التعليم بين التمكين والهيمنة نحو نموذج تربوي تحرري

بقلم: زهير عثمان
ليس التعليم مجرد عملية نقل للمعرفة من جيل إلى جيل، بل هو في جوهره عملية تشكيل للعقل الإنساني وبناء للوعي الاجتماعي ولهذا ظل التعليم، عبر التاريخ، ساحة صراع خفية بين مشروعين متناقضين مشروع يرى المدرسة فضاءً لتحرير الإنسان وتمكينه، ومشروع آخر يحولها إلى أداة للهيمنة وإعادة إنتاج الطاعة

في كثير من النظم التعليمية، خاصة في المجتمعات التي عاشت طويلاً تحت سلطة مركزية قوية، تتخذ المدرسة وظيفة مزدوجة , فهي من جهة تعلن أنها تسعى إلى تنمية الفرد وتمكينه بالمعرفة والمهارات، لكنها من جهة أخرى تُستخدم بصورة ضمنية أو صريحة لترسيخ رواية واحدة للعالم، وإعادة إنتاج ثقافة الطاعة والانضباط. وهكذا تتحول العملية التعليمية من فعل تحرري إلى آلية اجتماعية لإعادة إنتاج النظام القائم

وقد وصف المفكر التربوي البرازيلي Paulo Freire هذا النمط من التعليم بما أسماه التعليم البنكي؛ حيث يُنظر إلى الطالب بوصفه وعاءً فارغاً تُودَع فيه المعلومات كما تُودَع الأموال في البنوك
في هذا النموذج لا يُطلب من الطالب أن يفكر أو يناقش، بل أن يحفظ ويكرر وبذلك يفقد التعليم وظيفته الأساسية بوصفه مجالاً لبناء العقل الناقد والمبدع

لكن الفكر التربوي الحديث طرح رؤية مختلفة تماماً لوظيفة المدرسة , فقد رأى الفيلسوف والمربي الأمريكي John Dewey أن التعليم الحقيقي لا يقوم على التلقين بل على التجربة والتفاعل وحل المشكلات
فالمدرسة، في نظره، ليست مكاناً لتخزين المعلومات بل مختبراً للحياة يتعلم فيه الطالب كيف يفكر ويتعلم ويتعاون

ومن هذا المنطلق يبرز السؤال الجوهري هل نريد مدرسة تُخرّج أفراداً مطيعين، أم مواطنين قادرين على التفكير المستقل والمساءلة؟

إن بناء نموذج تربوي تحرري يتطلب إعادة التفكير في فلسفة التعليم ذاتها , فالمناهج لا ينبغي أن تكون مجرد كتب جامدة تقدم المعرفة بوصفها حقائق نهائية، بل يجب أن تتحول إلى منصات لطرح الأسئلة واكتشاف المعرفة
فالتعلم الحقيقي يبدأ عندما يتعلم الطالب كيف يسأل، لا عندما يحفظ الإجابات الجاهزة
كما أن دور المعلم يجب أن يتغير جذرياً , فالمعلم في المدرسة التقليدية كان ناقلاً للمعلومات، أما في المدرسة الحديثة فيصبح ميسراً للتعلم وقائداً للحوار الفكري داخل الفصل. فالمعلم الذي يطرح الأسئلة ويشجع النقاش يفتح أمام الطلاب أبواب التفكير الحر، بينما المعلم الذي يكتفي بالإملاء يعيد إنتاج عقلية التلقين

ولا يقتصر التحول المطلوب على المناهج والمعلمين فحسب، بل يشمل أيضاً بيئة المدرسة نفسها. فالمدرسة التي تسعى إلى بناء المواطن الحر يجب أن تكون فضاءً حقيقياً للمشاركة والحوار
ويمكن أن تلعب المجالس الطلابية والأنشطة الثقافية والفنية والرياضية دوراً مهماً في تدريب الطلاب على العمل الجماعي وتعلم قيم الديمقراطية عملياً، لا نظرياً فقط
أما على مستوى التقييم، فإن الاعتماد المفرط على الامتحانات التي تقيس القدرة على الحفظ يمثل أحد أكبر العوائق أمام تطوير التعليم
فالتقييم الحقيقي ينبغي أن يقيس الفهم والتحليل والقدرة على حل المشكلات والإبداع، لا مجرد استرجاع المعلومات
إن الهدف النهائي لأي إصلاح تعليمي يجب أن يكون بناء إنسان حر قادر على التفكير والمبادرة
فالطالب الذي يتعلم كيف يميز بين الرأي والحقيقة، وكيف يبني حجة منطقية، وكيف يناقش الأفكار المختلفة، هو الطالب القادر لاحقاً على المشاركة الفاعلة في بناء مجتمعه
وفي نهاية المطاف، فإن التعليم ليس مجرد مسار لإعداد الأفراد لسوق العمل، بل هو عملية أعمق بكثير عملية بناء الإنسان ذاته
فالمجتمعات التي تستثمر في تحرير عقول أبنائها تخلق أجيالاً قادرة على الابتكار والتجديد، بينما المجتمعات التي تخشى العقل الحر تحوّل مدارسها، من حيث لا تدري، إلى أدوات لإعادة إنتاج الجمود
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجه أي مشروع لتطوير التعليم ليس , ما الذي يجب أن يحفظه الطالب؟
بل أي نوع من البشر نريد أن نصنع؟

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

حرب تفتيت “الكنينة”.. يوم بقى الصراع على الكرسي تدمير للوطن

زهير عثمانالحرب الولعت في الخرطوم ومدن السودان من أبريل 2023، مرقت من كونها مجرد “شكلة” …