من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
هل الألم حتمي أم سوء إدارة؟
منبر بنيان
اقتصاد الواقع… قراءة هادئة في عصب العالم
مقدمة
كلما أعلنت دولة عن برنامج إصلاح اقتصادي، قيل للناس بصوت واحد:
تحمّلوا الألم… فليس هناك بديل.
يرتفع الدعم، تتراجع العملة، تُشدّ الأحزمة، ويُطلب من المجتمع الصبر، وكأن الألم قدرٌ اقتصادي لا فكاك منه.
لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الرسمي هو:
هل الألم فعلًا حتمي في كل إصلاح؟
أم أن جزءًا كبيرًا منه نتيجة سوء إدارة، واختيارات خاطئة، وتحميل الكلفة لمن لا صوت لهم؟
أولًا: ما هو الإصلاح الاقتصادي أصلًا؟
الإصلاح الاقتصادي، في جوهره، ليس مجموعة إجراءات مالية، بل عملية إعادة توازن بين: الإيرادات والنفقات
الدولة والسوق
الحاضر والمستقبل
هدفه المعلن هو: استدامة المالية العامة
تحسين الكفاءة
تحفيز النمو
تقليل الاختلالات
لكن حين يُختزل الإصلاح في أرقام فقط، ويفصل عن المجتمع، يتحول من علاج إلى صدمة.
ثانيًا: من أين جاءت فكرة “الألم الحتمي”؟
فكرة أن الإصلاح لا بد أن يكون مؤلمًا نشأت من: برامج التثبيت والتكيف الهيكلي
وصفات المؤسسات المالية الدولية
تجارب دول خرجت من أزمات حادة
في هذه النماذج، كان الافتراض أن: الاقتصاد مريض
والدواء مرّ
ولا شفاء بلا معاناة
لكن ما غُيّب غالبًا هو سؤال:
من يتألم؟ وكم؟ ولماذا؟
ثالثًا: متى يكون الألم فعلًا حتميًا؟
نعم، هناك حالات يكون فيها قدر من الألم لا مفر منه، مثل: اقتصاد يعيش على دعم غير ممول
عجز مالي مزمن
تضخم خارج السيطرة
ديون خانقة
في هذه الحالات، لا يمكن الإصلاح دون: تقليص إنفاق
إعادة هيكلة دعم
تصحيح أسعار
لكن حتى هنا، الحتمية ليست في حجم الألم، بل في وجوده فقط.
أما توزيعه وحدّته ومدته… فهذه قرارات سياسية وإدارية.
رابعًا: متى يتحول الألم إلى سوء إدارة؟
الألم يصبح سوء إدارة حين: يبدأ الإصلاح برفع الأسعار قبل إصلاح المؤسسات
تُرفع يد الدولة عن الحماية قبل بناء شبكات أمان
تُطلب التضحيات من الفقراء بينما تُحمى الامتيازات
يُفاجأ المجتمع دون تمهيد أو شفافية
يُدار الإصلاح بعقل محاسبي لا بعقل دولة
هنا لا يكون الألم ضرورة، بل نتيجة خيارات كسولة أو غير عادلة.
خامسًا: الإصلاح بعقل محاسبي… خطأ شائع
كثير من برامج الإصلاح تُدار كما لو كانت ميزانية شركة: خفض نفقات
زيادة إيرادات
تحسين أرقام
لكن الدولة ليست شركة، والمجتمع ليس بند مصروفات.
الإصلاح بعقل محاسبي بحت يتجاهل: الأثر الاجتماعي
القدرة على التحمّل
الفوارق الطبقية
الزمن اللازم للتكيّف
والنتيجة: أرقام تتحسن على الورق، وناس تتآكل في الواقع.
سادسًا: من يدفع ثمن الإصلاح غالبًا؟
في معظم تجارب العالم النامي، يدفع الثمن: الطبقة الفقيرة
الطبقة الوسطى
العاملون بأجور ثابتة
صغار المنتجين
بينما: تبقى الثروات الكبرى محمية
لا تُمسّ الامتيازات
لا يُحاسب الفساد القديم
وهكذا يتحول الإصلاح إلى إعادة توزيع للألم لا للفرص.
سابعًا: الإصلاح الذكي… هل هو ممكن؟
نعم، هناك تجارب أثبتت أن الإصلاح يمكن أن يكون: أقل إيلامًا
أكثر عدالة
أطول أمدًا
عبر: التدرج لا الصدمة
حماية الفئات الضعيفة قبل رفع الدعم
إصلاح مؤسسات الدولة أولًا
محاربة الفساد بالتوازي مع التقشف
إشراك المجتمع بالشرح لا بالأوامر
الإصلاح الذكي لا ينفي الألم، لكنه يمنع تحوله إلى كسر.
ثامنًا: الإصلاح والكرامة الاجتماعية
أخطر ما في الإصلاح المؤلم حين: يُفقد الناس كرامتهم
يُطلب منهم الصبر دون أفق
يُحمَّلون أخطاء لم يصنعوها
الإصلاح الذي يهدم الثقة بين الدولة والمجتمع قد ينجح ماليًا، لكنه يفشل سياسيًا واجتماعيًا، ويفتح أبواب الاضطراب.
تاسعًا: السودان والعالم العربي… إصلاح بلا عقد اجتماعي
في كثير من دولنا، ومنها السودان، جرت محاولات إصلاح: دون عقد اجتماعي
دون توافق سياسي
دون حماية حقيقية
فكان الألم مضاعفًا، والنتائج محدودة، والثقة مفقودة.
الإصلاح لا يعيش في الفراغ، بل يحتاج دولة قادرة، ومجتمعًا شريكًا، ورؤية واضحة.
خاتمة
ليس كل إصلاح مؤلمًا بطبيعته،
لكن كل إصلاح سيئ الإدارة مؤلم حتمًا.
الألم قد يكون ثمنًا مؤقتًا للإنقاذ،
أو عقوبة دائمة لسوء القرار.
والفرق بينهما ليس اقتصاديًا فقط، بل أخلاقي وسياسي.
نحن لا نرفض الإصلاح،
ولا نقدّس الألم.
نؤمن أن: الإصلاح بلا عدالة تشويه
وبلا حماية كسر
وبلا شفافية خداع
الاقتصاد لا يُصلَح بكسر الناس،
بل ببناء الثقة…
ومن دونها، لا شفاء مهما صلحت الأرقام.
مراجع إرشادية عامة
تقارير صندوق النقد الدولي حول برامج الإصلاح
دراسات اقتصاديات التكيّف الهيكلي
تجارب الإصلاح في أمريكا اللاتينية وشرق آسيا
أبحاث العدالة الاجتماعية والاقتصاد السياسي
أدبيات العقد الاجتماعي والتنمية
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم