lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
لا تبدأ الحروب في يومٍ محدد، ولا تنفجر فجأة من فراغ، كما لا يمكن فهمها عبر اختزالها في أسماء قادة أو تواريخ بعينها. ما يجري في السودان منذ الخامس عشر من أبريل 2023 يُقدَّم لكثيرين وكأنه حادثة طارئة أو انحراف مفاجئ عن مسار دولة كانت مستقرة نسبياً، غير أن هذه القراءة ليست فقط قاصرة، بل خطيرة، لأنها تعفي البنية التي أنتجت العنف من المسؤولية، وتُحمِّل نتائجه لأعراضه وحدها. الحرب الحالية ليست حدثاً منفصلاً، بل نتيجة تراكم تاريخي طويل لطريقة إدارة الدولة السودانية للصراعات منذ الاستقلال في عام 1956، حيث جرى الاعتماد بشكل شبه دائم على الحل العسكري بوصفه الأداة الأساسية لمعالجة الخلافات السياسية والاجتماعية. منذ السنوات الأولى للدولة الوطنية، اختارت النخب الحاكمة في الخرطوم التعامل مع الأزمات في الأطراف بعقلية أمنية صرفة. في جنوب السودان، لم يكن القتال موجهاً فقط ضد حركات مسلحة، بل طال المجتمعات المحلية نفسها. أُحرقت القرى، وهُجّر المدنيون، واستُخدمت سياسات العقاب الجماعي تحت لافتات الحفاظ على وحدة البلاد ومحاربة التمرد. لم يُطرح السؤال الأخلاقي بجدية حول كلفة هذا النهج على الإنسان والدولة معاً، بل جرى تطبيع العنف طالما ظل بعيداً عن المركز، وطالما أن ضحاياه لا يملكون صوتاً مؤثراً في دوائر القرار. لم يتغير هذا المنطق عندما انتقل الصراع إلى دارفور. عوضاً عن مراجعة التجربة السابقة، أعادت الدولة إنتاج الأدوات نفسها. عجزت المؤسسة العسكرية عن الحسم، فلجأت السلطة إلى تسليح ميليشيات قبلية ومنحتها شرعية سياسية وأمنية، تماماً كما حدث في الجنوب من قبل. في دارفور، غاب التمييز بين المدني والمقاتل، وتحولت الأرض المحروقة إلى سياسة ممنهجة، وارتُكبت جرائم واسعة النطاق شملت القتل والتهجير والاغتصاب، الذي استُخدم كسلاح لإذلال المجتمعات وتفكيكها. ومع ذلك، لم تتحول هذه الجرائم إلى قضية وطنية جامعة، بل جرى التعامل معها بوصفها “أحداثاً هامشية” لا تستحق مواجهة جذرية مع الذات السياسية للدولة. بهذا المسار، خرج السلاح تدريجياً من يد الدولة، وتعددت مراكز القوة، وغابت المحاسبة، ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل نتيجة قرار واعٍ بتفويض العنف لقوى غير نظامية مقابل الحفاظ على السلطة. ومع مرور الوقت، أصبحت الميليشيات شريكاً في الحكم، ثم منافساً عليه، بينما ظل المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر. مئات الآلاف قُتلوا، ملايين شُرّدوا، آلاف القرى دُمّرت، وكل ذلك جرى دون مساءلة حقيقية أو عدالة تُنصف الضحايا. عندما اندلعت الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، لم تتغير طبيعة العنف، بل تغيّر موقعه. ما كان يحدث لعقود في الهامش انتقل إلى المركز. الأدوات نفسها، العقليات نفسها، والاستخفاف ذاته بحياة المدنيين، لكن هذه المرة في قلب الخرطوم وتحت أنظار الجميع. هنا فقط بدأ كثيرون يطرحون سؤالاً متأخراً: من أين جاء الدعم السريع؟ وكأن هذا الكيان لم يكن نتاجاً مباشراً للدولة السودانية نفسها، ولسياساتها الأمنية، وتحالفاتها، وخياراتها التي راكمت العنف وشرعنته. الدعم السريع لم ينزل من السماء ذات البروج، ولم يُخلق خارج سياق الدولة. هو نتيجة خلل بنيوي عميق في طريقة إدارة السلاح والسلطة، وفي القبول الطويل باستخدام العنف كأداة سياسية طالما كان بعيداً عن المركز. إن اختزال الأزمة في هذا الفصيل أو ذاك، أو في هذا القائد أو ذاك، هو محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة الأكثر إيلاماً، وهي أن الدولة السودانية، بصيغتها القديمة، هي التي صنعت شروط هذه الكارثة. ورغم هذا التاريخ الواضح، لا يزال خطاب الحسم العسكري يتكرر وكأنه وصفة جديدة، رغم أنه فشل مراراً. يُعاد إنتاج الوهم بأن الحرب يمكن أن تُحسم بالقوة، وأن العنف يمكن أن يُنهي العنف. غير أن التجربة السودانية، ومعها تجارب كثيرة في الإقليم، تثبت أن أي انتصار عسكري، إن تحقق، لن يكون سوى تأجيل لجولة جديدة من الصراع، لأن الجذور البنيوية للأزمة ستظل قائمة، ولأن الدولة لم تُعاد صياغتها على أسس جديدة. في هذا السياق، يبرز موقف مركز الدراسات المدنية والديمقراطية السوداني بوصفه محاولة للخروج من الاستقطاب الثنائي المدمّر. فالمركز لا ينحاز لأي طرف عسكري أو سياسي يستخدم السلاح لفرض رؤيته، لا للجيش ولا للدعم السريع ولا لغيرهما. الانحياز الوحيد هو للمدنيين، لحقهم في الحياة والأمان والكرامة والعدالة، ولإمكانية بناء دولة مدنية ديمقراطية تُدار بالقانون لا بالبندقية. من هذا المنطلق، يرى المركز أن الحرب الحالية ليست أزمة أشخاص أو تواريخ، بل أزمة بنية دولة، ولا يمكن إنهاؤها بتسويات شكلية تعيد إنتاج العنف تحت مسميات جديدة. الواقع الإنساني اليوم يفرض نفسه بقسوة لا تحتمل التأجيل. ملايين السودانيين نازحون داخل البلاد وخارجها، الخدمات الأساسية منهارة، الجوع والمرض وانعدام الأمن يضربون مناطق واسعة، بينما يستمر القتال بلا أفق واضح. في ظل هذا المشهد، يصبح الحديث عن الاستقرار أو التطبيع أو إعادة الإعمار بلا معنى أخلاقي إذا لم يسبقه وقف حقيقي للحرب وحماية فعلية للمدنيين. الأولوية العاجلة يجب أن تكون وقف نزيف الأرواح عبر هدنة إنسانية فورية، وفتح المسارات الإنسانية دون شروط أو ابتزاز، وضمان وصول المساعدات لكل المناطق المتأثرة دون تمييز أو اعتبارات سياسية. أما على المدى الأبعد، فلا مخرج من هذه الحرب إلا عبر مسار سياسي سوداني شامل، مدني، حر، تشارك فيه كل القوى المدنية والاجتماعية، داخل السودان وخارجه، دون إقصاء أو تهديد أو هيمنة السلاح. أي حوار يُجرى في ظل الخوف أو تحت سيطرة العسكر لن يؤدي إلى سلام دائم، بل إلى هدنة هشة تؤجل الانفجار القادم. ولا سلام مستدام دون عدالة ومحاسبة على الجرائم والانتهاكات الماضية والحاضرة، أياً كان مرتكبوها. كما لا دولة دون إصلاح جذري للمؤسسة العسكرية، وتوحيد السلاح تحت سلطة مدنية، وإنهاء تعدد الجيوش والميليشيات التي مزّقت البلاد. الوقوف عند فداحة الانتهاكات مهم، لكنه غير كافٍ ما لم يترافق مع مواجهة الجذور التي أنتجت هذا العنف. إن لم تُصلَح طريقة إدارة الدولة السودانية للسلاح والسلطة، ستتغير الأسماء والواجهات، وستتبدل التحالفات، لكن العنف سيبقى، وسيظل المواطن السوداني هو من يدفع الثمن. هذه ليست معركة بين جيش وميليشيا، بل معركة بين دولة تُعاد صياغتها على أسس العدالة والكرامة، ودولة قديمة تُصرّ على إعادة إنتاج الخراب.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم