رفيقتي سبب الوجع

osmanyousif1@icloud.com
واصل الحكاية من فصلين وأغرب رواية، هى رحلتي من كارديف للندن وبالعكس دحين
تعالو عازمكم نكد،

وخلّينا نواصل… ونطلع من الوجع ضحكة.
الرحلة من كارديف إلى لندن كانت مفروض تكون رحلة العمر: شوق قدّام، وذكريات ورا، وأنا سابق القطار بعاطفتي قبل ما تسبقني رجولي. كنت متخيّل نفسي ماشي بين الأحباب، ضاحك، متأنّق، متبطّح على موائد العرب في إدجوير رود، متجوّل بين المتاحف وكأني وزير ثقافة سابق، ومتمدّد في هايد بارك كأني شاعر من زمن رومانسي ضائع.
وملاقاة حباني لميس وساره وفيصل..

لكن… الرفيقة كان عندها رأي آخر. وانت عارفها، هي قريبتك اللصيقة، جارتك في الجسد، ساكنة في العمق، شغّالة بنظام 24 ساعة: المعدة. انها القريبة الحنونة لما تكون رايقة، والعدوّة اللدودة لما تتنرفز.

علاقتي بيها كانت زمان علاقة ودّ ورحمة. نأكل، نهضم، نتصالح، ونمشي في حالنا. تقوم بدورها الطبيعي في صمت، بلا ضجيج ولا بيانات احتجاج. كانت أمينة على النعمة، ورفيقة درب لا تُشتكى.

لكن في السنين الأخيرة… بدأت تخرمج.
حتى كدت ان استعين بقوات ردع!
بقت حساسة زيادة عن اللزوم، تغار من أي لقمة لذيذة، وتثور على أي مذاق يعجبني. لو أكلت حاجة في نفسي؟ تقوم تعمل فيها لجنة تحقيق. وبعدين معاك؟
لو ذُقت طعامًا دسمًا؟ تعلن حالة الطوارئ.
لو شمّيت رائحة مشويات؟ تبدأ النقنقة قبل ما أصل المطعم.

وصدق من قال: المعدة أصل الداء — وأنا أضيف: وأصل الدراما، والنكد، والبلاغات اليومية والوقوف على بلاط الحكما ونوافذ
الصيدليات..

في رحلة لندن، جهّزت نفسي بعناية. ثياب أنيقة، عطر فخم، هدايا للأحباب… وطبعًا شلت معاي سلاح الردع الاستراتيجي:
عصاية الأومي — أومبريزول
سلاح ردع غير تقليدي، نصحني به حكيم القرية، وقال لي:
“دي بتخلي الرفيقة تخضع للنظام.”

وأنا صدّقت كلام الريده
لانى بريدك من عينيا البتاكل قبلك

اها قول يا زول، في الطريق، كنت أحلم: بمشاوي إدجوير رود، شاورما بتسكت الفلاسفة، كنافة بتصلّح المزاج، قهوة عربية تعيد ترتيب الروح.
لكن الرفيقة كانت عاملة لي كمين.

أول لقمة في لندن كانت إعلان حرب.
ثاني لقمة كانت إنذارًا أحمر.
ثالث لقمة؟ بدأت العمليات الخاصة.

النقنقة تصاعدت.
العصاية حاولت تتدخل.
لكن الرفيقة قالت لي:
“العصاية دي خليها لغيري… أنا عندي برنامج مختلف.”

والمصيبة؟ إنها ما بترتاح إلا لما تفسد عليّ فرحتي كاملة:
أكلتُ بشهية — فانتقمت.
ضحكتُ مع الأحباب — فذكّرتني بوجودها.
حاولتُ أعيش الجو — فقالت لي: “الجو ده ما مناسب.”

وهكذا تحوّلت رحلة الأحلام إلى مؤتمر طوارئ هضمي.

ومع ذلك… لا أقدر أن أنكر فضلها.
هي الرفيقة التي حفظتني من التهوّر الغذائي،
وراقبت شهيتي،
وذكّرتني أن اللذة لها سقف،
وأن الشره جريمة،
وأن الإنسان مهما تأنّق يظل رهين بطنه.

لكن يا رفيقتي…
خفّي علينا شوية.
نحن ما أعداء، نحن شركاء محبه،
وعلى قدر المحبه تبقى الحبه قبه
والماعنده قبه ماعنده الحبه..

عثمان يوسف خليل

عن عثمان يوسف خليل

عثمان يوسف خليل

شاهد أيضاً

الكتابة في زمن الحرب: أجيال السودان وإهدار التعليم (1)

osmanyousif1@icloud.comالتعليم والتعلُّم… ما الذي خسرناه؟ يبدو جلياً أنه قد كتب علينا ان لا نتوقف عن …