انتهاكات على طاولة السياسة

زوايا
حمّور زيادة

تُقدّر أعداد النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب في الحرب العالمية الثانية بالملايين، بحسب بعض دراسات تاريخية. في ألمانيا وحدها، تفيد تقديرات بأن مئات آلاف تعرّضن للاغتصاب في الأسابيع والأشهر الأخيرة من الحرب، على أيدي جنود من جيوش الحلفاء. وفي روسيا ارتكب النازيون مئات آلاف الاغتصابات، لكن جرائم المنتصر لم تكن لافتةً للنظر.

لم تكن هذه الجرائم سابقاً خاضعة لتعريفات قانونية واضحة، لكن قساوة التجربة الإنسانية التي خاضها البشر في الحرب أدّت إلى تطوّر القانون الدولي الإنساني. فبعد سنوات طويلة من الحرب العالمية، وإثر حروب البوسنة والهرسك ثم رواندا، أقرّ المجتمع الدولي صراحة بأن الاغتصاب والعنف الجنسي يشكّلان جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولم يعد ينظر إلى هذه الجرائم على أنها أخطاء فردية أو تجاوزات متوقعة من جندٍ متعبين يتوقون للتسرية عن أنفسهم بعد القتل والدم، فيشيح المجتمع الذكوري وجهه، مكتفياً بالنصر الحربي، بينما تدفع النساء الثمن. وقد حاول المجتمع الدولي ألا يكون ذلك مقبولاً مرّة أخرى، وألا يوظف الاغتصاب عسكرياً لكسر الخصم وإذلاله، ودفع السكان إلى الفرار والنزوح.

في الحرب الأهلية السودانية، وثّقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان منذ إبريل/ نيسان 2023 العنف الجنسي الواقع على النساء. وكانت الجرائم الأولى التي وقعت في العاصمة الخرطوم سبباً في جدل الرأي العام، بعد تصريح مسؤولة حكومية عن مرتكبي الجرائم، فذكرت اتهام مليشيا الدعم السريع، بينما زعم سياسيون أنها في إحاطة خاصة قدّمتها لهم اتهمت الجيش والدعم السريع معاً. ما وثقته التقارير الدولية ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان كان مئات الجرائم المرتبطة بالعنف الجنسي، وشملت الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والاختطاف بقصد الاعتداء الجنسي، والاعتداء في وجود الأسر ومشاهدتها. توثق هذه التقارير أن النسبة الكبرى من الاتهامات ارتكبتها “الدعم السريع”، خصوصاً في إقليم دارفور وضد القبائل غير العربية هناك. وهو السلاح نفسه المستخدم ضد هذه القبائل منذ عام 2003 في حروب دارفور. ووثقت التقارير الدولية حدوثه ضد المتظاهرين المدنيين في سياقات مختلفة، ما يجعل سلاح الاغتصاب في السياق المحلي ليس حدثاً معزولاً للأسف، بل نمطاً متكرّراً في النزاعات ومواجهة الاحتجاجات المدنية.

خطورة هذه الجرائم في نمطها الذي يظهر في شهادات الناجيات والناجين (إذ تعرّض رجال وأطفال للعنف الجنسي، خصوصاً في معتقلات قوات الدعم السريع)، إذ ترتكب هذه الانتهاكات في سياق عمليات أمنية وعسكرية جماعية بلا تخفٍّ ولا محاولةٍ للتستّر، بل تُذاع وتُنشر بوصفها نوعاً من الدعاية الحربية التي يظنّها أصحابها إيجابيةً.

جرّم القانون الدولي العنف الجنسي في النزاعات المسلحة، وكذلك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي ظلّ نظام الحركة الإسلامية يرفض الانضمام إليها، والاعتراف بولايتها. ثم واصلت السلطات العسكرية بعد سقوط نظام عمر البشير على السياسة نفسها، حتى جاءت حرب 15 إبريل (2024). ورغم عظم الجريمة وثبوتها، فإنّ التوازنات السياسية والسلطوية التي كرّست واقع الإفلات من العقاب عاودت الظهور في مطالبة حكومة الخرطوم بمحاكمة “الدعم السريع”، وحده، أمام المحكمة الجنائية الدولية، ومطالبة “الدعم السريع” بمحاكمة قادة الحركة الإسلامية، وحدهم، أمامها. فكلّ طرف يسعى إلى استخدام العدالة الدولية العرجاء لصالحه. كأنما عجزها الحالي يحتاج إلى إساءة استخدام.

نتيجة جعل هذه الجرائم ملفّاتٍ سياسيةً أن الضحايا يُتركن ويتركون في مواجهة الوصم ثم غياب العدالة. كثيرات من الضحايا لا يبلّغن عما حدث لهن خوفاً من هذا الوصم، وربما أيضاً لضعف الثقة بالمسار القانوني، إن لم يكن المتهم يوافق رغبات السلطة التي تعيش تحتها الضحية.

يعلّمنا التاريخ أن تجاهل العنف الجنسي في الحروب لا ينهيه، والصمت عنه لا يقضي عليه، بل يُتيح له أن يتكرّر. فرغم كل هذه السنوات منذ الحرب العالمية الثانية، مروراً بحروبٍ عدة شهدت العنف الجنسي سلاحاً، ورغم كل القوانين والاتفاقات والبروتوكولات، لم يقض التجريم على الانتهاكات المتكرّرة، لكنّه حاصرها حتى أصبح الإنكار في عالم اليوم مستحيلاً، خصوصاً في حربٍ مثل حرب السودان، يتفاخر فيها عدد غير قليل من المجرمين بما ارتكبوه، ويبثّونه متباهين.

العنف الجنسي هو أحد أشد وجوه الحرب قساوة وقذارة، ولا يمكن التعامل معه كأمر مؤسف أو حدث عرضي، بل ينبغي أن يكون الجريمة العظمى التي لا يُسمح لمرتكبيها بالنجاة من العقاب، ولا أن ينساها المجتمع ويتجاهلها بحجّة الخوف من الوصم.

العربي الجديد

عن حمور زيادة

شاهد أيضاً

رهان “الدعم السريع” على انفصال دارفور

زواياحمّور زيادة أعلن الحاكم العسكري لإقليم بيافرا (شرقي نيجيريا)، في مايو/ أيار 1967، استقلال الإقليم …