ردة ختان البنات في الشمالية

وليد محجوب
kairi.2win@gmail.com

عندما يركن أنصاف المتعلمين والمغروسين في بيئات تكبلهم بعادات مثل شراك لا فكاك منها، نلتمس الأعذار ونتلمس لهم الطرق الهادية إلى سواء السبيل برفق يتسرب إلى عقولهم. فردود الفعل العنيفة تزيد من غرس النفوس في وحل الخطيئة ولا تُنجيها.

لكن عندما يصدر فعل قبيح من خريج إحدى أرقي الجامعات السودانية وأكثرها عراقة، يجب ان نتوقف قليلاً، وأن ننظر بعين البحث عن موطن الخلل، لا بعين ندسها في الرمال حتى تمر العاصفة ثم نواصل المسير. سألت نفسي كثيراً لماذا نحن ناجحون في دول المهجر والاغتراب وفاشلون في الوطن، فوجدت أن مناهجنا التعليمية تُخرج موظفين ومهنيين بارعين، لكنها لا تخرج مواطنين صالحين. فعندما يُعيد رجل من المفروض أنه متعلم “فاهم” عروسه إلى أهلها بعد بضعة أيام من الزواج بحجة أنها غير مختونة، ويخيرهم بين ختانها أو طلاقها، واضعاً سِكَّين وصْمِها بعارٍ سيلحق بكل أهلها لمجرد طلاقها بعد أيام من زواجها، فقد ارتكب جريمة لا تُغتفر. جريمة تتناقض مع علم يُفترض أن يُوسع مداركه، لا أن يسمح لتقاليد بالية وأفكار خاطئة أن تقوده لاكتساب إثم غليظ.

اختارت أسرة ضحية الجهل القديم أن تسدل ستار السُترة على بوادر فضيحة قادمة، وختنت بنتها الخريجة الجامعية هي الأخرى. لكن نزيفاً حاداً نزع أستار السُترة وكشف المستور بعد أن خشيت الأسرة هلاك ابنتها. هي قصة متكررة في قرى وحواضر الشمالية، وليست حادثةً فردية. وحدهن يُراقصن أوجاع الليل، ويمضغن الألم في صمت، بينما يتجرع ازواجهن المتعة مثل سُكْرٍ من قنينة فارغة. ألِمِثلِ هذا التوجُع نتزوج؟

أعاد عروسه لختانها أو طلاقها فتبعه آخرون بفسخ خِطباتهم إن كانت الخطيبة سليمة. وذهبت أخريات بملء الشوق لزوج ولو بفكر معوج على القابلات ليشققن بالمباضع الصدئة أستار السلامة والسير في طريق العمى. أكثر من ثلاثين امرأة فقدن شغفهن بالحياة من أجل عادات بالية لا علاقة لها بالدين ولا بالفهم السليم. فقد ورد في قاموس المعاني في باب معنى “أشمي”: أشَمَّ الخاتِنُ: تَرَك من القُلْفَة قليلاً. ولا تُنْهِكي فإن ذلك أحظَى للمرأةِ وأحبُّ إلى البعلِ. وشتان ما بين ختان أُمُّ عطِيَّةَ الأنصارِيَّةُ رضِيَ اللهُ عَنها، وما بين الختان الفرعوني. لكن هنا يبرز سؤال مُلِح: لماذا لا يُمارس الختان في كل دول الجزيرة العربية؟ هل خفيت عليهم السنة أم أن هناك فقهاً نجهله؟

أما الختان الفرعوني فهو يُنهِكُ جسد النساء ويُصادر حقَّهُنَّ في المتعة وكذلك يُصادر حق الرجل في الحظوة. ويجعل حياة الأزواج مثل حرثٍ في فلاةٍ يثقبُها الظن، ويخيبُ مسعى الشهد فيها. بل ربما يدسهن تحت التراب بمبضع غير معقم أو بنزيف لا برء منه.

ومن المؤسف أن نرتد إلى عهود ختان البنات الصغيرات، وأن ترتفع الأعداد يوماً بعد يوم رغم مخالفته للقانون الذي يُجرم هذه الممارسة. إن غياب دور الجهات العدلية في ردع المرتكبين لهذه المخالفة القانونية يفتح أبواب السماح للمترددين فتضرب جذورها من جديد في أرض السودان مما يُصعِّب مهمة اقتلاعها بعد أن كادت تزول.

لا بد من تكثيف جهود التوعية بمخاطر ختان الإناث الصحية والنفسية على المرأة والرجل معاً، بجانب تفعيل الردع القانوني مع التجرد من عوائق الروابط الاجتماعية التي تعيق تنفيذ القوانين في مرتكبي هذه الجريمة حتى نبني مجتمع مُعافى لا يحرمنا مما حبانا به الله.

عن وليد محجوب

وليد محجوب