من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
السياسة الدولية كما علّمنا إياها الأساتذة
قراءة موسّعة في كتاب د. مدثر عبد الرحيم
منبر بنيان – مقالات من بطون كتب
في أواخر ستينيات القرن الماضي، لم تكن العلوم السياسية في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم علمًا نظريًا معزولًا عن الواقع، بل كانت مرآة للعالم المتقلب من حولنا:
حرب باردة تشتعل،
استعمار يترنح،
دول تنال استقلالها السياسي دون أن تمتلك بعد أدوات السيادة الحقيقية.
في تلك القاعات، كان الدكتور مدثر عبد الرحيم واحدًا من الأساتذة الذين لم يدرّسوا السياسة الدولية كنصوص جامدة، بل كـ علاقة حيّة بين القوة والمصلحة والأخلاق، تُفهم في ضوء التاريخ، وتُقاس بميزان الواقع لا الأمنيات.
الفصل الأول: ما هي السياسة الدولية؟
يفتتح مدثر عبد الرحيم كتابه بسؤال تأسيسي:
هل السياسة الدولية علم أم ممارسة؟
ويخلص منذ البداية إلى أن العلاقات الدولية:
ليست حيادًا أكاديميًا
ولا خطابًا أخلاقيًا مثاليًا
بل حقل صراع تحكمه القوة والمصلحة
وهنا يضع الطالب مباشرة أمام حقيقة قاسية:
أن الدولة لا تتحرك بدافع الفضيلة، بل بدافع البقاء.
الفصل الثاني: القوة… جوهر النظام الدولي
يعالج هذا الفصل مفهوم القوة:
القوة العسكرية
القوة الاقتصادية
القوة السياسية
والقوة المعنوية
ويشرح كيف أن توزيع القوة هو الذي يصنع:
التحالفات
الصراعات
مناطق النفوذ
وكان هذا الدرس شديد الأهمية لطلاب السودان، لأنهم تعلموا أن الدول الصغيرة لا تُقاس نواياها، بل موقعها في ميزان القوة.
الفصل الثالث: المصلحة الوطنية
ينتقل المؤلف إلى مفهوم المصلحة الوطنية، ويبيّن أنها:
ليست ثابتة
ولا أخلاقية بالضرورة
بل تتغير بتغير الظروف
وفي هذا الفصل، كان مدثر عبد الرحيم يُدرّب طلابه على التفريق بين:
الخطاب السياسي
والقرار السياسي الحقيقي
وهي مهارة لا تزال نادرة في واقعنا المعاصر.
الفصل الرابع: العالم الثالث في النظام الدولي
هذا هو قلب الكتاب النابض.
العالم الثالث – في نظر مدثر عبد الرحيم – ليس متفرجًا، بل طرفًا ضعيفًا في نظام صُمم تاريخيًا لصالح القوى الكبرى.
يناقش هنا:
الاستعمار القديم والجديد
التبعية السياسية والاقتصادية
محدودية خيارات الدول الحديثة الاستقلال
وهنا تبرز مدرسة جامعة الخرطوم:
واقعية بلا تبرير، ونقد بلا شعارات.
الفصل الخامس: الحياد وعدم الانحياز
يتناول هذا الفصل سؤالًا جوهريًا عاشه جيل الستينيات:
هل الحياد ممكن؟
وهل عدم الانحياز موقف أخلاقي أم ضرورة سياسية؟
لا يقدّم مدثر عبد الرحيم إجابات جاهزة، بل يضع القارئ أمام المفارقة:
الحياد يحتاج قوة تحميه
وعدم الانحياز يحتاج وعيًا استراتيجيًا لا يتوفر دائمًا
بين الجامعة والواقع
لم يكن هذا الكتاب ترفًا أكاديميًا، بل كان:
تمهيدًا لفهم السياسة الخارجية السودانية
أداة لتحليل الانقلابات والتحالفات
تدريبًا على قراءة ما وراء الخطاب الرسمي
ولهذا بقيت أفكاره حيّة، رغم تغيّر المصطلحات وتبدّل موازين القوى.
لماذا نعود إليه اليوم؟
لأن كثيرًا من أزماتنا الحالية ليست جديدة:
ضعف الدولة
الارتهان للخارج
غياب الرؤية الاستراتيجية
وكلها قضايا ناقشها مدثر عبد الرحيم قبل عقود، بلغة علمية رصينة، دون ضجيج أيديولوجي.
إعادة قراءة هذا الكتاب اليوم ليست حنينًا للماضي، بل استعادة لأدوات الفهم التي فقدناها وسط صخب السياسة اليومية.
من بطون كتب – بوابة العلوم السياسية
حين نقرأ أساتذتنا، نقرأ أنفسنا كما كنا… وكما كان ينبغي أن نكون.
نبذة عن المؤلف
د. مدثر عبد الرحيم
أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم،
وأحد رواد تدريس العلاقات الدولية في السودان.
عُرف بعمقه الأكاديمي
واهتمامه بقضايا العالم الثالث وعدم الانحياز،
وأسهمت كتبه ومحاضراته في تكوين أجيال من الدارسين والباحثين في السياسة
والفكر الاستراتيجي.
خاتمه وذكري
انها ايام مضت ما أحلى ذكراها
جامعة الخرطوم في ستينيات القرن الماضي
الحنين إلى أجواء داخليات البركس بصخبها الهادي
وقاعات المحاضرات التي شهدت اساتذه وعلماء من دول العالم المختلفه من بريطانيا من أميركا من استراليا من الهند من باكستان وغيرها وغيرها
وقاعة الامتحانات التي كانت مكان حصاد الجهد والسهر والمثابره
وقوائم النتائج مع نهاية شهر مارس كل عام على جدران الكليات بين قرارات حازمه من عمداء الكليات
وقهوة النشاط مكان الإنس بين المحاضرات المكان الوحيد الذي كنا ندفع فيه من جيوبنا كوب الشاي بنصف قرش يعني واحد جنيه تشتري مائتي كوب شاي يعني من يحتسي ثلاثه اكواب في اليوم الدراسي واحد جنيه مصروف شهرين ويزيد ايام رحمه
وبجوارها القهوه حلاق الجامعه الذي اشتهر بنوادره وظرفه
وغربها ميدان الكره الذي تزيينه الخضره طوال العام
انها ايام لن تعود
وبإذن الله مقالنا القادم عن كتاب للدكتور جعفر بخيت في علوم الاداره العامه
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم