخالف. تحول النقد إلى جريمة، والمعارضة إلى خيانة. ومن رحم هذا القمع نمت الانقسامات داخل الحركة نفسها. فما كان يُسمى “وحدة الصف” لم يعد إلا غطاءً هشًّا لإخفاء الصراعات العميقة بين مراكز القوى، صراعاتٍ لا علاقة لها بالفكر أو المبادئ، بل بالثروة والمناصب. لقد فقدت الحركة الشعبية القدرة على تجديد نفسها، لأنها صارت رهينة لأشخاصٍ يخافون أي تغيير قد يهدد مصالحهم. ومع تآكل المؤسسات، ظهرت نتائج مأساوية في كل المستويات: انهارت الخدمات العامة، وارتفع الفساد إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، وانتشرت البطالة والفقر رغم وفرة الموارد. ولأن السلطة كانت منشغلة بتوزيع المنافع، فقد تراجعت أولويات التنمية والاستقرار. تحولت الدولة إلى جسدٍ مترهّل يعيش على الإعانات، عاجزٍ عن إنتاج ما يكفيه، وعاجزٍ حتى عن إقناع مواطنيه بعدالة سياساته. لقد أدت هذه التحولات إلى انفصالٍ نفسي بين المواطن والدولة. لم يعد الناس يشعرون أن الدولة تعبّر عنهم، بل يرونها عبئاً عليهم. وبينما كانت الحركة الشعبية تُرفع يوماً كشعارٍ للوحدة الوطنية، أصبحت تُذكر اليوم كمثالٍ على خيانة المبادئ. هذه المفارقة المريرة لم تكن صدفة، بل نتيجة منطقية لمسارٍ انحرف منذ اليوم الذي فُضّل فيه الولاء على المبدأ، والمصلحة على الفكرة. وفي عمق هذا الانحراف، تموت القيم التي قامت عليها الثورة الأولى: التضحية، العدالة، والشفافية. فمن غير الممكن أن يُبنى وطنٌ على أنقاض الأخلاق. وحين تتقدم المصالح الخاصة على المصلحة العامة، يصبح الفساد منظومة، لا حادثاً عارضاً. وهنا تحديداً يبدأ الانهيار البطيء للدولة، حين تفقد قدرتها على إقناع الناس بشرعيتها، وحين يصبح القانون أداةً بيد الأقوياء. البرجوازية المرحلية لم تدمّر فقط الاقتصاد أو السياسة، بل شوّهت الوعي الجمعي نفسه. فأبناء الجيل الجديد الذين نشأوا في ظل هذه المرحلة لم يروا من الثورة إلا خطابها، ولا من الدولة إلا وجهها الفاسد. وهكذا، غاب القدوة، وغابت الفكرة التي يمكن أن تلهم جيلاً جديداً من الإصلاحيين أو الوطنيين. لقد أصبح الإحباط هو اللغة الرسمية، بعد أن ساد الشعور بأن كل شيء يُدار من أجل قلة لا من أجل الوطن. في النهاية، لا يمكن لأي دولة أن تستمر على هذا النحو. فالتاريخ أثبت أن الأنظمة التي تُبنى على الامتيازات لا تصمد طويلاً، لأنها تحمل بذور فنائها في داخلها. والحركة الشعبية، في شكلها الذي أفرزته البرجوازية المرحلية، كانت تسير نحو حتفها السياسي بلا وعي. كان الناس يتحدثون عن الثورة الماضية لا عن المستقبل، وعن الأمجاد القديمة لا عن الغد الممكن. وهكذا، تكلّست الفكرة وماتت، تماماً كما تموت الشجرة التي تُسقى بالسمّ بدل الماء. في الحلقة القادمة والأخيرة، سنقف أمام النتيجة النهائية لكل هذا المسار: كيف انتهت الحركة الشعبية إلى حالة من العزلة السياسية والجمود، وكيف فقدت مشروعها الأخلاقي والوطني، ثم كيف يمكن — رغم كل شيء — أن يُعاد إحياء الفكرة التي ماتت في القلوب قبل أن تموت في الشعارات.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم