الصادق حمدين
هكذا بدا خطابك يا سيادة الجنرال؛ تتغنّى بالأرض كما لو كانت قصيدة خضراء تُرتلها على مسامع التاريخ، فيما هي في حقيقتها ساحة نزف مفتوحة، تتشابك فوقها فوهات البنادق قبل أن تتشابك الجذور في باطنها. تصفها حقلاً للكرامة، لكنها ميدان دم لا يجف، يختلط فيه دويّ المدافع بحفيف سنابل القمح، وتتعانق فيه رائحة البارود مع رائحة التراب المبلل بدموع الفقد والخسران. أرض يُفترض أن تمنح المزارع خبزه وأمنه وأمانه، فإذا بها تعجز حتى عن أن تضمن له أن يعود حياً ليحصد ما زرع.
تقول في كلامك بكل ثقة إن الزراعة هي الركيزة الوحيدة لتطوير السودان، وكأنك اكتشفت ما غاب عن العقول. السودان،منذ أن وعته الخرائط، يُسمّى سلة غذاء العالم. لم تأتِ بجديد حين تحدثت عن خصوبة الأرض، ولا حين تغنيت بطعم المانجو والبرتقال، ولا حين وصفت التربة بأنها “عذراء”. الجديد الوحيد في المشهد هو هذا التناقض الفادح: كيف تزهر الحقول تحت هدير المدافع؟ كيف ينبت القمح بين الخنادق والمسيرات وجنازير الدبات؟
من يتحدث عن الزراعة في زمن الحرب عليه أولاً أن يعرف قيمة الأمن والسلام. فالزراعة ليست مجرد بذرة تُلقى في التراب، بل طمأنينة تُلقى في صدور الفلاحين. فهي بالطبع ليست ماءاً وشمساً فقط، بل أمان يتيح للفلاح أن يعود إلى بيته ليلاً دون أن يخشى قذيفة طائشة أو رصاصة عمياء. أو عصابة تقطع طريقه فتسلبه كل ما يملك. لا زراعة وسط أصوات المدافع، ولا حصاد تحت أزيز الطائرات.
تتحدّث بثقة الواثقين عن السرطانات التي تجلبها المواد الكيميائية، وعن أسمدة تفسد الصحة وتنهش الأجساد. وتحسن الوعظ عن سماد يقتل الحشرات الضارة، وتُطيل الوقوف عند مخاطر الـ Chemicals في الحقول… لكن أين تختبئ حين يكون الحديث عن الأسلحة الكيميائية المحرّمة دولياً التي تقتل البشر وتفتك بهم، لا الحشرات وما يضرّ التربة؟
قبل أن تعتلي منصّة
المحاضرات لتخيفنا من أثر سماد في تربة، دع المنظمات الدولية تنظّف الأرض أولاً من بقايا السلاح الكيمياوي الذي استخدمه جيشك وميليشياتك، وأن تطهرها من الألغام التي تزرع الموت في صمت جبان، وتحصد الأرواح بلا إنذار. دع هذه المنظمات الأجنبية تطهّر السماء من آثار حربٍ لا تُرى بالعين، لكنها تتسرّب إلى الصدور وتفتك بالأجساد ببطء قاس. أيّهما أَوْلى بالتطهير حقاً: تربة أرهقها السماد، أم وطن تم اغراقه عن سابق تصميم وتعمد في الرعب والدم؟
أيها الجنرال التعيس، الشعب السوداني لا يبحث عن طعم المانجو المختلف، بل عن طعم الحياة نفسها. لا يعنيه أن تكون الفاكهة أطيب من فاكهة الدول الأخرى، بل أن يكون الغد أطيب من الأمس. لا يريد مقارنة خضار السودان بخضار العالم، بل مقارنة أمنه اليوم بأمنه الضائع. يريد وطناً لا يُقاس بطعم البرتقال، بل بطمأنينة الأمهات وابتسامة الأطفال، ومرح الشباب، وضحكات الشيوخ.
ثم ماذا عن السلام الذي تتحدثون عنه يوماً وتتبرؤون منه في اليوم التالي؟ اليوم خطاب عن التنمية والزراعة، وغداً هتاف: “بل بس، لا سلام…”. حرب لآخر دعامي، كيف تستقيم معادلة التنمية في ظل عقلية الحرب والدمار؟ كيف تُبنى مشاريع الري فيما القرار السياسي نفسه غارق في مستنقع الصراع والأطماع والفساد؟
الحقيقة المرة تدركها جيداً أن الزراعة لا تزدهر في ظل البنادق، ولا تُدار بعقلية الثكنات وترتبية إطاعة الأوامر. الأرض تحتاج إلى إدارة مدنية تعرف أن السلام ليس ضعفاً، بل شرط أولي لأي نهضة مستدامة. دعوا الحكم لأهله من المدنيين؛ فهم يعرفون أن التنمية تبدأ بإيقاف الحرب أولاً، وأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان قبل الحقول والمزارع.
أما أنتم، فدعوا “الخبز لخبازينو”، عليكم أولاً باسترداد الأرض التي اغتُصبت ودنّسها الغزاة، واحموا الحدود قبل أن تُلقوا الدروس في خصوبة التربة وطعم الفاكهة ونكهتها. أعيدوا للوطن سيادته كاملة، ثم تحدثوا عن السيادة الغذائية اذا لم تجد ما تقوله لينفع الناس تحلى بفضيلة الصمت فإن حديثك يؤذي من يبحث عن أمانه بعد أن عز عليه طعامه.
أيها الجنرال، السودان لا تنقصه أرضٌ خصبة، بل ينقصه سلام خصب. ولا يحتاج إلى خطاب عن سلامة الخضروات وقابليتها للاستهلاك الآدمي، بل إلى قرار يوقف نزيف الدم. أوقفوا الحرب أولاً… دعوا البنادق تصمت…وعندها فقط، ستتكفل الأرض كما فعلت دائماً، بأن تُنبت ما يكفي الجميع، بما فيهم انت يا من مارست عليها عقوقاً لا يشمله غفران.
umniaissa@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم