أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن توجهٍ جديد لإنشاء «مظلة نووية أوروبية» بالاشتراك مع ألمانيا والمملكة المتحدة، تعتمد على الصواريخ الباليستية والغواصات النووية. وبرّر ماكرون هذا التوجه بالتحذير من «مخاطر تصعيد على حدود أوروبا»، مؤكدًا أن هذه الآلية ستكون «متميزة لكنها مكمّلة» لحلف شمال الأطلسي، مع الإعلان عن تمارين عسكرية مخصّصة وبدء مشاورات سياسية وأمنية ذات صلة.
هذا الإعلان، في ظاهره خبر دفاعي، لكنه في جوهره علامة على تحوّل عميق في العقل الاستراتيجي الأوروبي. فحين تتحدث دولة نووية عن توسيع مظلة ردعها لتشمل شركاء غير نوويين، فذلك يعني أن الافتراضات القديمة حول الاستقرار والحماية لم تعد صالحة كما كانت.
المقصود بـ«المظلة النووية» هنا لا يعني نقل السلاح أو تقاسمه، بل توسيع منطق الردع الفرنسي ليغطي شركاء أوروبيين، اعتمادًا على القوة النووية البحرية — الغواصات الحاملة للصواريخ الباليستية — باعتبارها أكثر أدوات الردع بقاءً وموثوقية.
دخول ألمانيا، وهي دولة غير نووية، يحمل دلالة سياسية ثقيلة: برلين باتت ترى أن الاعتماد الأحادي على واشنطن لم يعد كافيًا. أما إشراك المملكة المتحدة، الدولة النووية الأوروبية الأخرى، فيكشف عن محاولة لبناء ركيزة ردع أوروبية مستقلة نسبيًا.
تأكيد ماكرون أن هذه المظلة ستكون «متميزة ولكن مكمّلة للناتو» يعكس سعيًا أوروبيًا لبناء هامش سيادة استراتيجية دون القطيعة مع الحلف الأطلسي.
الأهم في الإعلان هو الإشارة إلى تمارين عسكرية مخصّصة، ما يعني أن الفكرة انتقلت من الخطاب إلى التخطيط العملي.
من مظلة أوروبا النووية إلى سؤال السودان: أين نقف في عالم يعاد تشكيله؟
إعلان مظلة نووية أوروبية لا يخص أوروبا وحدها، بل يعبّر عن مرحلة عالمية جديدة تتراجع فيها المسلّمات القديمة، ويعاد فيها تشكيل مفهوم الأمن والسيادة. العالم يتجه إلى تعددية قطبية مضطربة، تُستعاد فيها لغة الردع، وتضعف فيها الضمانات التقليدية.
في هذا السياق، يصبح السؤال المطروح على السودان ليس سؤال الاصطفاف، بل سؤال الموقع: أين نقف في عالم يتسلّح أقاليمه بالردع، بينما تُترك دول الأطراف مسرحًا للحروب بالوكالة؟
أوروبا حين اهتزّت ضمانتها الأمريكية، تحرّكت لبناء بدائل. السودان، في المقابل، تُرك بلا مظلة، وبلا حلف، وبلا تعريف واضح لمصالحه العليا.
العالم يتجه نحو تعظيم السيادة الاستراتيجية، بينما يُدفع السودان نحو التفكك والتدويل القسري. ومن لا يملك مشروع دولة، سيظل دائمًا تحت مظلات الآخرين — أو تحت نيرانهم.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس
روما – إيطاليا
مارس ٢٠٢٦
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم