هل يعني تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً نهاية نفوذها؟

دكتور محمد عبدالله

يثير الحديث المتزايد في واشنطن عن تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً أسئلة كثيرة تتجاوز الجانب القانوني إلى أبعاد سياسية أعمق تتعلق بمستقبل الصراع السوداني وتركيبته المعقدة. فمثل هذا القرار، بعد إن صدر رسمياً عن وزارة الخارجية الأمريكية، لن يكون مجرد إجراء إداري في سجل العقوبات، بل خطوة ذات تداعيات واسعة تمس توازنات السلطة وشبكات النفوذ التي تشكلت خلال العقود الثلاثة الماضية.

في القانون الأمريكي، يعني إدراج أي تنظيم على قائمة “المنظمات الإرهابية الأجنبية” أن التعامل معه يصبح جريمة يعاقب عليها القانون. تُجمّد أصوله داخل الولايات المتحدة، ويُحظر على المؤسسات المالية الأمريكية إجراء أي تعامل معه، كما يُمنع الأفراد أو الشركات من تقديم أي دعم مادي أو لوجستي له. لكن أثر هذه الإجراءات لا يتوقف عند الحدود الأمريكية. فبسبب مركزية النظام المالي العالمي حول الدولار، تميل البنوك والمؤسسات المالية الدولية إلى تجنب أي تعامل قد يعرّضها لعقوبات ثانوية، وهو ما يجعل العزلة المالية للتنظيم المعني شبه عالمية.

غير أن السؤال الأهم في الحالة السودانية ليس ما يعنيه التصنيف قانونياً، بل ما يعنيه سياسياً. فالولايات المتحدة لا تتخذ مثل هذه الخطوة عادة في فراغ، بل في سياق تقدير سياسي أوسع للصراع الدائر في البلاد منذ اندلاع الحرب في ربيع عام 2023. في هذا السياق، يبدو أن واشنطن باتت تنظر إلى الشبكات المرتبطة بالحركة الإسلامية باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في استمرار الحرب وتعقيد مسارات التسوية السياسية.

تقدير بعض الدوائر الغربية أن الإسلاميين الذين فقدوا السلطة بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير عقب ثورة ديسمبر ، لم يغادروا المسرح السياسي فعلياً، بل أعادوا ترتيب مواقعهم داخل مؤسسات الدولة، خاصة في الجيش والأجهزة الأمنية. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى التصنيف المحتمل بوصفه أداة ضغط تهدف إلى تقليص قدرتهم على التأثير في مجريات الصراع.

هناك أيضاً بعد إقليمي لا يغيب عن الحسابات الأمريكية. فقد تزايدت في السنوات الأخيرة التقارير التي تتحدث عن تقارب بين بعض الشبكات الإسلامية السودانية ومحاور إقليمية معادية لواشنطن. وفي منطقة تتسم بحساسية مفرطة تجاه التوازنات الجيوسياسية، يكفي مثل هذا الاشتباه ليصبح عاملاً إضافياً في تشكيل القرار السياسي.

لكن هذا التفسير لا يحظى بإجماع. فثمة من يرى أن المشهد السوداني أعقد من أن يُختزل في ثنائية “الإسلاميين” وخصومهم. فالحركة الإسلامية في السودان لم تكن تنظيماً واحداً محكماً بقدر ما كانت شبكة واسعة من المؤسسات السياسية والاقتصادية والدعوية تشكلت حول المشروع الفكري الذي صاغه حسن الترابى منذ ستينيات القرن الماضي. هذه الشبكة اتخذت عبر الزمن أشكالاً متعددة، من بينها الحزب الحاكم السابق،حزب المؤتمر ، ثم أحزاب وتنظيمات انشقت عنه لاحقاً مثل حزب المؤتمر الشعبي .

ولهذا السبب تحديداً، يرى بعض الباحثين أن تصنيف “الحركة الإسلامية” تنظيماً إرهابياً قد يطرح إشكالات عملية. فالفصل بين التنظيم ككيان سياسي وبين التيار الفكري الأوسع ليس أمراً يسيراً، خاصة في مجتمع شهد ثلاثة عقود من التداخل العميق بين الدولة والحزب والاقتصاد. كثير من الشركات ورجال الأعمال الذين ازدهرت أعمالهم في ظل نظام الإنقاذ عملوا ضمن شبكات اقتصادية مرتبطة بالحركة، لكنهم اليوم جزء من النسيج الاقتصادي العام. فهل يمكن التمييز بسهولة بين النشاط التجاري العادي وبين النشاط المرتبط بتنظيم مصنف؟

الأرجح أن العقوبات، إن فُرضت، ستتخذ طابعاً انتقائياً. فالتجارب الأمريكية في دول أخرى تشير إلى أن واشنطن تميل إلى استهداف الأفراد والشبكات المالية المرتبطة بهم بدلاً من معاقبة مؤسسات الدولة بكاملها. من غير المرجح، مثلاً، أن يُصنّف الجيش السوداني نفسه تنظيماً إرهابياً، لكن من الممكن أن تُفرض عقوبات على شخصيات عسكرية أو مدنية يُعتقد أنها ترتبط تنظيمياً أو مالياً بالحركة.

هنا تحديداً تتجلى الطبيعة السياسية للقرار. فالتصنيف لا يعني بالضرورة نهاية الحركة الإسلامية في السودان، لكنه قد يحد من قدرتها على الحركة في المجالين المالي والدبلوماسي، ويضيق هامش المناورة أمام شبكاتها الاقتصادية. وفي الوقت ذاته قد يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد السياسي، إذ إن إقصاء تيار واسع من المجال العام قد يدفعه إلى مزيد من التشدد بدلاً من إدماجه في عملية سياسية شاملة.

بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بتنظيم واحد بقدر ما يتعلق بمستقبل التوازنات في السودان كله. فالبلد الذي خرج من تجربة حكم استمرت ثلاثين عاماً ما زال يحاول تعريف نفسه سياسياً من جديد. وأي خطوة دولية كبيرة، مهما بدت قانونية في ظاهرها، ستتحول حتماً إلى عنصر مؤثر في هذا المخاض الطويل.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

نيران الخليج وظلالها على السودان: حروب الآخرين حين تجد أرضًا خصبة

muhammedbabiker@aol.co.ukدكتور محمد عبداللهنيران الخليج وظلالها على السودان: حروب الآخرين حين تجد أرضًا خصبة المواجهة الدائرة …