حينما يصبح الهاتف بنكًا… وتغدو السيادة عبئًا

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان – مقالات من بطون الكتب ونبض الميدان

مقدمه

قد يبدو هذا النص، للوهلة الأولى، خاطرةً تُشبه الشعر أكثر مما تُشبه الاقتصاد.

كأننا نبالغ حين نضع الهاتف في مقام البنك،
وننزلق – عن قصد – إلى استعارة لا تليق بصرامة الأرقام.

لكن المشكلة ليست في الاستعارة،
بل في أن أدوات التغيير صارت أسرع من لغتنا،
وأخفّ من مفاهيمنا الثقيلة،
وأكثر جرأة من مؤسسات ما زالت تعتقد أن السيادة تسكن المباني.

هذا المقال لا يحكي شعرًا،
لكنه يدرك أن الواقع سبق التحليل بخطوة،
وأن ما كان مجازًا بالأمس
صار ممارسة يومية بلا ضجيج.

لم يعد البنك مبنى،
ولا الخزنة جدارًا،
ولا العملة ورقًا يحمل توقيع الدولة.

في هذا العقد، حدث التحول الأكبر بهدوء:
الهاتف أصبح بنكًا،
والنظام النقدي العالمي بدأ يغيّر جلده، لا مركزه فقط.

لسنا أمام تطور تقني عابر،
بل أمام إعادة تعريف لمن يملك المال، ومن يديره، ومن يراقبه.

أولًا:
من البنك المركزي إلى الجيب الشخصي

في النموذج الكلاسيكي:
كان البنك المركزي يضبط السيولة،
والبنوك التجارية توزّعها،
والمواطن يقف في نهاية السلسلة مستهلكًا لا فاعلًا.

أما اليوم:
التطبيق يُصدر،
والمنصة تُسوي،
والفرد يحتفظ بالقيمة خارج المنظومة التقليدية.

لم تُلغَ البنوك المركزية،
لكن انكسر احتكارها للسرعة والسيطرة اليومية.
الهاتف لم يهزم البنك،
لكنه تجاوز حدوده الزمنية والجغرافية.

ثانيًا:
هل هذا انهيار للنظام النقدي؟

الإجابة الدقيقة: لا.
نحن أمام تحوّل في الشكل والأدوات، لا سقوط للنظام.
الدولار في حراكه
أعاد تسليح نفسه رقميًا،
وتقدّم عبر العملات المستقرة،
وتغلغل في حياة الأفراد مباشرة.

إنها هندسة جديدة للطلب والسيولة،
تتحرك بهدوء،
وتُغيّر السلوك قبل أن تُغيّر القوانين.

ثالثًا:
الدول النامية… الضحية الصامتة

أخطر ما في هذا التحول لا يقع على الدول الكبرى،
بل على الاقتصادات الهشّة:
عملات ضعيفة،
وبنوك مركزية محدودة الأدوات،
ومجتمعات تبحث عن الأمان لا عن السيادة.

حين يصبح الهاتف بنكًا:
يخرج الادخار من الدولة،
وتفقد السياسة النقدية تأثيرها،
وتتسارع الدولرة الرقمية بلا تشريع ولا نقاش عام.

السيادة لا تُسلب بقرار،
بل تتآكل بالاستخدام اليومي.

رابعًا:
الإعلام… أين يقف؟

الإعلام الاقتصادي الرسمي في كثير من الدول
يشرح ما حدث،
ولا يناقش لماذا حدث،
ولا يربط التقنية بالأثر الاجتماعي والسيادي.
فيتحول من أداة وعي
إلى أداة تهدئة،
بينما التحول الحقيقي يحدث خارج شاشته،
وفي جيب المواطن تحديدًا.

خامسًا:
وماذا عن الاقتصاديين؟

هنا بيت القصيد.
هذا التحول لا يُلغي الفكر الاقتصادي،
ولا يُسقط كينز ولا غيره،
لكنه يُنهي دور الاقتصادي الذي يعيش في زمن الورق.الاقتصادي اليوم:
إما أن يفهم الخوارزميات،
أو يُفسر آثارها،
أو يُستبعد من دوائر القرار.

المعركة لم تعد: نظرية مقابل نظرية،
بل: فهم التحول مقابل الجمود.

الخاتمة:
من يخسر ومن يبقى؟

حين يصبح الهاتف بنكًا،
ولا يُلغى الاقتصادي،
ولا ينتصر الكود وحده.
لكن:
من لا يواكب الواقع يُقصى،
ومن يشرح بعد وقوع الحدث يُهمَّش،
ومن يفهم التحول ويقرأ أثره… يبقى.
السيادة لم تختفِ،
بل تغيّر موضعها.
والاقتصاد لم يمت،
بل غادر مكاتبه القديمة،
وينتظر من يلحق به.

كلمة من بنيان:
ليس المقصد الخوف من التقنية،
ولا الحنين إلى الماضي،
بل وعيٌ جديد يقول:
من لا يفهم كيف أصبح الهاتف بنكًا،
لن يفهم ما هو ات

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …