كلام الخير والإيمان

د. خالد محمد فرح
Khaldoon90@hotmail.com

كلام الخير والإيمان لازمة أسلوبية، أو عبارة سائرة ارتبطت بجماعة التبليغ والدعوة الإسلامية في السودان، إحدى اقل الجماعات الإسلامية إثارة للجدل في البلاد، وكذلك أقلهن استهدافاً بالدراسة والبحث الأكاديمي ربما على الإطلاق. وربما كان السبب في ذلك، أن هذه الجماعة قد ظلت دائماً تنأى بنفسها عن الخوض في المعترك السياسي، على أي نحو، وأي مستوىً كان،هذا بالإضافة إلى كون أن منتسبيها أصلاً، قليلو العدد نسبيا بالمقارنة مع المجموعات الأخرى.
يُعتقد أن منشأ هذه الجماعة، بين مسلمي شبه القارة الهندية في الاساس، أي باكستان وبنغلاديش والهند، ومنها انطلقت لكي تعم اجزاء،واسعة من فضاء العالم الإسلامي بما في ذلك السودان. وتهدف هذه الجماعة إلى نشر الإسلام والدعوة اليه في شتى أنحاء المعمورة. وكذلك توطيد هديه وتعاليمه عن طريق الوعظ والإرشاد، والتذكير والحض على أداء العبادات والاكثار
من الأذكار والنوافل، والتمسك بالسنة والهدي النبوي، والتحذير عن ارتكاب المعاصي والموبقات. والترغيب في ثواب الآخرة ونعيمها المقيم للمتقين، والترهيب عن عذاب العصاة والمذنبين فيها
يخرج أفراد هذه المجموعة للدعوة في شكل مجموعات صغيرة، كل مجموعة لها وجهة محددة، ويقال ان كل فرد يتكفل بكامل نفقة تحركه هو بنفسه، وبحسب طاقته المالية. وبالتالي يكون هذا النشاط الدعوي، وإن بدا جماعياً في مظهره، من حيث التفويج والادارة والتنظيم، الا انه فردي من حيث التمويل.
لقد ظلت نقطة تجمع وانطلاق زمر أفواج هذه المجموعة الدعوية في السودان، هو مسجد بلال بحي جبرة بالخرطوم ، وقد كان نقيبها لعقود يسمى الدكتور دهب رحمه الله
ومن طريف ما يروى من أخبار هذه الجماعة في السودان، ان شرطة المباحث كانت تتعقب ذات يوم مجرماً ارتكب فعلاً جنائياً، وهرب واختبأ بين جموع المصلين الراقدين داخل مسجد بلال المذكور، قالوا فوصلت جماعة المباحث، وسألوا القائمين عن ذلك المسجد ان كان قد دخل عليهم شخصٌ أوصافه كذا وكذا . فرد عليهم أحدهم بان العثور على ذلك المجرم ، سيكون امرا ميسورا، لان جميع الراقدين سيكونون مضّجعين على جنوبهم اليمنى، ومتجهين نحو القبلة، أما ” زولكم ده ” فستجدونه منجدلاً كما اتفق ، وقد صدق حدس ذلك الرجل ، وألقي القبض على المجرم.
وأصل عبارة ” كلام الخير والإيمان “، ان نفراً من منسوبي هذه الجماعة يؤمون مساجد مختلفة في الحي او المدينة، لا يهمهم في ذلك إلى اي طائفة ينتمي غالب رواده، فيقوم احد افراد تلك المجموعة، بعد الفراغ من إحدى الصلوات المكتوبة، ويرفع صوته مخاطبا المصلين ، بأن يصبروا قليلا بعد الباقيات الصالحات وأداء النوافل متى ما كانت جائزة، وذلك حتى يستمعوا لكلام الخير والإيمان من أحد خطبائهم.

وفي الغالب لا تخرج خطبة الخير والإيمان، عن الوعظ والإرشاد إلى عموميات الدين وواجباته، والنهي عما هو بخلاف ذلك .. والسلام.
وكما هو ملاحظ، فإن خطب الخير والإيمان؛ تجئ كلها تقريبا ، من قبيل المتفق عليه، والذي لا خلاف فيه بين عامة المسلمين، لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة، وليس فيها بعد ذلك تزيد او تعبير عن اي موقف، او اي التزام من اي نوع كان.
ثم ما لبث هذا التعبير نفسه، ان انتقل الى فضاء الاستعمال العام، بحسب مقتضيات علم اللغة الاجتماعي. فصار يستخدمه بعض الناس ،وخصوصا طائفة من المسؤولين السياسيين والاداريين. للدلالة على انهم قد اسمعوا محاوريهم كلام الخير والإيمان.. بمعنى أنهم قد اسمعوهم كلاماً طيباً ، فلم يغلظوا عليهم في الخطاب ولم يحبطوهم، ولكنهم لم يُمنوهم الأماني.اي انهم قد شنفوا آذانهم فقط، ظل بمحض عبارات معسولة و طنانة ، لا تدل على اية التزامات او مواقف ملموسة محددة، تسجل عليهم، ذلك بأنّ الرجل يُمسك من لسانه كما يقول المثل الشعبي.

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

عن جيمي كليف والريقي وإيقاعات الغناء السوداني

بقلم: د. خالد محمد فرحKhaldoon90@hotmail.com رحل عن دنيانا الفانية قبل أيام قلائل، المغني الجامايكي الشهير …