السودان : رحلة الوعي التي لا رجعة عنها

م. هيثم عثمان إبراهيم

في بلدٍ تعلّم أهله عبر قرنٍ كامل أن الوعي لا يُمنح بل يُنتزع، لم تعد التحولات الكبرى مجرد أحداث سياسية عابرة، بل أصبحت محطات فارقة في مسار طويل من الإدراك والتجربة والتضحيات الجسام. السودان، بكل ما كابده من ويلات الاستعمار، ونخب شقت طريقها نحو المعرفة بصعوبة بالغة، وثورات سُطرت بدماء شبابه الزكية، بات يعرف طريقه ومآلاته جيداً. إنه طريق طويل وشاق، بدأ من قاعات كلية غردون، ومرّ بمحطات مضيئة في أكتوبر وأبريل، ليبلغ ذروته وعنفوانه في ثورة ديسمبر المجيدة، وهو طريق لا ينتهي عند أي منعطف مهما اشتدت العواصف وتكالبت المحن.
لم تكن ثورة ديسمبر مجرد لحظة غضب عابرة، ولا انفجاراً مؤقتاً في وجه سلطة أثقلت كاهل الناس وصادرت أحلامهم. بل كانت أشبه بلحظة استعادة للوعي المسلوب، وكأن السودان، بكل ما يحمله من إرهاق وأحلام مؤجلة، قرر فجأة أن ينهض من كبوته، وينفض عن كتفيه غبار السنين العجاف، ليقول لنفسه قبل أن يعلن للعالم أجمع: هذا وطن عظيم يستحق أن يُعاد بناؤه من جديد.
في تلك الأيام الخالدة، كان الشارع السوداني يضج بالحياة والأمل. شباب يركضون في الأزقة والشوارع، ونسوة يرفعن الأعلام ويطلقن الزغاريد في المواكب، ورجال تكسو وجوههم ابتسامات التحدي رغم أن الخوف لم يغادر مآقيهم تماماً. لقد ساد شعور غريب وعميق بأن هؤلاء الناس، رغم هشاشة واقعهم، أقوى بكثير مما ظنوا ومما ظن جلادوهم. ولعل هذا التناقض العجيب بين الخوف والجرأة هو ما أضفى على الثورة طابعها الإنساني العميق والفريد.

من غردون… حيث تشكلت النواة الأولى للوعي
للغوص في جذور هذا الوعي المتجذر، لا بد من التوقف عند محطة تاريخية هامة، وهي الثامن من نوفمبر عام 1902، يوم افتتاح كلية غردون التذكارية. لم يكن الهدف من تأسيسها آنذاك صناعة نخبة وطنية تقود دولة مستقلة وذات سيادة، بل كان الهدف إعداد موظفين بسطاء لسد احتياجات إدارية محدودة، وتخفيف كلفة استجلاب العمالة الأجنبية عن كاهل المستعمر. كانت المناهج الدراسية مصممة بعناية لإنتاج موظف مطيع ينفذ الأوامر، لا مفكر حر يمتلك رؤية؛ موظف يؤدي مهاماً هامشية، لا قائداً يطرح الأسئلة الكبرى ويقود التغيير.
لكن ما لم يدركه واضعو تلك المناهج هو أن الطلاب أنفسهم سيعيدون صياغة دورهم وتحديد مسارهم. فقد أدركت نخبة غردون في وقت مبكر أن ما يُلقن لهم في قاعات الدرس لا يكفي لبناء وطن حر ومستقل. لذلك، اتجهوا نحو ما يمكن تسميته بـ “التعليم الموازي” أسسوا جمعيات للقراءة، وعقدوا حلقات للنقاش، وأنشأوا مكتبات صغيرة بجهودهم الذاتية، تحركهم في ذلك رغبة عارمة وفضول معرفي لا يهدأ.
وقد جسّد الأستاذ خضر حمد، أحد أبناء تلك المرحلة المفصلية، هذا الواقع بدقة متناهية في مذكراته، حين تحدث عن “التعليم القاصر” الذي تلقوه، وعن الجهود المضنية التي بذلوها لتثقيف أنفسهم وتوسيع مداركهم. وضرب مثالاً بليغاً حين وصف رحلتهم اليومية من أم درمان إلى الخرطوم بأنها كانت “رحلة معرفية”، يصحبهم فيها كتاب يقرأونه في طريق الذهاب والإياب، وكأنهم ينسجون خيوط مستقبلهم صفحة تلو أخرى.
بفضل هذه العصامية الفذة، تحولت مجموعة من الطلاب الذين أُريد لهم أن يكونوا مجرد تروس في آلة المستعمر، إلى نواة صلبة لنخبة وطنية واعية ومستنيرة. نخبة استطاعت، رغم كل القيود والعراقيل، أن تبلور رؤية تتجاوز حدود الوظيفة الضيقة، رؤية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل البلاد واستقلالها.

جيل الاستقلال… إنجازات وإخفاقات
ومع ذلك، يجب الإقرار بأن هذه النخبة لم تكن معصومة من الخطأ. فبعد نيل الاستقلال، ورغم الحماس الجارف الذي رافق ميلاد دولة 1956، لم تفلح النخبة الأولى في صياغة مشروع وطني جامع يلمّ شتات السودانيين ويوحدهم تحت مظلة هوية واحدة، أو في إدارة التنوع الثقافي والعرقي الواسع الذي يميز البلاد بحكمة واقتدار. كما أن بعض المثقفين انزلقوا في أتون الولاءات الطائفية والحسابات السياسية الضيقة، وهو ما أشار إليه بوضوح المحامي أحمد خير في كتابه القيم “كفاح جيل”، الذي يُعد بمثابة وثيقة هامة لتاريخ الحركة الوطنية.
ورغم العثرات التي شابت الممارسة الديمقراطية لذلك الجيل، وهفواتهم التي تظل في النهاية جزءاً من طبيعة التجربة الإنسانية، فإن إرثهم النضالي يظل حجر الزاوية الذي فُتحت به بوابات الوعي السياسي السوداني في مراحله الأولى. كان تشكيل الوعي في تلك الحقبة عملاً شاقاً ومضنياً، وكانت الثقافة ترفاً لا يدركه إلا من امتلك شغفاً حقيقياً بالمعرفة، في ظل رقابة صارمة من مستعمر لم يكن من مصلحته أبداً أن يتبلور وعي سياسي يطالب بالحرية أو يحلم بدولة مستقلة.
ورغم كل ذلك، استطاعت تلك النخبة، بعنادها النبيل وإصرارها العجيب، أن تؤسس مشروعاً معرفياً موازياً، وأن تستثمر كل لحظة فراغ في القراءة والتأمل والتفكير العميق.

من أكتوبر إلى أبريل… وصولاً إلى ديسمبر
لم يكن من المستغرب إذن أن تكون هذه النخبة ذاتها هي التي تصدرت المشهد وقادت معارك ضارية ضد محاولات عسكرة الدولة، وهي التي أشعلت شرارة ثورة أكتوبر 1964، وألهمت بنضالاتها وتضحياتها ثورة أبريل 1985. وهي التي دفعت أثماناً باهظة في سبيل إرساء دعائم الديمقراطية، ووقفت بشموخ في الخطوط الأمامية دفاعاً عن الحريات العامة وحقوق الإنسان.
وحين نتأمل ثورة ديسمبر المجيدة بعد مرور أكثر من قرن على تأسيس كلية غردون، ندرك جلياً أن جذورها ضاربة في عمق التاريخ. إنها امتداد طبيعي لذلك الوعي المبكر الذي تبرعم في قاعات غردون، ثم نما وترعرع عبر الأجيال المتعاقبة، حتى فاض في الشوارع التي غصت بشباب لم يجلسوا يوماً في مقاعد غردون، لكنهم ورثوا روحها الوثابة: روح التساؤل المستمر، ورفض الظلم، والطموح المشروع نحو وطن يصنعه أبناؤه بأيديهم ولا يُفرض عليهم من علٍ.

وعي راسخ لا تذروه الرياح
واليوم، ورغم المحن القاسية والأحداث الجسام التي تعصف بالشعب السوداني، فإن هذه التجارب المريرة لم تمحُ من ذاكرته معنى الدولة الوطنية، ولا قيمة الحكم الرشيد، ولا حتمية التحول الديمقراطي، ولا الحلم المشروع بالتنمية المستدامة والعيش الكريم. هذه المفاهيم السامية لم تعد مجرد شعارات جوفاء تُرفع في المناسبات، بل تجذرت وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الوجدان الجمعي للسودانيين. لقد تنفسوها، وتجرعوا مرارتها، وقدموا فلذات أكبادهم مهراً غالياً لها.
ولذلك، فإن الردة عن الديمقراطية أصبحت مستحيلة، ولن يرضخ السودانيون لمحاولات عسكرة الدولة، ولن يقبلوا بغير الحوار بديلاً عن العنف الأعمى، وبالسلام العادل والمستدام بعيداً عن لغة الحروب العبثية وهيمنة البندقية.

خاتمة المطاف
قد يحتاج السودان إلى وقت ليس بالقصير ليضمد جراحه الغائرة ويتعافى من كبواته، لكن الحقيقة الساطعة التي لا تقبل الشك هي أن هذا الشعب الأبي، الذي أدرك عبر أجياله المتعاقبة أن الوعي هو السلاح الأمضى الذي لا يمكن مصادرته، لن يعود أدراجه إلى الوراء أبداً. فالديمقراطية لم تعد مجرد خيار سياسي مطروح للنقاش، بل أضحت مكوناً أساسياً من مكونات الهوية السودانية. والسلام لم يعد شعاراً يُتغنى به، بل ضرورة حتمية للوجود والبقاء. والحوار لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو المسار الأوحد لبناء وطن يتسع للجميع ويستحق الحياة.
إنها رحلة وعي شاقة وطويلة، انطلقت شرارتها الأولى منذ عام 1902، واشتد عودها في أكتوبر وأبريل، لتبلغ ذروة مجدها في ديسمبر…
رحلة مضت إلى الأمام، ولا رجعة عنها، مهما طال المسير، ومهما اشتدت العواصف وتلاطمت الأمواج.

haytham.compre@gmail.com

عن هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم

شاهد أيضاً

العدالة والانتقام: في جدلية بناء الدولة وصناعة الثأر

م. هيثم عثمان إبراهيم مدخل: على مفترق طرق الذاكرةتجد الأمم التي مزقتها الحروب والانتهاكات الجسيمة …