مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّرات والنتائج (1 – 12)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
هذا هو المقال الأول في السلسلة الثالثة من مجموعة مقالاتٍ عن قضية وانفصال جنوب السودان. تناولت السلسلة الأولى، والتي تكوّنت من خمس مقالات، إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق – كيف تمّ التوصّل إلى كلٍ منهما، وكيف تم وأدهما.
وناقشنا في السلسلة الثانية، والتي تكوّنت من ثلاث مقالات، إعلان فرانكفورت الذي منح بموجبه إسلاميو حكومة الإنقاذ، لأولِّ مرةٍ في تاريخ السودان، شعبَ جنوبِ السودان حقَّ تقرير المصير، رغم رفض الإسلاميين قبل سنواتٍ قليلة لإعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق.
سوف نتناول في هذه السلسلة من المقالات مطلب جنوب السودان للنظام الفيدرالي منذ السنوات التي سبقتْ الاستقلال، وعبر مراحل الحكم المدني والعسكري التي تعاقبت على السودان منذ ذلك الوقت وحتى تاريخ انفصال جنوب السودان. وسوف نشرح كيف قامت الأحزاب السياسية الشمالية، وحكوماتها وحكومات الأنظمة العسكرية المتعاقبة في الخرطوم، بالرفض التام لهذا المطلب.
وسنناقش كيف قاد ذلك الرفض المتواصل والقاطع إلى ارتفاع سقف مطالب الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية، ليصلَ إلى حق تقرير المصير الذي تم انتزاعه وتفعيله، وقاد إلى انفصال جنوب السودان.
2
كانت كلمة الأب سترنينو لوهوري، النائب عن الدائرة 80 توريت – لاتوكا بالمديرية الإستوائية بجنوب السودان، ورئيس كتلة الأعضاء الجنوبيين، أمام البرلمان السوداني بالخرطوم في يوم الخميس 19 يونيو عام 1958 واضحةً ومتوازنةً في تصوّرها للعلاقة بين شمال وجنوب السودان.
فقد تحدّث الأب لوهوري بإسهابٍ عن التباينات والخلافات الثقافية والعرقية والدينية واللغوية بين طرفي البلاد، وأعمال لجنة الدستور التي كان قد تمّ اختياره عضواً فيها. وطرح في تلك الكلمة بوضوحٍ وبمنطقٍ متكاملٍ موقف ومطالب السودانيين الجنوبيين السياسية التي تمثّلت في إدارة الجنوب شئونه بنفسه تحت مظلة النظام الفيدرالي.
نقتبس الفقرات التالية من تلك الكلمة الوطنية الوحدوية التاريخية المُميّزة:
3
“إن الجنوب لا يكِنُّ أبداً نوايا سيّئة نحو الشمال. إن الجنوب يطالب فقط بإدارة شئونه المحلية في إطار السودان المُوحّد، كما أنه ليست لدى الجنوب نيّةٌ للانفصال عن الشمال لإنه لو كان ذلك هو الحال فليس هناك قوّةٌ على الأرض تستطيع منع الجنوب من المطالبة بالانفصال.
فالجنوب يطالب بإقامة علاقةٍ فيدراليةٍ مع الشمال، وهذا بلا ريب حقٌ يستحقه الجنوب بمقتضى حقِّ تقرير المصير الذي يمنحه المنطق والديمقراطية للشعب الحر. وسينفصلُ الجنوبُ في أيِّ وقتٍ بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة متى أراد الشمالُ ذلك من خلال سيطرة الشمال على الجنوب سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.”
4
كانت تلك الكلمة الرصينة المميّزة تعبيراً حقيقياً عن رغبة جُلِّ، إن لم نقل كلِّ شعب جنوب السودان في ذلك الوقت، في البقاء تحت سماءِ ومظلّةِ وطنٍ واحدٍ، تنظّم الفيدرالية أموره السياسية والاجتماعية والاقتصادية. شملت الكلمة لفتَ نظرٍ حادٍ، لكنه مهذبٌ، ونبوأةً من رجل دينٍ تحقّقت بعد نصف قرنٍ الزمان، بسبب تجاهل الساسة الشماليين ورفضهم المتواصل لما ورد في تلك الكلمة التاريخية – مطلب الفيدرالية.
لم تكن تلك المرّةَ الأولى التي يثير فيها الساسة الجنوبيون مطلب الفيدرالية، ولم تكن الأخيرة. لكننا اخترنا أن نفتتح بتلك الكلمة التاريخية هذه السلسلة من المقالات عن مطلب الفيدرالية لأنها كانت ملخصاً وافياً لما سبقها، وأيضاً لما تبعها، من خطبٍ ومقالاتٍ وكتبٍ وقراراتِ مؤتمراتٍ لمطلب الفيدرالية من أبناء جنوب السودان.
5
كان مؤتمر جوبا الذي انعقد يومي 12 و 13 يونيو عام 1947 الماطرين أولَ لقاءٍ لمجموعةٍ من أبناء شمال وجنوب السودان يتمّ في نِدّيةٍ، وفي جوٍّ وُدّيٍ وطنيٍ. كان الغرض من المؤتمر مناقشة العلاقات المستقبلية بين شطري البلاد. فقد كان قانون المناطق المقفولة لعام 1922، ومذكرة السكرتير الإداري تحت عنوان “سياسة الجنوب” والتي صدرت عام 1930، قد أغلقتا مديريات جنوب السودان الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية) أمام السودانيين الشماليين، تجاراً وموظفين وعسكريين ودعاةً إسلاميين وزوار. برّرت الإدارة البريطانية ذلك الإجراء بوقف تجارة الرقيق.
وكانت الإدارة البريطانية قد أنشأت عام 1910 “قوة دفاع الجنوب” وهي فرقةٌ عسكريةٌ تكوّنت فقط من أبناء جنوب السودان للمساعدة في حفظ الأمن هناك. ثم أعلنت الإدارة البريطانية اللغة الإنجليزية لغة العمل والتخاطب في الجنوب، ويوم الأحد العطلة الرسمية لمكاتب الدولة والمدارس التي كانت البعثات التبشيرية المسيحية قد بدأت في إنشائها في جنوب السودان.
تواصلت سياسة عزل الجنوب عن الشمال تلك في بداية أربعينيات القرن الماضي. فقد قرّر السير دوغلاس نيوبولد، السكرتير الإداري في السودان، تشكيل مجلس استشاري لشمال السودان فقط، برئاسة الحاكم العام البريطاني للسودان، تمّ افتتاحه في 16 مارس عام 1943. وقد تمّ استبعاد جنوب السودان تماماً من التمثيل فيه.
6
لكن مستقبل العلاقات بين شمال وجنوب السودن كان موضعَ نقاشٍ في ذلك الوقت بين الإداريين البريطانيين في مديريات الجنوب الثلاثة والحاكم العام وسكرتارييه الثلاثة (المالي والقانوني والإداري)، وتمخّض النقاش عن ثلاث مقترحاتٍ هي: الوحدة مع الشمال، إلحاق جنوب السودان باتحاد دول شرق أفريقيا (كينيا ويوغندا وتنجانيقا)، وضمّ أجزاءٍ من جنوب السودان إلى شماله، والأجزء الأخرى إلى اتحاد دول شرق أفريقيا.
ويبدو أن الإداريين البريطانيين في دول شرق أفريقيا لم يكونوا متحمّسين لإلحاق جنوب السودان أو أي جزءٍ منه باتحادهم لأنهم رأوا الكثير من المعوّقات لهذا المُقترح، منها مساحة جنوب السودان الواسعة، وصعوبة الترحال والتنقّل داخله بسبب المستنقعات والغابات ووعورة الطرق، بالإضافة إلى الخلافات القبلية واللغوية بين سكانه.
ومن الملاحظ أن مقترح قيام دولة منفصلة لجنوب السودان لم يكن أحد خيارات الإدارة البريطانية في الخرطوم أو في جنوب السودان. ويبدو أنه كان هناك اقتناعٌ بين حكام المديريات الجنوبية الثلاثة بأن المعوّقات المذكورة أعلاه لن تساعد على قيام دولةٍ متماسكةٍ وقابلةٍ للاستمرار.
وقد أشار بعض الكُتّاب إلى أن أحد الأسباب التي حالت دون تفكير الإدارة البريطانية في إنشاء دولةٍ منفصلةٍ لجنوب السودان هو صعوبة تحديد ورسم الحدود بين شمال وجنوب السودان.
7
عليه فقد بات واضحاً للإداريين البريطانيين في السودان في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي أن سنوات حكمهم في السودان قد أصبحت معدودةً، وأن عليهم حسم مسألة علاقة جنوب السودان بشماله على وجه السرعة، وقبل أن يبدأوا في إجراءات حزم حقائبهم استعداداً للمغادرة.
وقد ساهمت الضغوط التي مارسها المتعلمون السودانيون الشماليون، سواءٌ من خلال مذكرات مؤتمر الخريجين أو حتى من داخل المجلس الاستشاري لشمال السودان نفسه، واستفسارات الحكومة البريطانية المتلاحقة من لندن، في ضرورة الالتفات إلى هذه القضية الجوهرية، والإسراع في حسمها.
لهذه الأسباب فقد أصبحت مسألة مستقبل جنوب السودان الأولى في قائمة الأسبقيات المُلِحةّ للإداريين البريطانيين في الخرطوم في منتصف الأربعينيات. ومن هنا جاءت فكرة مؤتمر جوبا بين ممثلين من شمال السودان وجنوبه.
لكن كان واضحاً أيضاً أن الإدارة البريطانية في السودان قد خلصت في ذلك الوقت إلى ضرورة ربط الجنوب بالشمال، بصورةٍ أو أخرى، كما ورد في بعض مكاتبات الإداريين البريطانيين وتقاريرهم في عامي 1946 و 1947، وكما أوضح السكرتير الإداري وقتها السيد جيمس روبرتسون حين ذكر أنه كان قد اتخذ قرار ربط الجنوب بالشمال قبل انعقاد مؤتمر جوبا. عليه فقد كان الغرض الرئيسي من مؤتمر جوبا هو تأكيد ذلك القرار بواسطة الشماليين والجنوبيين أنفسهم، والاتفاق على خارطة طريقٍ لتنفيذه.
8
ترأس السيد جيمس روبرتسون، السكرتير الإداري، مؤتمر جوبا، وحضره أيضاً حكّامُ المديريات الجنوبية الثلاثة، واثنان من موظفي الإدارة البريطانية في الخرطوم. وشارك فيه من الشماليين السادة القاضي محمد صالح الشنقيطي، إبراهيم بدري، حسن عثمان، حبيب عبد الله، وسرور محمد رملي.
وقد مثّل الجنوب سبعة عشر عضواً أغلبهم من السلاطين مع مجموعةٍ صغيرةٍ من الموظفين الجنوبيين. وكان من الشخصيات الجنوبية المعروفة التي شاركت في المؤتمر السادة فيلمون ماجوك، كلمنت أمبورو، بوث ديو، سرسيو ايرو، ادوارد أدوك، جيمس طمبرة، والسلطان لوليك لادو.
وقد لعب السيد محمد صالح الشنقيطي دوراً محورياً في المؤتمر وبذل جهداً كبيراً في شرح وإقناع القادة الجنوبيين بمزايا الوحدة بين شطري البلاد، متحدّثاً عن قطرٍ موحّدٍ قويٍ بإمكانياتٍ بشرية ومادية معتبرة. وأكّد السيد الشنقيطي مبادئ الأخوّة والاحترام في السودان الموحّد بين كل السودانيين في شطري البلاد، في إشارةٍ واضحةٍ إلى ضرورة نسيان وتجاوز الماضي التعيس الذي سادت فيه تجارة الرقيق والاستعباد والحروب. كما وعد أبناء الجنوب في المساواة في الأجر والعمل، وفي التمثيل المنصف في ملء الوظائف التي ستخلو برحيل المستعمر.
9
ساد التردّد أوساط الأعضاء الجنوبيين في اليوم الأول للمؤتمر وركّزوا في كلماتهم على الماضي وما يحمله من مراراتٍ خلّفتها تجارة الرقيق والحروب التي تواصلت لقرون، وعلى التباين الثقافي والديني واللغوي والعرقي واختلاف العادات والتقاليد بين شعبي شطري البلاد.
وقد انعكس ذلك التردّد وضرورة توخّي الحذر في كلمة السلطان لوليك لادو، أحد القادة الجنوبيين في المؤتمر، والتي شبّه فيها العلاقة المُقترحة بين الشمال والجنوب بعلاقة الزواج، وأوضح أن الطرفين يحتاجان لبعض الوقت للتعرّف على بعض قبل أن يتمَّ الزواج.
تغيّر الموقف تدريجياً في اليوم الثاني للمؤتمر، ووافق الأعضاء الجنوبيون على المشاركة في الجمعية التشريعية القادمة، وعلى فتح الحدود وما يتبع ذلك من السماح بالتنقّل غير المشروط للسودانيين بين شطري البلاد، وضرورة احترام خصوصية الجنوب وتبايناته. وقد لعب السيد كلمنت أمبورو دوراً محوريا وسط الوفد الجنوبي، وقام بإقناع أعضاء الوفد بالموافقة على هذه التغيّر.
10
أثارت قرارات المؤتمر الكثير من الجدل بين الأكاديميين والسياسيين السودانيين. فقد قرأها وفسرّها الكثير من الشماليين على أنها استفتاءٌ وقبولٌ واضحٌ وغير مشروطٍ من الجنوبيين بالوحدة بين الشمال والجنوب. بل إن بعض الأكاديميين والسياسيين الشماليين ظلوا يكرّرون أن الجنوبيين مارسوا حق تقرير المصير عام 1947 واختاروا الوحدة.
من الجانب الآخر اعتبر الكثير من الجنوبيين نتائج المؤتمر على أنها كانت فقط فرصةً جديدة للشمال لإبراز حسن النية تجاه الجنوب، وجعل خيار الوحدة جاذباً في المستقبل، كما ورد في كلمات السلطان لوليك لادو.
بل إن بعض الأكاديميين الجنوبيين قرأوا ما أثاره بعض السلاطين في المؤتمر من تبايناتٍ وخلافاتٍ في العادات والتقاليد والدين والعرق والثقافة بأنه كان دعوةً لقيام نظامٍ فيدرالي بين شطري البلاد يحفظ ويحترم هذه التباينات. وأشاروا في هذا المضمار إلى بعض مكاتبات الإداريين البريطانيين أنفسهم التي تضمّنت إشارةً إلى مقترح الفيدرالية.
11
غير أن مطلب النظام الفيدرالي برز وتمّ عرضه بوضوحٍ في الجمعية التشريعية التي تم انتخابها عام 1948، بعد حوالي العام من مؤتمر جوبا. كان الجنوب قد تم تمثيله بثلاثة عشر نائباً في الجمعية التشريعية، ترأسهم السيد بنجامين لوكي الذي أصبح المتحدث الرسمي باسم الفيدرالية لجنوب السودان.
فقد طالب النواب الجنوبيون في الجمعية مناقشة والاتفاق على مسألة النظام الفيدرالي لجنوب السودان كأحد أسبقيات برنامج عمل الجمعية. غير أن النواب الشماليين رأوا ضرورة تركيز النقاش والجهد في ذلك الوقت على مسألة تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر.
وافق النواب الجنوبيون على مقترح النواب الشماليين. غير أنهم ربطوا موافقتهم على مطلب حق تقرير المصير للشمال في علاقته بمصر على موافقة الأعضاء الشماليين على إقامة نظام فيدرالي بين شطري القطر. لكن نقاش الجمعية التشريعية تواصل وانحصر في مسألة تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر، والذي كان الموضوع الأكثر أهميةً بالنسبة لنواب الشمال.
12
وسوف نلاحظ هذا المنحى مرّةً ثانيةً في قرار البرلمان في 19 ديسمبر عام 1955، والذي نجح فيه الأعضاء الجنوبيون في الربط بين موافقتهم على إعلان الاستقلال من داخل البرلمان، وإقامة نظامٍ فيدراليٍ بين الشمال والجنوب، كما سنناقش في مقالٍ قادم.
وهكذا نجح النواب الشماليون في الجمعية التشريعية في تجميد النقاش في مطلب النواب الجنوبيين لنظامٍ فيدرالي بين الشمال والجنوب. كما نجحوا أيضاً في تجميد مطلب الجنوبيين لإنشاء وزارة لشئون الجنوب التي كان النواب الجنوبيون قد طالبوا بها.
13
بالتوازي مع عمل الجمعية التشريعية فقد تشكّلت لجنة الدستور برئاسة القاضي ستانلي بيكر في شهر مارس عام 1951. وكان السيد بوث ديو هو العضو الجنوبي الوحيد من ضمن أعضائها البالغ عددهم ثمانية عشر عضواً. وباستثناء السيدين ستانلي بيكر وبوث ديو فقد كان أعضاء اللجنة كلهم شماليين. وقد كانت مهمة اللجنة وضع مسوّدة دستورٍ انتقاليٍ يُحكمُ به السودان خلال الفترة الانتقالية التي تنتهي بتقرير المصير.
وقد أثار السيد بوث ديو مسألة النظام الفيدرالي بين الشمال والجنوب داخل هذه اللجنة أيضاً، وطالب بتضمينه صراحةً في الدستور المرتقب.
لكن اللجنة رفضت رفضاً تاماً مناقشة هذا المقترح. ودفع هذا الرفض السيد بوث ديو إلى مقاطعة أعمال اللجنة، ثم الانسحاب منها. وتواصلت أعمال اللجنة بدون تمثيلٍ لجنوب السودان. وكان ذلك وضعاً مُحبِطاً للنواب الجنوبيين.
وكما سنناقش في المقالات القادمة، فقد تكرّرت سابقة انسحاب الأعضاء الجنوبيين من لجنتي الدستور في عامي 1958 و 1968 احتجاجاً، في المرتين، على رفض مقترح تضمين الفيدرالية لجنوب السودان في الدستور، وأيضاً على مسوّدة الدستور الإسلامي التي صاغتها كلٌ من اللجنتين.
14
بينما كانت الجمعية التشريعية تناقش مسألة تقرير المصير للسودان والعلاقة مع مصر قام الضباط الأحرار في القاهرة بالاستيلاء على السلطة وإعلان الثورة المصرية في 23 يوليو عام 1952. وجدت الأحزاب السودانية ضالتها المنشودة في التحوّل المفاجئ للموقف المصري المؤيّد لمطلب السودان لتقرير المصير، والذي تبنّاه مجلس قيادة الثورة المصري بقيادة اللواء محمد نجيب.
تبلور الموقف المصري الجديد ونظّمت الأحزاب السودانية الشمالية نفسها وبدأت المباحثات بين الوفدين المصري والسوداني في نهاية عام 1952، وانتهت بتوقيع اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير في 12 فبراير عام 1953. وفي 21 مارس عام 1953 صدر قانون الحكم الذاتي كأوّلِ دستورٍ للسودان.
15
غير أن الأحزاب الشمالية لم تُشرك أيّاً من أبناء الجنوب في محادثات القاهرة التي بدأت بعد قيام الثورة المصرية واستمرت، بصورةٍ متقطّعة، حتى شهر فبراير عام 1953. ولم تتم حتى دعوة ممثلين للقادة الجنوبيين لحضور مراسم توقيع اتفاقية تقرير المصير في 12 فبراير عام 1953.
وكما ذكرنا أعلاه، فقد صدر قانون الحكم الذاتي كأول دستورٍ للسودان في 21 مارس عام 1953، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير، ولم تكن هناك مشاركةٌ لأيٍّ من الأحزاب أو الأفراد من جنوب السودان.
في حقيقة الأمر فقد كانت الوفود التي ذهبت للتفاوض في القاهرة كلها من الأحزاب والمتعلمين الشماليين مُعطيةً الانطباع بأن مسألة تقرير المصير ومستقبل السودان أمراً شمالياً بحتاً، ولا دخل لأبناء الجنوب فيه.
16
زاد هذا التجاهل والاستخفاف من غبن القادة الجنوبيين، وترجموه على أنه انعكاسٌ لعدم جدّية الشماليين في التعامل معهم. وقد ساهمت هذه التطوّرات في تقوية عزيمة السياسيين الجنوبيين على المضي قدماً في مطلب الفيدرالية الذي ذكّروا الشماليين أنهم ظلوا ينادون به منذ مؤتمر جوبا في يونيو عام 1947.
وقد وثّق أبناء الجنوب احتجاجهم على تجاهلهم في محادثات القاهرة بمجموعةٍ من المذكرات تمّ إرسالها بواسطة عددٍ من المنظمات الجنوبية إلى الحاكم العام وقادة الأحزاب الشمالية.
17
زاد غبنَ القادة الجنوبيين حقيقةُ أن الساسة الشماليين نجحوا في انتزاع حق تقرير المصير للسودان من مصر، ووثّقوا ذلك في الاتفاقية مع مصر وفي قانون الحكم الذاتي، بينما فشلوا هم في انتزاع الفيدرالية من الشماليين، رغم اعتقادهم أنهم نجحوا في اجتماعات الجمعية التشريعية في الربط بين الاثنين.
وجاء قانون الحكم الذاتي لعام 1953 خالياً من أيّ نصوصٍ تُعطي جنوب السودان أي وضعٍ خاص، دعك من نظام الحكم الفيدرالي. وقد حُذفتْ المادة 100 من مشروع القانون والتي كانت قد أعطت الحاكم العام صلاحياتٍ خاصةٍ تتعلّق بالجنوب، شملت ضمان معاملة المديريات الجنوبية الثلاثة معاملةً منصفةً.
وقد حلّت محلَ هذه المادة فقرةٌ فضفاضةٌ تعطي الحاكم العام مسئولية خاصة لضمان المعاملة المنصفة لكل مديريات السودان. وقد أثار حذف هذه المادة والاستعاضة عنها بهذه الفقرة غضب وإحباط الجنوبيين.
وكان كل ما اشتمل عليه قانون الحكم الذاتي فيما يخصّ جنوب السودان هو منح أبناء الجنوب مقعدين في مجلس الوزراء. وحتى هذا النصّ لم يتم الالتزام به، كما سنناقش في المقال القادم.
- محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
Salmanmasalman@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم