من السويدي إلى العالم: ملاحظات على موسيقى العولمة

كنتُ هناك، جوار حديقة السويدي العامة في الرياض السعودية، ليلة السبت الماضي. لم يكن الأمر صدفة، بل ذهبتُ عامدًا للتعرّف على ما أُعلن عنه بوصفه «فعالية سودانية». غير أن الحدث الرئيس كان حفل مغني الراب حليم تاج السر.
الازدحام كان هائلًا؛ الشرطة والمنظمون يبذلون جهدًا واضحًا لضبط الحشود المتجهة إلى المسرح، والدخول إلى الحديقة معضلة قائمة بذاتها: صفوف طويلة من الشباب المراهقين، وحتى أطفال في أعمار صغيرة. تذكّرتُ أن حفل حليم في جدة قيل إن عدد الحضور فيه ناهز مئة ألف، وهو رقم كاشف لقوة هذا النوع من الفنون في حشد الجماهير الشابة.
لم أدخل الحديقة. اكتفيتُ بالطواف بسيارتي، وهو أمر شاق بسبب الحركة البطيئة الخانقة، لكن ذلك أتاح لي فرصة المراقبة والتفرّس في وجوه الزاحفين على أقدامهم. لا وجود يُذكر للكبار إلا القليل جدا منهم؛ مراهقون ومراهقات فقط. هل هؤلاء كلهم سودانيون؟ الله أعلم. فالملامح والأزياء لم تعد تقول شيئًا في زمن ذابت فيه الفوارق، وتراجعت العلامات التقليدية للهوية.
أخيرًا نجحتُ في العبور إلى برّ الأمان. ركنتُ السيارة، وفتحت يوتيوب أبحث عن حليم The Rapper… إن كان لنا أن نسمي الراب غناءً. ونقدي هنا ليس سلبيًا، فالظواهر المجتمعية لا تُفهم ولا تُدرس بهذا التبسيط. قبل فترة قصيرة نشرتُ مقالًا بعنوان: «جيل الشاشات: كيف نفهم أبناءنا في زمن التغيير قبل أن نلومهم»، لكن جولة السويدي أوضحت لي أن الأمر أعقد من مجرد لوم أو تفسير سريع.
ما فهمته أن المسألة ليست سودانية في جوهرها. نحن في قلب عولمة كاسحة (Globalization) طالت الذائقة، والصوت، والجسد، وحتى طريقة التلقي. خذ مثلًا ظاهرة الموسيقى الكورية، المعروفة بـ K-Pop (Korean Pop)، التي تجتاح العالم كالنار في الهشيم. هذه الموسيقى لم تعد تخص كوريا وحدها؛ لغة لا يفهمها معظم مستمعيها، حركات متشابهة، أزياء مدروسة، ومنظومة إنتاج وتسويق رقمي عابرة للحدود. إنها جزء مما يسمى «الموجة الكورية» (Hallyu)، صناعة كاملة لا تعتمد على اللحن فقط، بل على الصورة، والجماعة، والانتماء.
في الراب، كما في الكيبوب، تنتفي المسافة بين المؤدي والجمهور. لا منصة عالية ولا جمهور صامت؛ الكل يغني، الكل يقفز، الكل يشارك في الأداء. في المقاطع المصوّرة، لا تشعر بوجود جمهور في مقابل فنان، بل «كتلة واحدة» تهتز بإيقاع واحد، يقودها ولاء شبه مطلق من روابط المعجبين (Fandoms)، التي تنظم نفسها رقميًا بفاعلية لافتة.
سألتُ نفسي وأنا أراقب تلك الجموع: أين أهل هؤلاء المراهقين؟ خصوصًا الفتيات. يسرن في مجموعات، دون آباء أو أمهات. هل يكتفون بإنزالهن عند موقع الحفل ثم يغادرون ليعودوا لاحقًا؟ لا أدري.
ما أدريه أن هذه العولمة تندفع بلا ذاكرة، ولا تمنحنا فرصة للتماهي معها أو الاحتماء من سطوتها. قد ننام ونصحو لنكتشف أنه لم تعد هناك أغنية سودانية، أو سعودية، أو حتى إيطالية بمعناها الكلاسيكي … أو بالأحرى أن أبناءنا لا يعرفونها، ولا تحرك فيهم ساكنًا. نحن أمام موسيقى عالمية واحدة، بإيقاع متكرر، حتى لتبدو كل أغنية نسخة من سابقتها: كلمات مبعثرة، غير مفهومة أحيانًا، وبنية بصرية مبهرة؛ ومع ذلك، هي الأغنية، وهذه هي العولمة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام هذا الضجيج العالمي الموحد:
هل نكتفي بدور المراقب المندهش، أم أن هناك دورًا للأسرة، وللمؤسسات الثقافية، في إعادة صياغة علاقة هذا الجيل بهويته المحلية، دون إنكار للعالم الذي صار جزءًا من يومه ولغته وصوته؟

صلاح الدين أحمد عيسى أبوسـارة

salahabusarah@gamil.com

عن صلاح الدين أبوسارة

صلاح الدين أبوسارة

شاهد أيضاً

السودان ومصر: من سيكولوجيا “وادي النيل” إلى وعي “السيادة الوطنية”

بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة تفكيك خطاب الانعتاق والسيادة:لم يعد الحديث عن “الانعتاق” من …