حين يتحصّن الجهل بالوهم: عناد المعرفة ومرض الأنا

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لــوال كوال لوال
من أصعب ما يمكن للإنسان أن يواجهه في حياته الفكرية والاجتماعية هو ذلك النوع من الجهل الذي لا يعترف بنفسه، الجهل الذي يختبئ خلف ثقة مصطنعة ويقين زائف. ليس الجاهل هنا هو من لا يعرف، بل من يظن أنه يعرف كل شيء، ومن يضع قناعًا من الاطمئنان الفكري على وجه الحقيقة الغائبة. وهذا النوع من الأشخاص لا يكتفي بأن يرفض المعرفة، بل يرفض الاعتراف بأنه بحاجة إليها من الأساس. لذلك، يصبح من شبه المستحيل إقناعه أو إدخاله في حوار صحي، لأن الحوار الحقيقي يحتاج إلى استعداد مسبق للاستماع، وهذا ما يفتقده الجاهل المتعالي. هذا النوع من الجهل، والذي يمكن وصفه بالجهل المركب، يُشبه إلى حدٍّ بعيد نمطًا من أنماط النرجسية المرضية، حيث تتضخم الذات وتتحول إلى مركزٍ لا يدور حوله شيء سوى الإعجاب الوهمي بالنفس. وحين تتغذى الأنا على الوهم بدلاً من المعرفة، يصبح العقل مغلقًا أمام أي فكرة جديدة، ويكتسب صاحبه حصانة زائفة تمنعه من رؤية الواقع كما هو. يظن أنه في قمة الوعي بينما هو غارق في قاع الخداع الداخلي. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الجهل حين يتزيّن بغطاء الثقة يصبح أشدّ فتكًا من الجهل البسيط الذي يعترف صاحبه بحدوده ويبحث عن التعلم. إن رفض الحقيقة ليس دائمًا عنادًا مباشرًا، بل قد يكون دفاعًا نفسيًا عميقًا عن نظامٍ داخلي بناه الإنسان على مدى سنوات. فقبول الحقيقة أحيانًا ليس مجرد اعتراف بالخطأ، بل هو تفكيك لصورة متكاملة بناها الشخص لنفسه، صورة تمثل له مأوى نفسيًا يحتمي به من الانهيار. لذلك، حين تُعرض عليه فكرة صادمة أو مخالفة لما اعتاده، يشعر وكأنك تهدد حصنًا شيّده داخله، لا مجرد رأي اكتسبه بالصدفة. وهذه إحدى معضلات الوعي في المجتمعات؛ أن البعض يدافع عن الجهل كما يدافع الإنسان عن حياته، لأنه يعتبر الحقيقة خطرًا وجوديًا. ولعل من أكثر الأمور التي يصعب تفهمها أن الشخص الجاهل المتشبث بوهم المعرفة لا يرفض المعلومات لأنها غير مقنعة، بل لأنه غير مستعد نفسيًا للتغيير. فالتغيير يتطلب شجاعة، واعترافًا بالنقص، وإمكانية مراجعة الذات، وهذه أمور ليست سهلة على الجميع. لذلك يفضّل البعض التمسك بتلك “الجهالة المريحة” على مواجهة الحقيقة المربكة. وبهذا، يتحول الإصرار على الوهم إلى أسلوب حياة، وأسلوب تفكير، وأحيانًا إلى هوية كاملة. ومع كل هذا، يظل دور من يمتلكون المعرفة والرؤى النقدية هو تقديم الفكرة بوضوح وهدوء، دون الدخول في صدامات عقيمة. فالحقائق لا تحتاج إلى الصراخ لتثبت نفسها، والزمن وحده قادر على كشف ما تعجز عنه الحجة المباشرة. التجارب الإنسانية عادة ما تكون أكثر إقناعًا من أي خطاب نظري، والإنسان قد لا يقتنع حين تكلمه، لكنه قد يعود إلى كلامك لاحقًا حين تهزه تجربة واقعية. وهكذا تعمل الحقيقة: لا تفرض نفسها بالقوة، لكنها لا تسقط بالتجاهل. إن المجتمعات التي تنتشر فيها هذه الأنماط من الجهل المتعالي تواجه تحديًا كبيرًا؛ لأنها تُقيد إمكانات التطور وتحدّ من مساحة التفكير الحر. فحين يصبح الجاهل أكثر صوتًا من العالم، والمغرور أكثر حضورًا من الحكيم، تبدأ الحقائق في الانحسار ويبدأ الوهم في التشكل كبديل عنها. وهذا ما يجعلنا أمام ضرورة ملحّة لإعادة الاعتبار للعقل النقدي، ولثقافة الحوار، ولشجاعة الاعتراف بالخطأ. فنحن لا نرتقي بالمعرفة فقط، بل نرتقي بالقدرة على قبول ما يناقض هوى النفس. ومهما طال الطريق، تبقى مسؤوليتنا أن نكتب، ونناقش، ونوضح، ونفتح أبواب الوعي لمن يريد أن يعبر. فالمعرفة لا تموت، لكنها تنتظر من يحسن الاستفادة منها. أما الجهل، مهما بدا قويًا، فهو هشّ في جوهره، وينهار أمام أول تجربة تجبر الإنسان على مواجهة ذاته دون أقنعة. وعند تلك اللحظة، يدرك بعض الناس أن الحقيقة التي رفضوها يومًا كانت هي المفتاح الذي أضاعوه طويلاً. وهكذا، يظل الصراع بين الوهم والمعرفة صراعًا داخليًا أولًا، يدور في أعماق النفس قبل أن يظهر في نقاشات المجتمع. وبقدر ما يكون الإنسان صادقًا مع نفسه، بقدر ما يستطيع التمييز بين الحقيقة والصوت الذي يحب سماعه. ولذلك، فإن إيقاظ الوعي لا يحتاج إلى قوة، بل إلى صبر، لأن الهداية الفكرية ليست معركة ضد الآخر، بل رحلة نحو الذات. وفي النهاية، يبقى الأمل قائمًا. فحتى أكثر الناس عنادًا قد تهزّه لحظة صدق، أو تجربة قاسية، أو كلمة قيلت في وقتها المناسب. وما علينا إلا أن نواصل القول، ونترك للزمن دوره في كشف ما تعجز عنه المجادلات.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …