قراءة أخرى لأحياء النشاط السياسي

زين العابدين صالح عبد الرحمن
عندما يكون المرء قد أوقف الكتابة السياسية في الشهر الكريم، و الإستفادة من زمنها في عمل أشاء تليق بالشهر الموصوم بالعبادة و الذكر، و بعيدا عن المناكفات السياسية، لكن فجأة تجرك بعض الكتابات لنخب جرا للكتابة، و خاصة الكتابة التي يقدم فيها جهدا عقليا و رؤى جديرة بالحوار.. و إذا تجاهلت ذلك، تجد أن التعقيبات على الكتابة هي نفسها توسع دائرة الحوار العقلاني، أي إنها جديرة بالتفكير المنطقي، و أن الشخص الذي ينتج معرفة و يشتغل بالفكر هو الجدير بعملية التغيير..
كتب الدكتور الشفيع خضر مقال بعنوان ” إحياء النشاط السياسي داخل السودان” و نشر في الأول من مارس الجاري في جريدة ” القدس العربي” التي تصدر في لندن.. لا أريد أن أناقش مجمل ما جاء في المقال، و لكن الأفكار التي وردت في المقال يقول الشفيع في بداية أسطر المقال (أن العمل السياسي الحقيقي لا يزدهر إلا في قلب الوطن، بين الناس، وعلى أرض الواقع. وأن محاولات ممارسة النشاط الحزبي والسياسي من خارج البلاد، مهما حسنت النوايا ومهما كانت التبريرات، ستظلّ محدودة الأثر، وبعيدًة عن نبض الشارع) أن فكرة النضال السياسي من خارج الوطن تعددت و بدأت مع حركة التمرد في جنوب السودان عام 1955م، ثم بعد انقلاب الشيوعيين و القوميين في مايو 1969م، حيث تكون الجبهة الوطنية من ثلاث أحزاب ” الاتحادي و الأمة و الحركة الإسلامية” و أصبحت مقومة النظام على الحركة الطلابية و النقابات العمالية، ثم جاءت المصالحة الوطنية في 1977م، برز تنظيم الطلاب المستقلين الذين كانوا ضد العمل السياسي، ثم دخول حزب الأمة و الحركة الإسلامية تنظيم الاتحاد الاشتراكي كلها أفعال أضعفت العمل السياسي..
بعد انقلاب الجبهة الإسلامية، خرجت قيادات الأحزاب و القيادة الشرعية للجيش، و كونت التجمع الوطني الديمقراطي 1990م، و ابتعدت عن الشارع السياسي الذي كان منتظرا التجمع الوطني الديمقراطي أن يحضر للخرطوم فاتحا، و لكن للأسف أن ابتعاد القيادة عن القاعدة الشعبية للأحزاب أضعف الأحزاب نفسها، التي تشققت لأجزاء و لحقت بنظام الإنقاذ.. ماذا كانت النتيجة؟ أن الحركة الشعبية استطاعت، أن تنزع من كل الأحزاب التي كانت منضوية في لواء التجمع، الاعتراف بحق تقرير المصير للجنوب، ومن بعدها تحول خطاب الحركة من الوحدة إلي خطاب هلامي يدس بين سطوره مسألة الانفصال.. راجع خطاب قرنق في كمبالا 1993م عن الدوائر الثلاث بين الوحدة و الانفصال..
أن العمل السياسي في الداخل وحده هو الذي يطور العملية السياسية و يدرب العديد من الكوادر السياسية، لكن هل الأحزاب السياسية تملك هذه الجرأة و القدرة على الصدام؟ صحيح هناك أحزاب و لكن تتوفر فيها المواعين الديمقراطية التي تسمح بتقديم الأفكار للخروج من الأزمة الحزبية.. الأحزاب بعد ثورة ديسمبر لم تقدم مشروعا سياسيا لا فرديا و لا تحالفيا، و الحمد الله أنت جاوبت على السؤال بالقول (لقد كشفت الحرب عن هشاشة البنية الحزبية التقليدية) و الأحزاب التقليدية قد استنزفت كل طهرانية نضالها التاريخي ضد الاستعمار، و أصبحت الأن خالية من أية رؤية تجعلها في مقدم ركب التغيير..
أن الحرب بالفعل قد تحدث تغييرا جوهريا في المجتمع، و سوف يتجاوز الأطروحات التي قادت للفشل سابقا، و أوصلت البلاد للحرب، و أيضا سوف يحدث تغييرا في البنية العقلية للسياسي الذي ينطلق في رؤيته من الواقع، و ليس السياسي الذي يبني ارائه من الأوهام.. يقول الشفيع خضر ( مقابل صعود فاعلين مدنيين جدد، خاصة لجان المقاومة وغرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية، الذين حملوا عبء الاستجابة الإنسانية في غياب الدولة. هذه المنظمات القاعدية تمثّل أحد أهم تجليات الوعي الشعبي والتنظيم الذاتي في السودان المعاصر. فهي نشأت من رحم شوارع الأحياء) و لا أدري لماذا أسقط الشفيع الشباب الذي استجابوا لدعوة الاستنفار و المقاومة الشعبية؟ و هذه تعد أيضا حالة من حالات الخوف من اتهامات ثقافة الماضي، و الفزاعات التي تستخدمها قبائل اليسار، و الذين تأثروا بها دون وعي..
ينتقل الشفع إلي محطة أخرى بالقول (السودان اليوم في أمس الحاجة إلى إعادة بناء المجال العام من الداخل، وإحياء الروح المدنية التي عبّرت عنها ثورة ديسمبر/كانون الأول، وذلك عبر صناعة البدائل الفعالة. وهي بدائل لن تُصنع في الخارج، مهما تعاظم الاهتمام الدولي، بل في أحياء السودان ومدنه وقراه، عبر تنظيمٍ قاعديٍ واعٍ، وقيادةٍ متجددة، وتحالفٍ مدنيٍ واسع، ومشروعٍ وطنيٍ جامع يحمي وحدة البلاد ويصون كرامة مواطنيها. والعمل السياسي داخل السودان ليس خيارًا سهلاً) علوم أن النقد هو محاولة لاختراق المسكوت عنه، و أيضا هو تعرية للشعارات الهلامية الفارغة المضمون التي تستخدم الآن في الساحة السياسية فقط لإثبات الوجود، و ليس للبحث عن حلول للأزمة، فالمؤسسات المآزومة لا تستطيع أن تقدم حلولا، و لا تقدم تصورات تفتح حوارا، يظل خطابها يميل للمناكفات، و تبرئة الزمة من خلال خطاب ضعيف يبين ضعف الجهد الذهني المبذول..
أن العمل السياسي في داخل السودان مهم، من أجل أحداث تغيير في الخطاب السياسي، و في طريقة التفكير، خاصة عند النشء، و التحول من صناعة الشعارات إلي إنتاج الأفكار التي وحدها تؤدي إلي التغيير. و العمل السياسي يجب أن لا يجهض عملية تحرير البلاد من عناصر الميليشيا، و المرتزقة الذين جاءوا من عدد من دول الجوار و أمريكا اللاتنية. و غض الطرف عن الحرب و أثرها على المجتمع لا يخدم العملية السياسية، و يجب تهيئة المجتمع لكي يكون بيئة صالحة للعمل السياسي.. بأن تكون الساحة خالية من كل الحركات و المجموعات الحاملة للسلاح.. حيث تصبح القوات المسلحة وحدها محتكرة للسلاح.. و أيضا يمكن للتنشيط الديمقراطي الشعبي و للأجيال الجديدة تبدأ عملية انتخابات لجان الأحياء، و هي التي سوف تقدم الشباب إلي قمة العمل السياسي.. نسأل الله حسن البصيرة..

zainsalih@hotmail.com

عن زين العابدين صالح عبد الرحمن

زين العابدين صالح عبد الرحمن

شاهد أيضاً

رحل الأتحاديون نشاطهم إلى الخرطوم

زين العابدين صالح عبد الرحمنأعلنت مجموعتان من الحركة الإتحادية الواسعة، بدأية نشاطها من داخل الخرطوم، …