muhammedbabiker@aol.co.uk
بقلم: د. محمد عبدالله
تشهد الحرب السودانية، منذ اندلاعها في أبريل 2023، تحولًا نوعيًّا من صراع داخلي إلى ساحة تتداخل فيها حسابات ومصالح قوى إقليمية ودولية. وفي هذا السياق المعقد، لم يعد النزاع شأنًا سودانيًا خالصًا، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والنفوذ والاستقرار الإقليمي.
برزت خلال هذه الفترة تقارير وتحليلات إعلامية، من بينها ما نُشر في صحف غربية مؤثرة مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز، تناولت طبيعة الدعم العسكري المزعوم لبعض أطراف الصراع، مع إشارات متكررة إلى دور محتمل لمصر. وتكتسب هذه التقارير أهميتها ليس فقط من طبيعة المصادر التي نشرتها، بل من توقيتها، والأسئلة التي تثيرها حول حدود التدخل الخارجي وأثره في مسار الحرب.
تعتمد هذه التقارير على معطيات غير مباشرة، تشمل صور الأقمار الصناعية، وتحليل بيانات حركة الطيران، ومقاطع مصورة، إضافةً إلى إفادات لمسؤولين غربيين وعرب تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم. وتشير هذه العناصر، عند جمعها، إلى وجود أنماط دعم لوجستي أو عملياتي تنطلق من مواقع داخل الأراضي المصرية باتجاه مسرح العمليات في السودان، وهو ما فتح بابًا واسعًا للنقاش السياسي والإعلامي.
ورغم الطابع الاستقصائي لهذه التقارير، فإن غياب الإفصاحات الرسمية أو نتائج تحقيقات دولية مستقلة يجعل ما ورد فيها جزءًا من نقاش سياسي وإعلامي مفتوح حول طبيعة التدخلات الخارجية وحدودها، ودورها في التأثير على مسار الصراع السوداني، دون حسم نهائي لطبيعة المسؤوليات أو مستويات الانخراط.
يمكن قراءة الموقف المصري المحتمل من خلال مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية. أولًا، تنظر القاهرة إلى استقرار السودان بوصفه عنصرًا أساسيًا من عناصر أمنها القومي، في ظل تشابك الجغرافيا والمصالح، وما يمثله أي انهيار واسع لمؤسسات الدولة السودانية أو صعود قوى مسلحة غير نظامية على حدودها الجنوبية من تحديات مباشرة للأمن الوطني.
ثانيًا، يبرز في التحليل الاستراتيجي الإقليمي قلق من إعادة رسم موازين القوة، في ظل تنامي نفوذ فاعلين مسلحين ذوي امتدادات عابرة للحدود، بما قد ينعكس سلبًا على نموذج الدولة الوطنية الذي تقوم عليه العلاقات الإقليمية التقليدية.
ثالثًا، تفرض الاعتبارات الإنسانية نفسها بقوة، إذ تستضيف مصر أعدادًا كبيرة من اللاجئين السودانيين، ما يجعل استمرار الحرب عامل ضغط اقتصادي واجتماعي متزايد. وفي هذا الإطار، يُقرأ أي انخراط محتمل ضمن مقاربة ترى في استمرارية مؤسسات الدولة خيارًا أقل كلفة من سيناريو الانهيار الكامل، دون أن يعني ذلك بالضرورة تبنيًا مطلقًا لمسار عسكري محدد.
ميدانيًا، أدى الاستخدام المتزايد للتقنيات العسكرية الحديثة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة، إلى تحول لافت في طبيعة العمليات القتالية، حيث انتقل النزاع من مواجهات برية محدودة إلى حرب استنزاف ذات بعد جوي، تستهدف العمق وخطوط الإمداد. غير أن هذا التطور، بحسب تقارير منظمات حقوقية ورقابية، صاحبه ارتفاع ملموس في الخسائر بين المدنيين، وتضرر واسع للبنية التحتية الحيوية، ما يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مدى التزام أطراف النزاع بقواعد القانون الدولي الإنساني.
ومن أخطر نتائج تدويل الحرب السودانية تراجع الدور السياسي للقوى المدنية، إذ مع تعمق الاعتماد على الدعم العسكري الخارجي والتكنولوجيا القتالية الحديثة تقلصت مساحات الحلول التفاوضية، وتحول الصراع تدريجيًا إلى معادلة عسكرية تُدار حساباتها الأساسية خارج الإطار الوطني. وقد عززت السرديات المتداولة حول الأدوار الإقليمية الانطباع بأن القرار السوداني بات رهينة توازنات خارجية، وهو ما يزيد من تعقيد أي مسار سياسي مستقبلي.
على صعيد العلاقات الثنائية، وضعت هذه التطورات العلاقات المصرية – السودانية أمام اختبار حساس، يتداخل فيه التعاون الأمني التقليدي مع اعتبارات السيادة وحساسية الرأي العام. ورغم استمرار قنوات التواصل الدبلوماسي، شهد الفضاء الشعبي قدرًا من التوتر نتيجة السرديات الإعلامية المتباينة، وإن ظلت الروابط التاريخية والاجتماعية بين الشعبين عاملًا كابحًا لأي قطيعة عميقة.
كما انعكست التطورات على أوضاع السودانيين المقيمين في مصر، الذين يواجهون، إلى جانب القلق على أوضاع بلادهم، تحديات معيشية وقانونية متفاوتة، مع مخاوف من أن يُنظر إليهم أحيانًا من زاوية الصراع السياسي. وهو تحد إنساني واجتماعي يتطلب مقاربات رشيدة تفصل بين الحقوق الأساسية للأفراد وبين تعقيدات الخلافات السياسية والعسكرية.
في المحصلة، تكشف التقارير والتحليلات المتداولة عن تحول الحرب السودانية إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات النفوذ والمصالح، على حساب الكلفة الإنسانية الباهظة. ويبقى التساؤل الجوهري المطروح أمام الفاعلين الإقليميين والدوليين: هل تسهم هذه التدخلات في توفير حد أدنى من الاستقرار يمهد لحل سياسي شامل يحفظ وحدة السودان ومؤسساته، أم أنها تطيل أمد الحرب وتعمق جراحها، بما يعقّد فرص إعادة الإعمار والتصالح في المستقبل؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير السودان وحده، بل ستنعكس أيضًا على استقرار منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر بأكملها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم