زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
خريطة الطريق السودانية – طموحات سياسية في مواجهة تعقيدات الواقع
في تطور لافت، خرج بيان وزارة الخارجية السودانية متزامناً مع تصريحات البرهان، ، ليضع المشهد السياسي أمام اختبار جاد هل نحن إزاء خطة قابلة للتنفيذ، أم أننا بصدد جولة جديدة من المناورات بين القوى المحلية والإقليمية؟
تقوم الرؤية المطروحة على أربعة مسارات متداخلة الإنساني، الأمني، السياسي، والاقتصادي–القضائي وهذا التقسيم يعكس إدراكاً عميقاً بأن الأزمة السودانية تجاوزت كونها صراعاً عسكرياً إلى أزمة دولة شاملة، حيث انهارت المؤسسات
وتفكك النسيج الاجتماعي وبلغ الاقتصاد مرحلة الانهيار
المسار الإنساني هدنة تحت المجهر
تبرز الدعوة إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار لأغراض إنسانية كاستجابة عاجلة لتفاقم المجاعة والنزوح، خاصة في دارفور والخرطوم وكردفان
ما يميز هذا الطرح هو اقتراح إنشاء آلية أممية لمراقبة الهدنة وتأمين وصول المساعدات
وهو ما يحول النداءات الأخلاقية إلى محاولة جادة لخلق ضمانات تنفيذية ولكن نجاح هذا المسار يتوقف على – موافقة الأطراف على رقابة دولية ميدانية
عدم استغلال الهدنة لإعادة التموضع العسكري
توافق دولي في مجلس الأمن على آلية تنفيذ واضحة
في هذا السياق، أطلق مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولوس، دعوة مماثلة لهدنة إنسانية تحت إشراف أممي، إلا أن رفض الخارجية السودانية لمقترحاته كشف عن حساسية عميقة تجاه أي خطوة قد تُفسر كمدخل لتدويل الأزمة
المسار الأمني من هدنة مؤقتة إلى وقف دائم
تقترح الخطة انتقالاً تدريجياً من الهدنة الإنسانية إلى وقف دائم للنار، عبر مفاوضات مباشرة تشمل انسحابات متبادلة من المدن الكبرى وترتيبات أمنية مرحلية قد تتضمن مراقبة دولية
رغم منطقية هذا السيناريو نظرياً، إلا أنه يصطدم بواقع ميداني يعتبر فيه كل طرف أن القوة العسكرية هي ورقة الحسم الأساسية. الانسحاب من المدن لا يمثل خطوة تكتيكية فحسب، بل اعترافاً ضمنياً بتراجع النفوذ. خطاب البرهان الذي يؤكد على
حسم التمرد يعكس قناعة راسخة داخل المؤسسة العسكرية بأن أي وقف نار قبل تغيير ميزان القوى سيكون بمثابة تنازل استراتيجي لصالح الخصم العسكري و في المقابل، ترفض قوات الدعم السريع الانسحاب دون ضمانات سياسية وأمنية واضحة
المسار السياسي معضلته إقصاء العسكر
تنص الخارطة على إطلاق عملية انتقال سياسي بقيادة مدنية تشمل قوى الثورة والمجتمع المدني، بهدف تشكيل حكومة انتقالية وصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات. وتشدد على إبعاد الأطراف العسكرية والجماعات المرتبطة بالنظام السابق
هنا تبرز الإشكالية الجوهرية إقصاء العسكر قد يكون مطلباً سياسياً مشروعاً، لكنه عملياً يتطلب ميزان قوى قادر على فرض ذلك. في اللحظة الراهنة، تظل القوة العسكرية هي اللاعب الأكثر تأثيراً، وأي عملية انتقالية تتجاهل هذه الحقيقة
قد تتحول إلى نص نظري بلا سند تنفيذي
المسار الاقتصادي–القضائي إعمار مشروط بالمساءلة
تتضمن الخطة إنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار، ودعماً اقتصادياً لإعادة بناء البنية التحتية، مع التأكيد على المساءلة وعدم الإفلات من العقاب عبر آليات وطنية ودولية
الربط بين الإعمار والعدالة يحمل بعداً استراتيجياً لتجنب تكرار دورات العنف. لكنه يثير تساؤلات صعبة – ومن يشرف على آليات العدالة في ظل انقسام مؤسسات الدولة؟
هل تتوفر إرادة دولية حقيقية لفرض مساءلة جادة؟
واشنطن، عبر تصريحات مبعوث ترامب السابق، جددت التزامها بملاحقة مرتكبي الانتهاكات، ودعم انتقال موثوق لحكومة مدنية. إلا أن التجربة السودانية مع المجتمع الدولي تؤكد أن الضغط الخارجي لا يكون فعالاً إلا عندما تتوحد
مواقف القوى الكبرى، وتتوفر أدوات إلزام حقيقية كالعقوبات وتجميد الأصول
الرباعية حدود الضغط الدولي
ترى الأطراف الداعمة أن نجاح الخطة مرهون بقدرة “الرباعية” على ممارسة ضغط منسق و لكن الانقسامات الإقليمية والدولية حول الملف السوداني تحد من فعالية أي مبادرة. فبدون تنسيق كامل، ستظل الضغوط متقطعة وغير حاسمة
ما بين الممكن والمأمول
يعكس الطرح الحالي قناعة متزايدة بأن تثبيت وقف إطلاق النار هو المدخل الواقعي لأي عملية سياسية ذات مصداقية و لكن الفجوة بين الطموح السياسي وتعقيدات الميدان تظل التحدي الأكبر
فالجيش يخوض معركة وجود، والدعم السريع يقاتل للحفاظ على نفوذه، والقوى المدنية تحاول استعادة موقعها في مشهد تتنازعه البنادق. أما المجتمع الدولي، فيتحرك بين اعتبارات إنسانية وحسابات جيوسياسية
خريطة الطريق ليست مجرد وثيقة سياسية، بل اختبار حقيقي لإرادة الفاعلين جميعاً , وهل ستنتصر مقاربة “الهدنة أولاً” كبوابة لإعادة بناء الدولة؟ أم سيظل منطق الحسم العسكري هو العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة؟
الإجابة لن تُحسم في البيانات الرسمية، بل في الميدان… وفي مدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات مؤلمة لصالح دولة لم يعد جسدها يحتمل مزيداً من النزيف.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم