هل كان السودان تابعاً لمصر ؟!

مناظير السبت 14 مارس، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com

ظل غالبية المصريين بمختلف فئاتهم يرددون باستعلاء وتعالٍ منذ زمان بعيد ان السودان تابع لمصر، وهو إدعاء فارغ يدل على جهل فظيع وفكر امبريالي استعماري بغيض!

  • لو عدنا إلى التاريخ القريب، سنجد أن الفترة من 1821 حتى 1885 كان فيها السودان تحت الخلافة العثمانية بدءا من الوالي التركي محمد علي باشا ومَن جاؤوا بعده، الذين لم يكونوا مصريين وإنما أتراك. مصر في تلك الحقبة لم تكن دولة مستقلة، بل ولاية عثمانية (شبه مستقلة)، وكل ما فعله محمد علي باشا أنه مد نفوذه إلى السودان باسم السلطان في إسطنبول، وأي ادعاء بأن السودان كان تابعاً لمصر في تلك الفترة هو مجرد أكذوبة تاريخية!
  • وحتى لو افترضنا جدلاً أن ادعاء التبعية جاء نتيجة غزو مصر للسودان في عهد محمد علي باشا واستعمارها للسودان حتى عام 1885، فإن المنطق الاستعماري نفسه يوضح خطأ هذا الادعاء، إذ لا يعني استعمار دولة لأخرى أن الدولة المستعمَرة تصبح ملكاً للدولة المحتلة. لو كان هذا صحيحًا، لكانت كل مستعمرات بريطانيا حول العالم تابعة لها، والفلبين تابعة لإسبانيا، وإندونيسيا لهولندا، ومعظم دول شمال وغرب أفريقيا لفرنسا، ودول جنوب وشرق آسيا خلال الحرب العالمية الثانية لليابان، وغيرها من النماذج!
  • بعد انتهاء حقبة المهدية التي حررت البلاد من الحكم العثماني في عام 1885، جاء الحكم الثنائي الانجليزي المصري (1899–1956)، وربما يوحي الاسم بشراكة متساوية بين مصر وبريطانيا في حكم السودان، لكن الواقع يقول العكس تماماً، فالسودان كان تحت السيطرة الفعلية للبريطانيين، بينما كانت مصر صورة فقط، لا أكثر، وكل تصريحات القاهرة عن “الحكم المشترك” لم تكن إلا مجرد كلام على ورق!
  • كما كانت مصر نفسها تحت الاحتلال البريطاني في الفترة من 1882 حتى 18 يونيو 1956 وهو تاريخ جلاء آخر جندي بريطاني من مصر، حسب اتفاقية الجلاء التي تم توقيعها في عام 1954. صحيح أن بريطانيا أعلنت في 18 فبراير 1922 من طرف واحد إنهاء الحماية واعلان مصر دولة مستقلة ولكنها اشترطت تحفظات اربعة وهى: تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية لضمان سيطرتها على قناة السويس، الدفاع عن مصر ليكون لبريطانيا حق التدخل العسكري في مصر في اى وقت في حالة وجود اعتداء خارجي عليها، حماية المصالح الاجنبية والأقليات وهو ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، وبقاء الوضع في السودان على ما هو عليه (الحكم الثنائي)، اى انه كان استقلالا إسميا فقط!
  • ثم منحت بريطانيا نوعا من الاستقلال لمصر بتوقيع معاهدة 1936 التي انسحب بموجبها الجيش البريطاني من القاهرة والمدن الكبرى وأعاد تمركزه في منطقة قناة السويس، وتخفيض عدد القوات البريطانية الى 10 آلاف جندي و400 طيار حربي، وإلغاء المحاكم المختلطة التي كانت تعطي الأجانب حصانة قضائية، وانضمام مصر لعصبة الامم، وتعهُد بريطانيا بتقوية الجيش المصري، غير أن الوجود البريطاني ظل قائما في مصر حتى يونيو 1956، كما أسلفت، أى ان السودان حصل على السيادة الكاملة على ارضه قبل مصر بخمسة اشهر !
  • أما حكاية (ملك مصر والسودان)، فهو مجرد لقب فارغ من اى مضمون أطلقه البرلمان المصري على (الملك فاروق) في عام 1951 ولم يعترف به احد سوى مصر، ولم تكن لفاروق او لغيره او لمصر سلطة فعلية او اسمية على السودان.
  • وإذا عدنا الى التاريخ القديم، سنجد ان الدولة المصرية سيطرت على أجزاء من النوبة الشمالية والجنوبيّة أحيانًا، بدءًا من الدولة الوسطى (2055–1650 ق.م) وحتى الدولة الحديثة (1550–1070 ق.م)، لإقامة الحصون وتأمين طرق التجارة، وجمع الموارد، لكنها لم تكن سيطرة دائمة أو شاملة طوال الوقت، بل جزئية ومتقطعة، وأحيانًا في إطار التبادل التجاري والثقافي أكثر من السيطرة المطلقة.
  • بينما حكمت الأسرة الخامسة والعشرون من مملكة كوش مصر بين 747–656 قبل الميلاد، وكان أبرز ملوكها (تهراقا) الذي حمل لقب “ملك مصر العليا والسفلى”. وكانت سيطرته حقيقية وفعلية، من طِيبة والأقصر في الجنوب إلى ممفيس في الوسط، والى الدلتا في الشمال، ولقد بنى المعابد وأدار الجيش والاقتصاد، وهو ما لا يمكن مقارنته بالسيطرة الوهمية لملك مصر والسودان في القرن العشرين، وعندما انتهى حكم الاسرة الخامسة والعشرين النوبية على مصر لم ينتهِ على أيدى المصريين، وانما على ايدي الهكسوس الذين غزوا مصر في ذلك الوقت!
  • ونأتي أخيرا إلى الواقع الجيوسياسي والانثروبولوجي البسيط: النيل يمر أولاً بالسودان، والسودان أكبر مساحة وأكثر ثروة ومواردا من مصر، ومن الناحية الاثنية فالفرق شاسع جدا بين مصر والسودان، فالمصريون مزيج متجانس تقريبا يتحدثون لغة واحدة هى العربية ما عدا قلة من النوبيين في جنوب مصر، وهم اقرب جينيا الى سكان الشرق الأدنى القديم (بلاد الشام)، بينما السودان مجتمع متعدد الاعراق بشكل واسع جدا حيث يضم اكثر من 500 قبيلة تتحدث عشرات اللغات، وتسود فيها الجينات الافريقية!
  • كل هذه الوقائع التاريخية والجغرافية والسياسية تؤكد أن السودان لم يكن تابعا لمصر حتى في أوج السيطرة المصرية الرمزية، وأي محاولة لادعاء تبعية السودان لمصر هي تزييف للواقع والتاريخ، فالحقيقة واضحة والواقع يقول إن مصر كانت في أحسن الأحوال خلال وجودها الصوري في السودان مجرد تابع للخلافة العثمانية او الاستعمار البريطاني، ولم يحكم مصر رئيس مصري الا بعد الثروة المصرية في عام 1952 وهو الرئيس محمد نجيب الذي كان نصف سوداني ونصف مصري، وولد وتربى في السودان !
  • السودان، مهد الانسانية وارض الحضارة والنيل العظيم، لم يكن يوماً تابعا لمصر أو لغير مصر كما يتوهم المصريون، بل كان متميزا تاريخياً وإقليمياً، وربما أكثر قوة ومكانة في سياقات عديدة مقارنة بما يُصوَّر، وإذا أراد أحد أن يدَّعي خلاف ذلك، فليأتِ بدليل واحد لا يقبل التأويل!

عن د. زهير السراج

د. زهير السراج

شاهد أيضاً

إلى السلطات المصرية !

مناظير الخميس 19 فبراير، 2026زهير السراجmanazzeer@yahoo.com اصدر عدد من المثقفين والصحفيين والفنانين ورؤساء وأعضاء بعض …