حامد فضل الله\ البرليني،
الأخ العزيز بلة البكري،
قرأتُ بكثير من المتعة والاهتمام مراجعتك النيرة لكتاب الدكتور النور حمد “الهيمنة المصرية على السودان ــ الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع”
وقد أحسنتَ إذ استهللتها بعرضٍ مكثّف لتاريخ السودان السياسي، فوضعتَ القارئ في سياقٍ ضروري لفهم أطروحة الكتاب ومآلاتها
تعرّفتُ إلى النور حمد عام 2019، بعد عودتي من الخرطوم في زيارة قصيرة حملتُ منها هدية ثمينة: كتابه:
.«مَهاربُ المُبدعين، قراءة في السير والنصوص السودانية»
يومها كتبتُ مراجعة بعنوان ” النور حمد ناقداً مبدعاً وهاربا مجازاً” نُشرت في الصحافة السودانية الورقية بالخرطوم وفي عددٍ من الصحف الإلكترونية. ومنذ ذلك الحين، واظبتُ على متابعة كتاباته التي تتسم بعمق التحليل ونزاهة النظر، والعقلانية التي تضيء أكثر مما تُثير الغبار.
غير أنّ ما كان يزعجني ــ ولا يزال ــ هو موقفه الحاد من مصر، وهو موقف يلتقي فيه مع شيخه الراحل الشهيد محمود محمد طه.
. لا خلاف على حق النقد؛ فالنقد حقٌ مشروع وضرورة فكرية، بل هو من شروط العافية الثقافية.
غير أنّه يفقد اتزانه حين يتلبّسه الغلو، ويبلغ حدّ تصوير مصر وكأنها تتربّص بالسودان لتستعمره من جديد وتنعم بخيراته وموارده.
لسنا بهذه الغفلة. يكفي أن نعود إلى تاريخنا السياسي القريب لنتذكر أنّ الحزب الوطني الاتحادي بزعامة إسماعيل الأزهري بنى مسيرته ونضاله على الدعوة إلى الوحدة مع مصر، وفاز بالأغلبية في أول برلمان سوداني، ثم كان في مقدمة القوى التي أعلنت، في 19 ديسمبر 1955 ومن داخل قبة البرلمان، استقلال السودان. في تلك اللحظة المفصلية تجلّت إرادة السودانيين واضحةً: لا وصاية لأحد، ولا ارتهان إلا لمصلحة الوطن.
كما ينبغي أن نُميّز بين الشعب المصري وحكم العسكر التسلطي، وهو حكمٌ ذاق ويلاته المصريون أنفسهم لما يقارب سبعة عقود. فليس من الإنصاف أن يُختزل شعبٌ عريق في نظامٍ سياسي عابر، ولا أن تُحمّل أمةٌ بأكملها وزر سلطاتها
ولا يجوز كذلك أن نغفل مصر الثقافة؛ مصر التي أنجبت علماء ومفكرين وأدباء امتد أثرهم إلى السودان وسائر أرجاء العالم العربي، وأسهموا في تشكيل وعينا الحديث، وأثروا حياتنا الفكرية والفنية إغناءً لا يُنكر.
مع خالص الود
حامد / البرليني
برلين 15 فبراير 2026
hamidfadlalla1936@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم