هل يمكن أن تصبح السعودية وجهة بديلة لصادرات الذهب السوداني ؟

أحمد بن عمر

هيمنت الإمارات العربية المتحدة وخاصة إمارة دبي على تجارة الذهب السوداني خلال السنوات الماضية، باعتمد السودان بشكل شبه كلي على سوق دبي لتكرير وتصدير ذهبِه، ووفقًا لبيانات بنك السودان، استحوذت الإمارات على نحو 90% من صادرات الذهب السوداني الرسمية خلال أكثر من عشرة سنوات ما يجعلها الوجهة الأولى بفارق كبير، لكن هذا الاعتماد صاحبه انتشار ظاهرة التهريب، حيث يُقدَّر أن كميات الذهب المُهرَّبة فاقت بكثير ما يُصدَّر رسميًا ربما أربعة أضعاف الإنتاج الرسمي بحسب التقارير ، وقد كانت أغلب تلك الكميات تجد طريقها أيضًا إلى الأسواق الإماراتية، مستفيدةً من سهولة القنوات هناك وضعف الرقابة.
خلال فترة ما قبل الحرب الحالية، كان الذهب يشكّل موردًا أساسيًا لخزينة السودان بالعملة الصعبة، ففي عام 2022 (العام الذي سبق الحرب) ، أفادت بيانات رسمية بأن الإمارات استوردت ما قيمته 2.29 مليار دولار من الذهب السوداني، ويُرجَّح أن القيمة الحقيقية أعلى بكثير إذا احتُسب الذهب المُهرَّب (تُقدَّر قيمته بنحو 13.4 مليار دولار في تجارة غير مشروعة)، ومع ذلك، لم تكن تلك العائدات تنعكس بالكامل على الاقتصاد السوداني؛ فقد قُدِّرت الفجوة بين قيمة الذهب المُنتَج وتحصيل إيرادات صادراته بحوالي 5 مليارات دولار خلال عام 2025، حيث لم يدخل خزينة الدولة سوى قرابة مليار دولار فقط من أصل ما يفوق 6 مليارات دولار هي قيمة الإنتاج التقديرية حسب أعلان شعبة مصدرى الذهب السودانية، هذا يعني أن معظم العائدات كانت تتسرّب عبر شبكات التهريب والبيع غير الرسمي، بدلًا من دعم الاقتصاد الوطني المنهَك،

توتر سياسي وإيقاف إماراتي للصادرات
اندلعت توترات سياسية بين الخرطوم وأبوظبي على خلفية الصراع الداخلي في السودان، حيث اتهمت الحكومةُ السودانية الإماراتَ بدعم ملشيا قوات الدعم السريع بالأسلحة والإمدادات، وفي خطوة تصعيدية في أغسطس 2025، أوقفت الإمارات جميع صادرات الذهب السوداني إلى أسواقها وعلّقت حركة الطيران والسفن بين البلدين، شكّل هذا القرار صدمة كبيرة للاقتصاد السوداني المعتمد على الذهب كأبر سلعة مصدرة.
في أعقاب الحظر الإماراتي، سعى السودان لفتح أسواق جديدة في المنطقة، تواصلت السلطات السودانية مبدئيًا مع سلطنة عمان وقطر ومصر وحتى المملكة العربية السعودية كوجهات تصدير محتملة، أُرسلت بعض الشحنات فعلًا إلى مسقط والدوحة، إلا أنها في نهاية المطاف وجدت طريقها إلى دبي أيضًا ما يعني أن النفوذ الإماراتي في سوق الذهب الإقليمي ظل قائمًا عبر طرق غير مباشرة، كذلك استفادت أسواق مجاورة مثل مصر من الوضع، حيث ازداد تهريب الذهب إليها لإعادة تصديره لاحقًا للإمارات، هذه التطورات عززت قناعة الخرطوم بضرورة البحث عن شريك استراتيجي موثوق وقادر على شراء الذهب السوداني بشكل مباشر وشفّاف بعيدًا عن هيمنة دبي التقليدية.

مصفاة الذهب السعودية تدخل على خط الذهب
في يناير 2026، وعلى هامش مؤتمر التعدين الدولي (منتدى المعادن المستقبلية) في الرياض، برز تطور لافت يبشّر بتغيير المعادلة، أعلنت شركة مصفاة الذهب السعودية وهي شركة سعودية رائدة في قطاع الذهب عن جاهزيتها للدخول الفوري في عمليات شراء الذهب السوداني، جاء ذلك بعد لقاء رفيع المستوى في الرياض جمع وزير المعادن السوداني نور الدائم طه ومدير الشركة السودانية للموارد المعدنية محمد طاهر عمر مع رئيس مجلس إدارة المصفاة السعودية سليمان بن صالح العثيم، وقد أكد العثيم خلال اللقاء أن الشركة مستعدة للبدء فورًا في شراء الذهب اعتمادًا على خبرتها الواسعة في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والمختبرات المتكاملة من مرحلة الاستكشاف حتى الإنتاج.
هذه الخطوة السعودية تعكس توجه السودان نحو تنويع أسواق صادراته المعدنية، خاصة في دول الخليج، وذلك بعد تراجع الاعتماد على الأسواق التقليدية السابقة التي كانت تستخدم مصافي دبي لتكرير الذهب، بمعنى آخر، يُنظر للتعاون السوداني السعودي كمحاولة جادة لـكسر احتكار دبي لسوق الذهب السوداني وفتح فصل جديد عبر الرياض، وقد تم الاتفاق خلال الاجتماعات على بدء مرحلة جديدة من التعاون الإستراتيجي تضمن حصول السودان على القيمة العادلة لموارده المعدنية بعيدًا عن الأسواق الموازية ، كما تطرقت المباحثات إلى منح الشركة السعودية امتيازات تنقيب في السودان وتوسيع استثماراتها لتشمل معادن أخرى مثل التلك والميكا والكروم والمنغنيز، نظرًا لجدواها الاقتصادية المرتفعة وانخفاض تكلفة استخراجها.
من الجدير بالذكر أن شركة مصفاة الذهب السعودية (Saudi Gold Refinery – SGR) تُعتبر من أبرز الكيانات الصاعدة في قطاع التعدين السعودي، وتتماشى خططها مع رؤية المملكة 2030 لتنويع الاقتصاد، ويكشف رئيس الشركة سليمان العثيم أن SGR تعمل على رفع إنتاجها تدريجيًا ليصل إلى 5 ملايين أونصة سنويًا بحلول 2028 استعدادًا لطرح عام أولي (IPO)، كما أنها تخطط لتشغيل 6 إلى 10 مناجم جديدة قبل ذلك الموعد بدعم من وزارة الصناعة والصندوق الصناعي السعودي، وتمتلك الشركة منظومة متكاملة تشمل سلسلة القيمة الكاملة في التعدين، بدءًا من الاستكشاف والمسح الجوي بطائرات الدرون، مرورًا بالحفر والدراسات المعملية، ووصولًا إلى عمليات الاستخراج والتكرير والتسويق، هذه القدرات الكبيرة تجعل دخول SGR في شراء الذهب السوداني تطورًا منطقيًا يخدم مصالح الطرفين، فالسودان يحصل على شريك لديه إمكانات فنية ومالية ضخمة، والسعودية تعزز حضورها كمركز إقليمي متنامٍ لصناعة الذهب.

ترحيب سوداني وتفاؤل بالخطوة
قوبلت هذه الخطوة بترحيب واسع في الأوساط السودانية المعنية بتجارة الذهب، أعلن رئيس شُعبة مصدري الذهب بالسودان، عبد المنعم الصديق، ترحيب الشعبة الكامل بفتح باب تصدير الذهب إلى السعودية، وأكد الصديق أن الشعبة تدعم أي تعاون يحقق المنافسة العادلة في شراء الذهب المُصدَّر بما يضمن تعظيم العائدات وضخّها في شرايين الاقتصاد الوطني وفق ضوابط صارمة، وشدّد على أن دخول السعودية على الخط من شأنه سد منافذ التهريب التي أهدرت موارد البلاد، عبر توفير قناة رسمية بسعر تنافسي تقضي على حوافز المهربين، ففي الماضي، استفاد المهربون من فروقات الأسعار وضعف الرقابة لتحقيق أرباح طائلة على حساب الخزينة؛ أما الآن، فإذا قدّمت المصفاة السعودية أسعارًا مجزية وإجراءات سلسة للتصدير، فسيفضّل المنتجون والتجار القنوات الرسمية على السوق السوداء.
أكدت الحكومة السودانية استعدادها لتقديم كافة التسهيلات اللازمة لضمان نجاح الاستثمارات السعودية من جانبها، ويشمل ذلك تيسير الإجراءات الإدارية والجمركية، وتوفير الدعم الأمني للعمليات، وربما تقديم حوافز ضريبية لجعل التعاون أكثر جدوى للطرفين، وتطمح الخرطوم أن يُسهم هذا التنسيق في إعادة تشغيل شركات التعدين والاستكشاف المتوقفة عبر الدعم الفني والمالي السعودي، مما يعني إنعاش قطاع التعدين ككل وليس الذهب وحده، كذلك، قد تفتح الشراكة الجديدة المجال أمام تبادل خبرات أوسع في التقنيات التعدينية الحديثة وإدارة الموارد؛ فالسعودية تمتلك خبرات عالمية يمكن أن تستفيد منها الكوادر السودانية لتعظيم الإنتاج وتقليل الفاقد.

السعودية كبديل للإمارات: آفاق وتحديات
يبشّر هذا التطور بأن المملكة العربية السعودية قد تصبح البديل الأبرز للإمارات فيما يخص استيراد وتكرير الذهب السوداني خلال المرحلة المقبلة، هناك عدة مزايا استراتيجية تجعل السعودية مؤهلة لهذا الدور:
-لدى السعودية طموح كبير لتعزيز قدراتها في قطاع الذهب قدرات تمويلية وتكريرية متنامية ، وتعمل على زيادة إنتاجها المحلي وتنمية بنيتها التحتية في مجال التكرير، دخول شركة بحجم SGR في سوق الذهب السوداني يعني توفر طاقات تكرير عالمية المستوى وجاهزية مالية لدفع عائدات مجزية للموردين السودانيين دون تأخير، وهو ما يشجّعهم على الالتزام بالقنوات الرسمية،
-تُعد العلاقات بين الخرطوم والرياض في أفضل حالاتها حاليًا حيث يمكن وصفها بانها شراكة سياسية واقتصادية وثيقة ، لا سيما في ظل دعم المملكة للحكومة السودانية خلال الأزمة الأخيرة، هذا التقارب السياسي يوفّر أرضية صلبة لتعاون اقتصادي طويل الأمد يقوم على الثقة المتبادلة وتنسيق المصالح الإستراتيجية، كما أن تلاقي الإرادة السياسية لدى الجانبين لتطوير قطاع التعدين يجعل من السهل تجاوز العقبات البيروقراطية أو اللوجستية التي قد تبرز
-بوجود مشترٍ رسمي كبير مثل المصفاة السعودية، سيقل الدافع لتهريب الذهب إلى الأسواق الموازية، فالمنافسة العادلة والأسعار التنافسية التي تعد بها السعودية ستضمن أن منتجي الذهب يحصلون على قيمة عادلة دون الحاجة للجوء إلى الوسطاء غير الشرعيين، هذا بدوره يضمن زيادة حصة الصادرات الرسمية من إجمالي الإنتاج، وبالتالي رفد خزينة الدولة بإيرادات هي بأمسّ الحاجة إليها بدلًا من ضياعها عبر التهريب.
مع ذلك، هناك تحديات واقعية ينبغي أخذها بالاعتبار في طريق التحول من دبي إلى الرياض:
-لا تزال دبي مركزًا عالميًا في تجارة الذهب، وتتمتع بمنظومة متكاملة تشمل بورصات ومعامل تكرير وخدمات لوجستية وشبكات تسويق دولية، أما السعودية فرغم تقدمها السريع، فهي حديثة العهد نسبيًا كمحور دولي لتجارة الذهب، سيتعين على المملكة تطوير منظومة تنافس تلك الإمكانات الإماراتية من حيث سرعة إنجاز الصفقات، وجذب التجار العالميين، وتوفير تسهيلات النقل والتخزين والتأمين وغيرها لضمان انتقال سلس للتجارة عبرها.
-قد يحاول المهربون التكيّف مع الواقع الجديد عبر أساليب ووجهات بديلة (كما حدث جزئيًا عبر مصر بعد إغلاق المنافذ مع الإمارات)، لذا فإن نجاح السعودية كبديل يعتمد على قدرة البلدين معًا على سد أي ثغرات قد يستغلها تجار السوق السوداء، سواء بتكثيف الرقابة على المنافذ الحدودية والمطارات، أو بتقديم حوافز تفوق إغراءات التهريب، المعركة ضد التهريب لا تقل أهمية عن فتح القنوات الرسمية، ويجب أن تسير الجهود الأمنية والتنظيمية جنبًا إلى جنب مع التعاون التجاري.
-يعتمد نجاح هذا التحول أيضًا على استقرار سياسات التصدير والاستيراد بين الخرطوم والرياض، وكذلك على أوضاع سوق الذهب العالمية، أي تغييرات مفاجئة مثل فرض قيود تنظيمية جديدة، أو تقلبات حادة في أسعار الذهب عالميًا قد تؤثر على جدوى استمرار انسياب الذهب عبر السعودية، من الضروري إذًا بناء آليات تنسيقية مرنة بين الجانبين تمكّن من امتصاص صدمات السوق والتكيف مع المتغيرات دون تعطيل التعاون، بحيث تستمر الشراكة حتى في ظروف غير مواتية.

dr_benomer@yahoo.com

عن أحمد بن عمر

شاهد أيضاً

مرافعة الطبقة الوسطى في الحرب السودانية

مرافعة الطبقة الوسطى في الحرب السودانية كارثة سقوط المدن عسكرياً تمهيد لفصل إداري للمدن وليس …