الحكاية ما “راس”.. الحكاية جسد عيان
قراءة هادئة في فكرة السودان المخطوف
زهير عثمان
الفكرة التي طرحها د. الوليد مادبو واضحة ومباشرة أزمة السودان ليست أزمة موارد أو تنوع، بل أزمة دولة اختُطفت باسم الدين، وأُديرت بعقلية الثكنة، وتحولت إلى جسر لمشاريع خارجية لا علاقة لها بحياة المواطن
الكلام ده مقنع، خاصة لمن عاشوا سنوات التمكين والحروب والعزلة
لكن السؤال الأعمق ليس هل أخطأت الإنقاذ؟ وذلك سؤال محسوم
السؤال الحقيقي هو هل هي السبب الوحيد لكل ما حدث؟
الهدف هنا ليس الدفاع عن أحد، ولا تبرئة مرحلة حكم امتدت لثلاثة عقود
الهدف هو تفكيك الفكرة بهدوء وهل الدولة المؤدلجة هي أصل المرض؟
أم أن العلة أقدم وأعمق من ذلك؟ وهل بدأ الوجع في 1989؟
أحياناً يُصوَّر الأمر كأن السودان كان يسير في طريق مستقيم، ثم جاءت لحظة “الاختطاف” فقطعت المسار. لكن قراءة التاريخ تقول غير ذلك
قبل 1989 شهد السودان مر بكل الاحداث دي تمرد توريت عام 1955، وبداية الحرب الأهلية الأولى قبل الاستقلال الرسمي بأشهر
انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958 على حكومة مدنية منتخبة
انقلاب جعفر نميري عام 1969، ثم اتفاقية أديس أبابا 1972 التي أوقفت الحرب مؤقتاً
إلغاء الاتفاق عام 1983 وفرض قوانين سبتمبر، مما أشعل الحرب الأهلية الثانية
انتفاضة 1985 وسقوط نميري، تلتها حكومة مدنية ضعيفة لم تنجح في إنهاء الحرب أو إصلاح الاقتصاد
بمعنى آخر أزمة إدارة التنوع، وهشاشة الدستور، والانقلابات المتكررة، كلها سبقت تجربة الإسلاميين
الإنقاذ عمّقت الجراح – عبر التمكين، والتسييس الديني، والعزلة الدولية – لكنها لم تخترع المرض من الصفر
تحميل مرحلة واحدة كل المسؤولية قد يريح الضمير، لكنه لا يشرح التاريخ
السياسة الخارجية عقيدة أم سوء تقدير؟
انحياز السودان عام 1990 إلى العراق فُسِّر باعتباره تعبيراً أيديولوجياً. لكنه كان أيضاً رهاناً خاسراً لكسر عزلة متصاعدة
العلاقة مع إيران في منتصف التسعينيات لم تكن مجرد تعاطف فكري، بل بحثاً عن دعم عسكري وتقني في ظل حصار وضغط دولي. وعندما تغيرت الظروف – خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر – تغيّر الموقف
المشكلة إذن لم تكن في وجود عقيدة فحسب،بل في غياب مؤسسات قوية قادرة على تقييم المخاطر وضبط القرار الاستراتيجي بعيداً عن الاندفاع
ما معنى اختطاف الدولة؟ والدولة لا تُختطف بالأفكار وحدها ولما تُختطف
يضعف القضاء ويُفرغ من استقلاله،تتسيّس المؤسسة العسكرية،يذوب الحزب في أجهزة الدولة، يتحول الاقتصاد إلى شبكة مصالح مغلقة
هذه الظواهر عرفتها دول عديدة، حتى تلك التي لم ترفع شعارات دينية صريحة شهدناها في تجارب عربية وعالمية مختلفة، حيث أدى تداخل السلطة بالحزب أو بالمؤسسة العسكرية إلى النتيجة ذاتها هي شخصنة الدولة وإضعاف مؤسساتها
إذن المشكلة ليست في المرجعية وحدها، بل في هشاشة الدولة نفسها
خر الإقصاء الشامل
في لحظات الغضب، تبدو الدعوة إلى اجتثاث تيار كامل حلاً جذرياً و لكن التجارب المقارنة تشير إلى أن الإقصاء الكامل يعمّق الاستقطاب، ويدفع الفاعلين إلى العمل خارج النظام، ويعيد إنتاج الصراع بصورة جديدة
تفكيك التمكين المؤسسي ضرورة لا جدال فيها.
لكن إلغاء شريحة اجتماعية واسعة لن يبني دولة مستقرة
الدول التي نجحت في الخروج من أزماتها لم تبنِ استقرارها عبر الإلغاء، بل عبر إعادة صياغة قواعد اللعبة بحيث تنطبق على الجميع.
الحكاية ما راس بس غي حالة ضياع فكري الحكاية جسد عيان جدا , وإسقاط رأس لا يكفي إذا ظل الجسد عليلاً
تفكيك نموذج الحزب الدولة خطوة مهمة، لكن الأهم هو إعادة هندسة الدولة من منطلقات حديثة
فصل حقيقي بين الدعوي والسياسي،فصل واضح بين العسكري والمدني،دستور دائم يحكم الجميع، واقتصاد يُدار بشفافية،وإدارة تنوع تعترف بالاختلاف ولا تخشاه
السودان لن يخرج من أزمته بإزالة مشروع واحد،بل ببناء دولة قادرة على منع أي مشروع ديني أو ثوري أو أمني من اختطافها مرة أخرى
وإلا سنظل ندور في الحلقة نفسها وهي انقلاب… تمكين… انتفاضة… ثم انقلاب جديد
والرهان الحقيقي ليس على سقوط رأس،بل على شفاء الجسد كله.
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم