السلطة وتنازع الولاء في السودان

السلطة وتنازع الولاء في السودان
الدكتور جعفر محمد علي بخيت

تقديم وتحليل
أحمد إبراهيم أبوشوك

الناشر الإلكتروني: دار آريثيريا للنشر والتوزيع (الرابط الإلكتروني للكتيب: https://rsbcrsc.net/books/book?page=28

تقديم
نشر الدكتور جعفر محمد علي بخيت (1933-1976) ستّ مقالات في مجلة الخرطوم بعنوان: “السُّلطة وتنازع الولاء في السودان”، وذلك في الفترة من ديسمبر 1968 إلى يونيو 1969. وقد قدّمتُ لهذه المقالات وأعدتُ نشرها في سلسلة السودان: السلطة والتراث، الجزء الأول، الذي صدرت طبعته الأولى عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان عام 2008، ثم صدرت طبعته الثانية عن دار المصوّرات للطباعة والنشر عام 2025.
ولا ريب أن هذه المقالات جديرة بالقراءة والتأمل، رغم ما طالها من تقادم الزمن؛ إذ تقدم وصفًا استشرافيًا يعكس جانبًا من مشكلات السُّلطة وتنازع الولاء التي لا تزال ماثلة في الواقع السوداني. فالقارئ لنصوصها اليوم يقف على رؤية جعفر الثاقبة لمسألة استقلال السودان، الذي عزاه إلى عوامل خارجية أسهمت في تمكين الحركة الوطنية السودانية من إزاحة الحكم الإنجليزي–المصري (1898–1956). غير أنه يرى أن أحزاب الحركة الوطنية، حاكمةً ومعارضةً، لم تفلح بعد تحقيق هذه الغاية النبيلة في ابتكار نظام حكم جديد لإدارة دولة ما بعد الاستعمار؛ إذ توزعت أطروحاتها بين قيم حزبية وطائفية وقبلية متنافرة داخل الحقل السياسي، بعضها “محلي الطابع إقليمي الصورة، وبعضها عالمي المنحى”. وقد أفضى ذلك إلى سوء إدارة الدولة الموروثة، وهو السوء الذي أرجعه بعض المعارضين إلى إرث المستعمر (أي دولة “56”) وإلى إدارة الحكومات الوطنية المتعاقبة ذات الطابع “الجهوي–الشمالي النيلي”.
وقد تناولت مقالات جعفر الست هذه الإشكالات بعمقٍ، محللةً أسباب الخلل الإداري، ومقترحةً جملةً من المعالجات الممكنة. غير أن تقاعس النخب السودانية عن استلهام دروس التاريخ وعِبَره دفع بها إلى الارتهان لحواضنها السياسية الضيقة، ذات المدارات المغلقة إزاء الآخر المختلف. وكان من تداعيات ذلك اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، وما أعقبها من آثار مدمّرة للبنى التحتية للدولة، وتشريد قطاعات واسعة من المواطنين بين نزوح داخلي ولجوء إلى دول الجوار ومهاجر ذوي القربى. ومن هذه الزاوية، آثرتُ إعادة نشر هذه المقالات، لعلها تُسهم في إلهام القوى السياسية والعاملين في الحقل العام باجتراح طريق ثالث يخرج السودان من أزمته الراهنة.

جعفر محمد علي بخيت: الرجل والتجربة
وُلد جعفر محمد علي بخيت (1933–1976) بسراي جدّه لأمّه محمد بخيت حبّة بمدينة الأبيض في 31 يوليو 1933. تلقّى تعليمه الأول بخلوة السادة الإسماعيلية، ثم تدرّج في سلك التعليم المدني حتى التحق بمدرسة خور طقت الثانوية. وفي عام 1948 التحق بكلية غردون التذكارية، وتخرّج فيها عام 1952 بعد أن رُفعت إلى كلية الخرطوم الجامعية تحت إشراف جامعة لندن. عقب تخرّجه عمل إدارياً في جنوب السودان ودارفور، حيث عايش عن قرب أزمات الإدارة الاستعمارية ومحدودية قدرتها على تحقيق تنمية متوازنة.
حصل لاحقاً على بعثة دراسية مكّنته من نيل درجة الماجستير في الإدارة العامة من جامعة إكستر (Exeter) بالمملكة المتحدة عام 1958، ثم درجة دكتوراه الفلسفة في الإدارة العامة من جامعة كمبردج عام 1965. جاءت أطروحته بعنوان (British Administration and Sudanese Nationalism, 1919-1939)، وقدّم فيها قراءة نقدية لوظيفة الدولة الاستعمارية وأثرها في تكوين النخب الوطنية السودانية. وبعد عودته إلى السودان التحق بجامعة الخرطوم، قسم العلوم السياسية. وفي عهد حكومة مايو (1969-1985) شغل منصب وزير الحكومات المحلية (1971–1975)، وأسهم بدور بارز في وضع اللبنات الأولى لنظام الحكم الشعبي المحلي، كما كان عضواً في وفد مفاوضات اتفاقية أديس أبابا لعام 1972، وأسهم في إعداد دستور السودان الدائم لعام 1973.
إلى جانب عمله الأكاديمي، يُعدّ جعفر بخيت من دعاة إصلاح الإدارة العامة القلائل في السودان، وذلك من خلال الدعوة إلى الانتقال من المركزية المتحكمة إلى اللامركزية التنموية، وتحويل المجالس المحلية من كيانات محدودة الصلاحيات إلى منظومة حكم محلي متكاملة قادرة على إدارة مواردها وتنمية مجتمعاتها. وعندما تولّى وزارة الحكومات المحلية/الحكم الشعبي (1972–1975) خلال العقد الأول من حكم مايو (1969–1985)، أسهم في دعم اتفاقية أديس أبابا وتضمين مبادئها في الإطار الدستوري، ودافع عن ترسيخ نظام الحكم المحلي في دستور 1973. كما سعى إلى تقليص البيروقراطية المركزية وتعزيز دور المجالس المنتخبة في مواقع العمل ومناطق السكن، معتبراً أن التنمية المتوازنة لا تتحقق إلا بتوزيع السلطات والموارد وإشراك المواطنين مباشرة في إدارة شؤونهم.
أما في المجال الفكري، فقد قدّم مشروعاً متكاملاً في “الحكم الشعبي” والديمقراطية الشعبية، يقوم على تأسيس مجالس قاعدية في مواقع العمل ومناطق السكن تتدرج تمثيلياً حتى مجلس الشعب القومي، بما يحقق سيادة المجتمع على موارده ويحدّ من هيمنة النخب الحزبية والطائفية. وربط بين إصلاح الإدارة وبناء السلام وإنهاء الاحتكار الطبقي، ودعا إلى علمانية الدولة وصياغة دستور مدني ينظم العلاقة بين المركز والأقاليم. وتميّزت أطروحاته بنقد المركزية، والتكنوقراطية المنعزلة عن المجتمع، والتحزب الطائفي، مؤكداً أن الإصلاح الإداري لا ينفصل عن مشروع تنموي شامل يحقق العدالة والمشاركة الشعبية.
من مؤلفاته الرئيسة: الإدارة البريطانية والحركة الوطنية في السودان (1919-1939)، وهو أصل أطروحته للدكتوراه بجامعة كمبردج، ويُعد من الدراسات الباكرة في تحليل بنية الإدارة الاستعمارية وأثرها في تشكّل الحركة الوطنية السودانية، مع قراءة نقدية للتيارات داخل الإدارة البريطانية نفسها. وقد تُرجمت الأطروحة إلى العربية بواسطة هنري رياض. كما ألّف كتاباً بعنوان: النشاط الشيوعي في الشرق الأوسط (1919-1927)، الخرطوم: شعبة أبحاث السودان–جامعة الخرطوم، 1969، واعتمد فيه على وثائق بريطانية لتتبّع البدايات التنظيمية للحركة الشيوعية وصلاتها الإقليمية، مسلطاً الضوء على تفاعلها مع السياقين السوداني والمصري. فضلًا عن نشره لعددٍ من المقالات والكتيبات التي عرض فيها رؤيته للإدارة اللامركزية و«الحكم الشعبي» والديمقراطية القاعدية.
يتضح من مجمل إنتاجه الفكري أنه جمع بين البحث التاريخي النقدي في موضوع الاستعمار والحركة الوطنية، والتنظير الإداري التطبيقي في إصلاح الإدارة العامة والحكم المحلي والحكم الشعبي، مع حضور واضح للبعد الدستوري والتنمية المتوازنة في مشروعه الفكري والعملي. توفي بالخرطوم في 26 مارس 1976، ودُفن بمقابر البكري بأم درمان.
وفي الختام يطيب ليَّ أن أتقدم بأسمى آيات الشكر والعرفان إلى الأستاذ الدكتور حاتم الصديق محمد أحمد، الذي رحّب بفكرة إعادة نشر هذه المقالات إلكترونيًا عبر منصة دار آريثيريا للنشر والتوزيع لتكون متاحة للقراء والباحثين.

أحمد إبراهيم أبوشوك
الدوحة 22 فبراير 2026

ahmedabushouk62@hotmail.com

عن أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

شاهد أيضاً

قراءة وثائقية-تحليلية في يوميات التحري القضائية لانقلاب 17 نوفمبر 1958

قراءة وثائقية-تحليلية في يوميات التحري القضائية لانقلاب 17 نوفمبر 1958شهادة عبد الله خليل في دائرة …