ولماذا يريد لنا القدر “أن نختار ما بين الجحيم وسعر؟ أو نعيش ما بين العبث والقمع؟ ما بين الفوضى والاستبداد؟ ولا أقول الاستجارة من الرمضاء بالنار، فكلاهما نار.
في جدل بيني وبين صديقي وأستاذي الدكتور محمد جلال هاشم طرح علي عدة أسئلة، وكان السؤال الأهم من وجهة نظري هو سؤاله عن المقارنة بين المناطق التي تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، وتلك التي تخضع لسيطرة ” الجيش” (( في أيهما نجد نظامية الدولة Order of state وفي أيهما نجد لا نظامية الدولة Disorder of statelessness في المناطق التي تقع تحت سيطرة مليشيات الجنجويد أم في المناطق التي تقع تحت سيطرة الجيش السوداني؟”.
لا اتوقع أن يقصد محمد جلال، أن يضعنا امام هذا القدر كخيارٍ استراتيجي، أو مصير دائم؛ إلا أن المؤكد عندي أن من يقف صديقنا داخل خندقهم هذه هي رؤيتهم وحلمهم الحقيقي، والذي يخططون لإعادة ترسيم المشهد السياسي بالدماء وفوق أشلاء كل السودانيين، أو ليس شعارهم ” فلترق كل الدماء”؟.
لكن فلنجعل السؤال محاولة للحوار حول الدولة، وما هيتها ووظائفها؟ وهل الجيش يعني الدولة أم هو مؤسسة مثله مثل بقية مؤسسات الخدمة العامة كالقضاء، التعليم، الصحة؟ ولماذا يكتسب الجيش أهمية تصل حد التقديس، وأن مجرد انتقاده يعد جريمة، وأن الدعوة لإصلاحه أو إعادة هيكلته تتدخل ضمن ” المحرمات”؟.
لقد وردت تعريفات الدولة في الفكر السياسي، و في علم الاجتماع، وفي مفاهيم التنمية منذ أن بدأ الإنسان يفكر في تأطير علاقته مع الآخرين، لتحقيق مصالحه، ومصالح أسرته، وعشيرته، وقبيلته، حال وجود آخرين يختلفون عنه في تلك الكيانات الأسرية والعشائرية والقبلية، وهي كيانات تربط المجتمعات المقيمة داخل حيز جغرافي معين، وترتبط مصالحها ببقائها على وئام، أو توافق على حد أدنى من التعايش.
لقد ظهر المصطلح قبل آلاف السينين في الفلسفة الأغريقية، بجمهورية أفلاطون، ” يوتوبيا”، وهي نظرة مثالية مستندةً على كيان يتم تقسيمه إلى حاكم فيلسوف، وحراس مساعدين، وعمال يدويين، فيما جاءت رؤية الفيلسوف الإسلامي الفارابي في مدينته الفاضلة ترجمةً لفلسفة افلاطون والتأكيد على دور الأخلاق في السياسة، ثم كانت رؤية ابن خلدون القائمة على العصبية، في تقسيم المجتمعات، إلا أن نقلةً نوعية شهدتها أوروبا ؛ لا سيما بعد أن طوت حقبة الانحطاط الفكري، ودحرجت أركان الدولة الدينية ” الثيوكراتية”، أو الكهنوتية”.
وكما يقول البروف تيسير محمد أحمد علي ” ” الدولة ليست مجرد مؤسسة فقط أو مجرد تركيب، بل هى مركب علاقات معقد خلقته اختلافات وصراعات العلاقات الاجتماعية واشكال التنظيم الاجتماعي المتطابقة معها” .
نال السودان استقلاله في يناير 1956 م على طبق من ذهب” و” صحن صيني ما فيهو شق ولا طق” على حد توصيف السيد إسماعيل الأزهري أول رئيس سوداني، وكان الاستقلال نتيجة موازنات دولية دفعت بريطانيا بالتخلي عن عدد من مستعمراتها، ومن ضمنها السودان، وتم ذلك دونما تضحية كبيرة سوى من تحركات معزولة هنا وهناك أكبرها ثورة اللواء الأبيض في سنة1924، وما أفرزته من إشكالات الهوية، ومأزقها، الذي أراده بعض النخبة ” باسم الشعب العربي”، فيما أصر علي عبد اللطيف بجذوره الأفريقية ، ” الشعب السوداني النبيل”.
خرج الاسىتعمار وخلف وراءه دولة ” كولينيالية” هشة المشاعر الوطنية، ومضطربة الهوية، المستقلة”.وورث السودانيون دولتهم المصنوعة من البريطانيين، فعلى مستوى نظم الحكم، لا نزال ندور في حلقةٍ جهنمية، ودائرةٍ شريرة، ويقتنص الجيش من سنوات الحكم حوالى (٥٨) سنةً من عمر الدولة، بل أصبح الجيش السوداني حزباً سياسياً مسلحاً، أو فلنقل صار جناحاً عسكرياً لجماعة سياسية إرهابية وفاسدة، فانشغل قادته بالتجارة والتسابق نحو كراسي الحكم حتى بلغت عدد الانقلابات العسكرية في بلادنا المفجوعة أكثر من عشرين محاولةً؛ كأكبر عددٍ انقلابات تشهدها أفريقيا، ويحل السودان عالميا في المرتبة الثانيةً بعد بوليفيا، فيما تعاني القوى السياسي من حالة كساح أعجزتها من الممارسة الديموقراطية الحقة، وأغرقت نفسها في ” الديموقراطية الإجرائية”.
دعني يا أستاذي أن أوجه لك السؤال أنت هذه المرة، ما هي نتائج سيطرة العسكر على الحكم؟ هل شهدت بلادنا استقراراً؟ أم ظللنا نخرج من جحيم حربٍ إلى سعير أخرى؟ هل حققنا تنميةً اقتصادية؟ بل هل انتهى التهميش أم لا تزال نخباً بيعنها تحتكر السلطة مستندةً على رأسمال رمزي؟
لقد تواصلت الحروب في السودان؛ مثلما استمر القمع إلا أن الحرب الأخيرة مثلت قشةً قصمت ظهير بعير دولة مصنوعة، فاقدة للأوتاد مع كثرة الزوابع التي تواجهها، ويكفي الإشارة إلى ترك أكثر من ربع السكان منازلهم وقراهم ومدنهم، مولين هاربين إلى جبالٍ تأويهم من طوفان جرائم المتقاتلين لا سيما قوات الدعم السريع، فأصبحت الخرطوم خاوية على عروشها تسكنها الأشباح، لدرجة عجز قادة الطرفين المتقاتلين في العيش تحت ركامها، وانهار مع ذلك القطاع الصحي العليل، والتعليمي الكسيح، وقطاع الخدمات الهش، مما فضح فشل الحكم وأكد هشاشة الدولة، وقصر رؤى الحاكمين.
ما نعيشه اليوم هو ثمرة لغرسٍ قديم، ونتيجة لمقدمات سابقة، فهل نختار مرةً أخرى ذات الطريق؟ وهل ننحاز إلى الجيش بمبرر أنه ” الدولة؟ أي دولة يا أستاذي؟ ولو افترضنا أن الانحياز إلى الجيش في هذه الحرب اللعينة يعني الانحياز إلى مؤسسات الدولة، هل تتوقع بعد انتهاء الحرب سوف تتحقق تنمية وعدالة وحرية وسلام؟؟ أم هي ذات الدائرة الجهنمية والحلقة المفرغة؟.
شخصياً؛ لن أضع نفسي في وضع مفاضلة بين شرين، لن أختار بين نارين لأنني أدرك تماماً أن انتصار أحدهما يعني العبث والفوضى، وانتصار الآخر يعني الاستبداد وعودة عقارب الزمن إلى الوراء، إلى تلك الحقب المظلمة في تاريخنا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم