بقلم عمر العمر
من الممكن ابتدار الحرب .لكن ليس من اليسير انهاءها .للرهان الاميركي الاسرائيلي على الحرب بغية تغيير النظام الايراني جناحان .رهان انفجار الشارع لاطاحة نظام الملالي أو انفجار النظام من الداخل .الرهان الأول لايبدو قريبا والثاني بعيدٌ إن لم يكن مستحيلًا . أمد الحرب رهين بما في قدرة ثالوث القيادة المعين لخلافة خامئني انتاجه سياسيا. العمليات الحربية الأميركية الاسرائيلية ستحدث حتمًا تدميرا ماحقا بالبنى العسكرية الإيرانية. لكن ذلك لا يقرر تحقيق هدف الخرب العاجل . تحت السطح في طهران تتماوج سلسلة من المصالح ، الطموحات والمشاعر الوطنية تراوح بين التناسق والتقاطع .لذلك لابد من ترقب مدى قدرة المثلث المعيَّن على استكشاف ،بل صناعة اليوم التالي غداة غياب خامئني. في الثالوث القيادي ضلع يمثل السلطة التنفيذية ،ضلع يُرمّز السلطة القضائية . الضلع الثالث يجسد روح الفقيه . هذا التشكيل يعكس غياب الضلع العسكري .فالمرشد بحكم وضعه هو القائد الأعلى للمؤسسة العسكرية.هذا ضلع لايمكن القفز عليه في تحديد سقف الحرب وصناعة اليوم الإيراني التالي. المؤسسة العسكرية مركز ثقل في النظام الايراني .داخلها مراكز قوى متصارعة على صناعة القرار .
أجيال جديدة وّلدت وشبت وشابت في ظل الدولة الإسلامية .موجات من الحركات الرفض والمعارضة تصاعدت في أوقات متباينة في وجه النظام . لكن عند مواجهة عدو خارجي تتجاوز الأجنحة المعارضة غالبا خلافاتها الداخلية لتشد ظهر الجبهة الداخلية.محاولة رفع الأصوات المعارضة توصم دوماً بالخيانة الوطنية. لذلك يختار المعارضون على الاقل الصمت والمراقبة . هذا وضعٌ يُضعف انفجار الشارع على نحو يطيح بنظام الملالي.مثل كل الأنظمة التوتالرية تمكنت الجمهورية الاسلامية الاستبدادية بناء شبكات واسعة قوامها أصحاب المصالح والمستفيدين من المفسِدين والمفسَدين . هذا عامل آخر يوهن الرهان على الشارع الايراني. هناك العديد من التنظيمات ، المؤسسات و التشكيلات المدنية و العسكرية المزدهرة المكونة لقوام الدولة العميقة .كلها تتمتع بالقدرة على قمع كل الأصوات المعارضة، دفاعاً عن وجودها قبل مصالحها . هذا ثقل يرجّح اخفاق الرهان على انفجار الشارع.
هذه الخلفية المعقدة تنعكس حتما على مثلث القيادة غير مكتمل التكوين لغياب البعد العسكري . كما أنه مولود قيصري وربما سفاح .إذ لم يدرك العالم من أخرجه إلى الوجود. فالبيانات تقول بتعيين الثالوت دون توضيح الأب الوالد . الانكسار الوطني يتطلب دوما شخصية قيادية ذات كاريزما طاغية وشجاعة نادرة من أجل اتخاذ القرار المناسب بغية تجاوز حالة الانكسار .المأزق الإيراني يدفع ثالوث القيادة إلى التنافر أكثر من التناغم .فهو يغري بركوب موجة التطرف حفاظاً على روح الامام أو نهج النظام حتى إن لم يفضح نوايا تحقيق شعبية البقاء على قمة الهرم . الطوابير المدجنة تحت عباءة الإمام متأهبة لوصم كل تنازل عن ثوابت النظام خيانةً للوطن وطعناً في ظهر الشعب . الخلفية المعقدة نفسها تفرض التراخي على درب تنصيب المرشد البديل. النخبة على منصة الترشيح لا تعزز ظهور شخصية بمؤهلات قيادة الدولة الايرانية المهشّمة .
من الصعب ان لم يكن مستحيلا بروز قيادي يستعيد دور الخميني عندما قبل توقيع اتفاق السلام مع العراق لانهاء حرب السنوات الثماني في ثمانينيات القرن الفائت. الإمام المؤسس انصاع للضغوط الداخلية والخارجية فقبل طائعا اتفاق السلام .تلك خطوة معاكسة تماما لطموحات الإمام و وهج الثورة وقتئذٍ . فالحرب التهمت وافرا من شباب أيران وخيراتها . ذلك خيار ثقيل على الإمام المرشد الأعلى و قائد الثورة .لذلك وصفه الخميني بتجرع الدواء المر. وحده الخميني كان القادر على تناول ذلك الدواء في تلك الظروف غير آبه برد الفعل الداخلي .رغم مرارته على المستوى الشخصي إلا أنه كان شفاء على الصعيد الوطني .
الخميني رأى حتمية الرجوع إلى التصالح مع الشعب ومع الجغرافيا السياسية .فانكفأ من تصدير الثورة إلى تثبيت النظام . على نقيضه يذهب القادة الحاليون في طهران إلى حماقات لاتقف فقط عند الانسلاخ عن الشعب وهذه الجغرافيا ، بل يتوغلون في الحرب عليهما.هذا التوغل يجعل من الصعب الرهان على عقلية تعود للتصالح مع المحيط الوطني و الإقليمي خاصةً مع رفع شعارات الكرامة والسيادة والوجود.هذه حماقات تفضي حتما إلى تدمير بنى الدولة وتفككها وتعاسة شعبها .انه شعب يجبره قادته على تجرع البؤس يوميا. لذلك يبدو توقع بروز سياسي يغامر لاعادة الساعة الإيرانية إلى الوراء رهان خائب. لكنه ليس مستحيلا . ففي زمن الجنون الراهن ربما يخرج من بين أنقاض الدولة في طهران مغامر يحاول وقف الخراب .ربما يتناول كأسا من السم بالمذاق الشخصي لكنّ فيها شفاء للدولة ، للشعب والوطن.
نقلا عن العربي الجديد
aloomar@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم