lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
لم تكن التجربة الديمقراطية في السودان يومًا نتاج تطور طبيعي ومستقر للدولة الحديثة، بل جاءت دائمًا كاستثناء مؤقت داخل سياق سياسي مضطرب، تتنازعه الانقلابات العسكرية، والأزمات البنيوية، والتدخلات الخارجية، وضعف المشروع الوطني الجامع. فمنذ لحظة الاستقلال، ظل السؤال المركزي في السياسة السودانية هو: من يحكم، وبأي شرعية، ولصالح من؟ وبينما حاولت القوى المدنية الإجابة عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات المنتخبة، ظل العسكر يرون في أنفسهم أصحاب الحق الأصيل في السلطة، إما بحكم السلاح أو بحجة حماية الدولة من الانهيار. عرف السودان ثلاث تجارب ديمقراطية رئيسية، لكنها جميعًا اتسمت بالقصر والهشاشة. لم تفشل هذه التجارب فقط بسبب مؤامرات العسكر، بل أيضًا بسبب ضعف البيئة التي نشأت فيها. فالدولة السودانية نفسها وُلدت من رحم الاستعمار دون إعادة صياغة حقيقية للعلاقة بين المركز والهامش، أو بين السلطة والمجتمع، أو بين الجيش والسياسة. وبهذا المعنى، كانت الديمقراطية تُزرع في تربة غير مهيأة، فتذبل سريعًا عند أول عاصفة. في كل مرة يصل فيها المدنيون إلى السلطة، يجدون أنفسهم أمام دولة مثقلة بالإرث العسكري، ومؤسسات مخترقة، واقتصاد هش، ونزاعات مسلحة لم تُحل جذورها. وبدل أن تُمنح هذه الحكومات الوقت والمساحة لمعالجة هذه التراكمات، تُحاصر بالأزمات، وتُحمَّل مسؤولية فشل تاريخي لم تصنعه وحدها. هنا يتقدم العسكر مجددًا، لا باعتبارهم جزءًا من المشكلة، بل باعتبارهم المنقذ الأخير، في مشهد تكرّر حتى أصبح نمطًا مألوفًا في الوعي السياسي السوداني. طموحات العسكر في السودان لا يمكن فهمها فقط من زاوية الرغبة في الحكم، بل من خلال تشكّل مؤسسة عسكرية ذات مصالح اقتصادية وسياسية مستقلة عن الدولة. مع مرور الوقت، لم يعد الجيش مجرد أداة بيد السلطة، بل تحوّل إلى سلطة قائمة بذاتها، تمتلك الشركات، وتتحكم في الموارد، وتنسج تحالفات داخلية وخارجية. هذا التمدد جعل أي انتقال ديمقراطي حقيقي يشكّل تهديدًا مباشرًا لمصالح راسخة، وليس مجرد اختلاف سياسي عابر. من أخطر ما رسّخته الانقلابات المتكررة هو تآكل مفهوم الشرعية. فقد جرى تطبيع فكرة أن القوة يمكن أن تكون بديلًا للإرادة الشعبية، وأن “الاستقرار” أهم من الحرية، وأن الديمقراطية ترف لا يليق ببلد يعاني من الحروب والفقر. هذه الخطابات لم تُفرض بالقوة فقط، بل تسللت إلى وعي قطاعات من المجتمع، خاصة في ظل فشل النخب المدنية في تقديم نموذج حكم مقنع ومستدام. غير أن تحميل القوى المدنية وحدها مسؤولية الفشل يُعد تبسيطًا مخلًا. فالأحزاب السودانية نشأت في سياق اجتماعي وسياسي معقد، وتعرضت للقمع، والحل، والتشويه المتعمد من الأنظمة العسكرية. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الأحزاب أخفقت في تجاوز انقساماتها التاريخية، وفي بناء مشروع وطني يتجاوز الطائفية والجهوية، ويضع أسسًا واضحة لعلاقة مدنية – عسكرية متوازنة. جاءت ثورة ديسمبر لتكشف عمق التناقض بين تطلعات الشارع وطموحات العسكر. فقد عبّر السودانيون بوضوح غير مسبوق عن رغبتهم في دولة مدنية ديمقراطية، لا مكان فيها للحكم العسكري. غير أن مسار الانتقال أظهر أن إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة تفكيك بنية النظام نفسه. إذ بقيت مفاصل القوة الحقيقية خارج سيطرة المدنيين، وبقي الجيش يتعامل مع المرحلة الانتقالية كترتيب مؤقت، لا كتحول استراتيجي. ما حدث لاحقًا لم يكن مجرد انقلاب على حكومة مدنية، بل كان انقلابًا على فكرة الانتقال الديمقراطي ذاتها. فقد أثبت العسكر أنهم غير مستعدين للتنازل عن السلطة طوعًا، وأن الشراكة بالنسبة لهم أداة لإدارة الأزمة لا لتغيير قواعد اللعبة. وهكذا دخل السودان مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تداخلت الصراعات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وتحولت الدولة إلى ساحة صراع مسلح، دفع ثمنه المدنيون أولًا وأخيرًا. إن جوهر الأزمة السودانية يكمن في غياب دولة مدنية مكتملة السيادة، تحتكر العنف المشروع، وتخضع فيها المؤسسة العسكرية لرقابة سياسية ودستورية صارمة. فلا ديمقراطية يمكن أن تزدهر في ظل تعدد الجيوش، ولا انتخابات يمكن أن تكون حرة في ظل تهديد السلاح. كما أن أي حديث عن إصلاح سياسي دون إصلاح أمني وعسكري شامل يظل حديثًا ناقصًا، بل ومضللًا. الديمقراطية في السودان ليست مستحيلة، لكنها تتطلب قطيعة حقيقية مع إرث الانقلابات، وإعادة تعريف دور الجيش بوصفه مؤسسة مهنية لا لاعبًا سياسيًا. كما تتطلب من القوى المدنية مراجعة شجاعة لتجاربها السابقة، وبناء تحالفات واسعة تقوم على البرامج لا على الشعارات، وعلى المصالح الوطنية لا على المكاسب الحزبية. في المحصلة، الصراع في السودان هو صراع على شكل الدولة ومستقبلها. إما دولة يحكمها القانون والمؤسسات والإرادة الشعبية، أو دولة تُدار بمنطق القوة والغلبة. وما لم يُحسم هذا الصراع لصالح المشروع الديمقراطي، ستظل البلاد تدور في حلقة مفرغة من الثورات والانقلابات، ويظل حلم الديمقراطية حاضرًا في وجدان الشعب، غائبًا عن واقع السلطة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم