عبد الغني بريش فيوف
bresh2@msn.com
في مسرح العبث السياسي الذي يشهده السودان، حيث تختلط دماء الضحايا بحبر البيانات العسكرية، يطل علينا الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مشهد سريالي، مرتديا عباءة المنقذ والمخلص، حيث يقف الرجل، الذي هندس بنفسه شروط الانهيار، ليعلن انتصاره على وحش هو من صنعه، وغذاه، وسمنه حتى كاد يبتلع الدولة برمتها.
إنها مفارقة تاريخية لا تحدث إلا في بلادنا المنكوبة بالنخبة العسكرية التي لا تقرأ التاريخ، وإن قرأته لا تفهمه: أن يحرق القائد المعبد على رؤوس الجميع، ثم يخرج من تحت الأنقاض، نافضا الغبار عن بزته، ليطلب من الناجين التصفيق له لأنه أخرجهم من الجحيم الذي هو وقوده وحطبه.
عزيزي القارئ..
لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل 2023، صاعقة نزلت من سماء صافية، ولا قدرا محتوما لا فكاك منه، بل كانت جريمة كاملة الأركان تم الإعداد لها بعناية، ليس عبر التخطيط للحرب ذاتها، بل عبر التخطيط للسلطة المطلقة، وهنا تكمن مأساة عبد الفتاح البرهان، الجنرال الذي لم يكتفِ بإرث الفشل الذي تركه سلفه المخلوع عمر البشير، بل قرر استنساخ أسوأ ما فيه، وهو الاعتماد على الميليشيا لحماية الكرسي.
منذ اللحظة التي تلت سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019، وشراكة العسكر مع المدنيين بقيادة عبد الله حمدوك، كان البرهان مسكونا بهاجس واحد، وهو، كيف يصبح رئيسا للسودان بأي ثمن، ولم يجد في كتالوجات الاستبداد والطغيان، سوى الوصفة البشيرية القديمة، وهي، اصنع غولا يخيف الجميع، ثم كن أنت مروضه الوحيد، وهكذا، بدأت رحلة التمكين الممنهج لمحمد حمدان دقلو “حميرتي” وميليشيا الدعم السريع.
لقد فتح البرهان خزائن الدولة ومخازن السلاح للجنجويد، وسمح لهم باستيراد آليات ثقيلة لا يمتلكها حتى الجيش النظامي، وغض الطرف عن تمددهم الاقتصادي في الذهب والعملات والشركات، بل ومنحهم شرعية دبلوماسية جعلت من قائد ميليشيا نداً له.
كان البرهان يعتقد، في غمرة أوهامه السلطوية، أن حميرتي سيكون الكلب الوفي الذي يحرس بوابة القصر الجمهوري من طموحات المدنيين في الديمقراطية، ومن تحركات ضباط الجيش الأحرار والشرفاء، ولكنه لم يدرك، في سذاجة سياسية تحسد عليها، أن الوحش عندما يكبر وتشتد أنيابه، لا يفرق بين يد أطعمته ويد يريد قضمها.
رقصة التانغو القاتلة: العناد ورفض النصيحة..
طوال الفترة الانتقالية، رُفعت أصوات الوطنيين، والخبراء العسكريين، وحتى حلفاء السودان الدوليين، محذرين من خطورة الجيشين في دولة واحدة، وكانت النصائح تنهال على مكتب القائد العام، تقول له، لا تتساهل مع الدعم السريع، لا تسمح بالتجنيد خارج القانون، أوقف تدفق السلاح النوعي للميليشيا، ولكن البرهان، المنتشي بوهم السيطرة، كان يرى في هذه النصائح محاولات لإضعاف تحالفه التكتيكي مع حميدتي ضد القوى المدنية.
لقد صمّ أذنيه عن صوت العقل، واختار السير في طريق وعر، معتقداً بذكائه المحدود أنه قادر على إدارة التناقضات، حيث كان يظن أنه يلعب الشطرنج، بينما كان حميرتي، يلعب الروليت الروسي برأس الدولة السودانية، وفي كل مرة كان حميرتي يتحدى فيها سلطة الدولة، أو يتجاوز فيها الخطوط الحمراء، كان البرهان يقابله بابتسامة الأخ الأكبر المتسامح، مبرراً ذلك بضرورات المرحلة، بينما كان في الحقيقة يشتري وقتاً لبقائه في السلطة، ويدفع الثمن من هيبة الجيش وسيادة الوطن.
إن الكارثة تبلغ ذروتها، حين نتذكر كيف كان البرهان يصف حميرتي بعضدي وشقيقي، وكيف كان يوقع المراسيم التي تشرعن وجود الميليشيا كقوة موازية، واليوم، وبعد أن دمرت هذه القوة الخرطوم ومدن السودان، يحاول البرهان أن يغسل يديه من دماء الضحايا، مدعياً أنه كان مخدوعا، وهل يحق لمن يؤتمن على مصير أمة أن يكون ساذجا إلى هذا الحد، أم أن الوهم هو الاسم الحركي للتواطؤ من أجل السلطة؟
الكارثة: حين انقلب السحر على الساحر..
وجاءت لحظة الحقيقة في 15 أبريل، عندما انفجر البالون الذي نفخه البرهان بنفسه في وجهه ووجه السودانيين جميعا، واندلعت الحرب التي لم يكن الجيش مستعداً لها، ليس لضعف في بسالة جنوده، بل لأن قائده العام جرده من ميزة احتكار العنف وسلم مفاتيح القوة لعدوه.
في أيام قليلة، سقطت العاصمة، واحتلت الميليشيا 80% من مساحة السودان، مستبيحة البيوت والمستشفيات والأعراض، ورأينا الجنجويد يعيثون فساداً في كل مكان، ينهبون ويفسدون كما لم يفعل غازٍ أجنبي من قبل، وبينما كان الشعب السوداني يواجه الموت والنزوح منفرداً، كان البرهان محاصراً في قبو القيادة العامة، يدفع ثمن أوهامه غاليا.
لكن المأساة لم تتوقف هنا، فبدلا من الاعتراف بالخطأ التاريخي، والتنحي جانبا إفساحا للمجال أمام قيادة عسكرية جديدة قادرة على إدارة المعركة بعيداً عن حسابات السياسة الفاشلة، خرج البرهان علينا بخطاب الكرامة، وكأن الحرب قد فرضت عليه من كوكب آخر.
**
الآن، وبعد أن تمكن الجيش السوداني، بفضل تضحيات ضباطه وجنوده الشرفاء والمقاومة الشعبية، لا بفضل عبقرية القيادة، من استعادة معظم مدن السودان والسيطرة على مفاصل الدولة في الوسط والشمال والشرق، يخرج البرهان ليعلن النصر، ولكن، أي نصر هذا الذي يترك دارفور برمتها رهينة في يد الميليشيا، أي نصر وغرب كردفان وأجزاء واسعة من شمال كردفان لا تزال تئن تحت وطأة الجنجويد؟
إن محاولة البرهان تسويق استعادة الخرطوم، كإنجاز بطولي يغفر له خطيئة تمكين الجنجويد، هي استخفاف بعقول السودانيين، لأن بقاء إقليم كامل مثل دارفور خارج سيطرة الدولة، ليس مجرد تفصيل عسكري، بل هو تكرار لمأساة الانفصال الشعوري والسياسي، فالبرهان، الذي سلم دارفور سابقا لحميرتي ليحكمها بالحديد والنار نيابة عنه، يبدو اليوم غير مكترث بمصير الملايين هناك، طالما أن كرسيه في بورتسودان أو الخرطوم لاحقاً، آمن.
بطل من ورق: صناعة المنقذ المزيف..
يتبع البرهان اليوم استراتيجية علاقات عامة مكشوفة، وهي، الظهور بمظهر القائد الميداني، والتجول بين الجنود، وإطلاق التصريحات النارية ضد التمرد الغاشم.
إنه يحاول بشتى الطرق إعادة كتابة التاريخ القريب، ليمحو منه توقيعه على الاتفاق الإطاري، وتمكينه لميليشيا الدعم السريع، ودفاعه المستميت عن حميرتي أمام الرأي العام السوداني الذي يعرف تأريخه الدموي جيداً.
يريد من الشعوب السودانية أن تصدق أنه هو من أنقذ السودان من المؤامرة الخارجية والداخلية، متناسيا أن المؤامرة الحقيقية كانت حلمه الشخصي بالرئاسة الذي جعله يعمي بصره عن الخطر المحدق.
إنه يمارس نوعا من الاحتيال السياسي، حيث يبيع للناس بضاعة الأمن بعد أن سلبهم إياها بقراراته الكارثية.
إن وصف البرهان بالمنقذ، يشبه وصف مشعل الحرائق برجل الإطفاء المثالي، فقط لأنه حمل خرطوم المياه بعد أن التهمت النار نصف المدينة، إذ الحقيقة هي أن البرهان ليس بطلا، بل هو الناجي الوحيد من محرقة أشعلها بنفسه، حيث نجا بمنصبه، بينما فقد السودانيون أرواحهم، وممتلكاتهم، ووطنهم.
ما بعد النصر.. هل يتعلم الطغاة؟
السؤال الأخطر الآن ليس متى تنتهي الحرب، بل ماذا سيحدث بعدها، إذ أن المؤشرات الحالية تدل على أن البرهان لم يتعلم شيئا، بل يعيد تشكيل المشهد السياسي ليكون هو المحور الأوحد، مستخدما شرعية البندقية لإسكات أي صوت يطالبه بالرحيل أو المحاسبة.
إن استمرار البرهان في السلطة بعد الحرب، يعني شيئا واحدا، وهو تكريس سياسة الإفلات من العقاب، لأنه إذا لم يحاسب القائد العام على خطأ استراتيجي كاد يودي بوجود الدولة ذاتها، فمن سيحاسب؟
إن بقاءه رئيسا هو مكافأة للفشل، ورسالة لكل جنرال طموح بأن الطريق إلى الرئاسة يمر عبر تدمير البلاد ثم ادعاء إنقاذها.
علاوة على ذلك، فإن عقلية البرهان التي أدمنت المناورات السياسية وشراء الولاءات، لن تكون قادرة على بناء دولة مدنية حديثة أو ديمقراطية، بل سيظل مسكونا بهاجس العدو البديل، وسيبحث عن ميليشيات جديدة، أو تحالفات قبلية مشبوهة، ليحمي بها سلطته، ليعيد إنتاج الدورة الخبيثة من جديد.
إن المأساة السودانية الراهنة ليست نتاج صدفة عسكرية، ولا لحظة انفلات أمني عابر، بل هي خلاصة تفاعل طويل بين غرور السلطة وضعف البصيرة الوطنية، وبين نزعة الانفراد بالقرار وانعدام الوعي بمفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على المؤسسات لا على الأشخاص، وتجربة الفريق أول عبد الفتاح البرهان تمثل إحدى أكثر صور هذا الفشل جلاءا، فهي تكشف كيف يتحول الطموح الشخصي حين يغيب الضابط الأخلاقي والسياسي، إلى مشروع مدمر يلتهم الوطن نفسه، بل ويشرعن الخراب باسم الإنقاذ الوطني وحماية السيادة.
لقد جسّد البرهان النموذج الأوضح لما يمكن تسميته بعبادة الكرسي، حيث تتوارى المبادئ، وتُختزل الدولة في مشاعر الزعيم وأوهامه.
إن خطأ البرهان لم يكن في قراءة المشهد العسكري فحسب، بل في انعدام وعيه السياسي بالتحولات الجذرية التي مرّ بها السودان بعد ثورة ديسمبر، إذ تصرّف كقائد انقلاب تقليدي في زمنٍ فقد فيه الاستبداد مبرراته، وتعامل مع المدنيين لا كشركاء في بناء الوطن، بل كمنافسين على مقعد لم يكن له منذ البداية، وهذا الإصرار على التملك المطلق للسلطة هو الذي فتح الباب واسعا أمام تمدد الميليشيا، ليس بقوة سلاحها فقط، بل بشرعية منحها إياها قائد الجيش نفسه.
ففي حين كانت الجماهير السودانية تناضل من أجل تأسيس جمهورية مدنية تضع حدا لعقود من عسكرة الدولة، كان البرهان يعيد، بعناد مدهش، إنتاج نفس المعادلة القديمة التي سقط بسببها نظام البشير، وهي تحالف بين الجنرال والميليشيا مقابل البقاء في الحكم، وهكذا، وللمرة الثانية خلال أقل من عقد، جرى تسليم القرار الوطني إلى منطق السلاح بدل منطق الدولة، والفرق فقط أن البرهان لم يتعلم من سلفه، بل تجاوزه في سقف المخاطرة، إلى الحد الذي جعل حدود السودان نفسها رهينة لولاءات قبلية واقتصاد موازٍ قائم على الذهب والسلاح.
اليوم، حين يتحدث البرهان عن نصر عسكري بعد أن استعادت القوات النظامية بعض المدن، فإنه يتجاهل أن النصر لا يُقاس بما يُستعاد من جغرافيا، بل بما يُستعاد من قيم الدولة، وما دامت دارفور وغرب كردفان، بل أجزاء من نسيج المجتمع السوداني، لا تزال تحت وطأة الصراع والانقسام، فإن الحديث عن النصر ليس سوى تكرار مأساوي لخطاب الإنقاذ القديم، وهو انتصارات وهمية لتغطية إخفاقات استراتيجية عميقة.
ومع ذلك، لا يمكن فهم البرهان بمعزل عن النظام السياسي الذي أنجبه، فالجنرال لم ينبثق من فراغ، بل من تربة ظلت تُقدّس العسكر وتمنحهم صك الوصاية على الشعب.
لعقود، كانت الدولة السودانية تُدار بعقلية الحارس لا بعقلية المؤسسة، فصار كل انقلاب يبرر نفسه بذريعة إنقاذ الوطن من الآخرين، حتى أدمن الوطن هذا التبرير واستحال الخروج من دائرته الجهنمية.
إن النقد الحقيقي لتجربة البرهان لا يقف عند حدود إدانته، بل يتطلب الاعتراف بأن المؤسسة العسكرية نفسها بحاجة إلى إعادة بناء جذري على أسس مهنية، وإلى تطهير من ثقافة التسييس والولاءات، فليست المشكلة في شخص واحد، بل في منظومة متخمة بالجمود والشك بالمدنيين، ومهووسة بفكرة أن السلطة العسكرية هي ضمانة الاستقرار، وقد أثبتت الأحداث أن العكس هو الصحيح، وأن كل تدخل للجيش في السياسة لا يجلب إلا الفوضى، ويعمّق الفجوة بين المواطن والدولة.
على المستوى الأخلاقي، يمثل البرهان مثالا صارخا لانفصال السلطة عن المسؤولية، فحين يندد قائد جيش بمجازر ميليشيا ساهم هو في تسليحها، ثم ينفي معرفته بخطرها، فهو لا يخدع الناس، بل يخدع نفسه أيضا، وحين يرفع شعار الكرامة الوطنية فيما تهدر الكرامة الإنسانية تحت أنقاض الخرطوم وقرى دارفور وكردفان، يصبح الحديث عن المنقذ نكتة سوداء في سجل التاريخ.
لذلك، فإن مستقبل السودان لن يُبنى على شعارات النصر ولا على توازنات البندقية، بل على محاسبة جريئة تعيد تعريف المسؤولية العامة، لأن الشعب الذي دفع ثمن الحرب لن يقبل بعد الآن أن يُدار بوهم الرجل القوي أو المنقذ، فالتاريخ علّمه أن كل منقذ مدّع يخلف وراءه مقبرة جديدة.
الطريق إلى المستقبل يبدأ حين يُقال بوضوح إن من قاد البلاد إلى الهاوية لا يمكن أن يكون من يقودها إلى النور.
إن السودان لا يحتاج إلى جنرالات جدد بالزي ذاته وشعارات مختلفة، بل إلى وعي وطني جامع يقطع مع عبادة الأفراد، ويعيد السيادة للمؤسسات المدنية المنتخبة، فالمستقبل ليس ملك العسكر ولا الميليشيات، بل ملك الأطفال الذين كبروا على أصوات الانفجارات ويحلمون بدولة تحميهم لا دولة تحرقهم باسم حمايتهم، وتلك، وحدها، ستكون الهزيمة الحقيقية للبرهان ومنظومته، أن ينهض السودان ذات صباحٍ بلا قيصر، ولا أوهام.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم