الثنائيات القاتلة: مدخل إلى إعادة بناء الدولة السودانية

الثنائيات القاتلة: مدخل إلى إعادة بناء الدولة السودانية
(إشكالية الهويات، السلطة، والمؤسسات في استقرار السودان السياسي)
د. أيمن بشرى
٤ مارس ٢٠٢٦
aymen.b.ahmed@gmail.com

١. مقدمة: إشكالية التعدد والدورة السياسية المفرغة
توالت على السودان منذ الاستقلال دورات متكررة من الانتقال السياسي، تخللتها تجارب ديمقراطية قصيرة، ما لبثت أن انهارت بتدخل عسكري قاد إلى حكم ديكتاتوري. فُسّرت هذه الظاهرة من قبل الكثيرين باعتبارها نتيجة ضعف الثقافة الديمقراطية، أو طمع العسكر في السلطة، أو صراع النخب على النفوذ. غير أن هذه التفسيرات، رغم أهميتها، تظل قاصرة عن تفسير الطابع الدوري للأزمة.
تفترض هذه الدراسة أن جوهر المشكلة يكمن في غياب تنظيم مؤسسي قادر على إدارة التعدد البنيوي داخل المجتمع السوداني. والمقصود بالتعدد البنيوي أن الانقسامات ليست سطحية أو عابرة، بل متجذرة في بنية المجتمع نفسه، وتتجلى في ثنائيات حادة: مركز وأقاليم، مدنيون وعسكريون، علمانيون ودعاة مرجعية دينية. وعندما تُدار هذه التوترات ضمن إطار ديمقراطية إجرائية غير مقيدة بضمانات دستورية صلبة، فإنها تميل إلى التحول إلى صراع صفري يعيد إنتاج الأزمة دورياً.
وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى إعادة صياغة السؤال من: “لماذا فشلت الديمقراطية في السودان؟” إلى: “كيف يمكن تصميم نظام دستوري يحول التعدد من مصدر صراع إلى عنصر توازن واستقرار؟”

٢. التمييز المفاهيمي: أي ديمقراطية نريد؟
عند الحديث عن التحول الديمقراطي في السودان، يختلط الأمر بين مفهومين متقاربين لكن بينهما فروق جوهرية. هذا الخلط المفاهيمي – وهو ليس حكراً على السودان – قد يكون أحد الأسباب العميقة لصعوبة التوافق السياسي.

الديمقراطية – اشتقاقاً من اليونانية: demos (الشعب) وkratos (الحكم) – تعني أن السيادة للشعب، وتتخذ شكلين: المشاركة المباشرة (كما في كانتونات سويسرا)، أو التمثيلية غير المباشرة عبر نواب منتخبين، وهو النموذج الأكثر شيوعاً.

غير أن الخلاف الجوهري لا يتعلق بالآلية (مباشرة أم تمثيلية)، بل بالطبيعة: هل الديمقراطية تعني ببساطة حكم الأغلبية دون قيود؟ أم أنها حكم الأغلبية في إطار ضمانات تحمي حقوق الجميع؟
الأول يُعرف بـ “ديمقراطية الأغلبية البسيطة” أو “الديمقراطية غير الليبرالية” ، وهو نموذج نظري لا تطبقه أي دولة مستقرة اليوم. وفيه تُحسم كل القضايا بأغلبية 51%، دون حماية دستورية للحقوق الأساسية، مما يؤدي حتماً إلى “طغيان الأغلبية” حيث تستطيع الأغلبية – نظرياً – مصادرة ممتلكات الأقلية أو منعها من ممارسة دينها. أثينا القديمة قدمت النموذج التاريخي لهذا الخطر.
أما الثاني فهو “الديمقراطية الليبرالية” ، وتقوم على حكم الأغلبية ولكن داخل “قفص” من الدستور الذي يحمي الحقوق الأساسية لجميع المواطنين، ويضمن سيادة القانون، واستقلال القضاء، وخضوع الجيش للسلطة المدنية، وانتخابات حرة ودورية، وحرية التعبير والمعتقد. هذا النموذج يمكن أن يتحقق في شكلين مؤسسيين:
· ملكية دستورية: حيث الملك رئيس دولة تشريفي (بريطانيا، إسبانيا).
· جمهورية دستورية: حيث رئيس الدولة أما منتخب مباشرة (الولايات المتحدة) أو عبر البرلمان مع رئيس وزراء تنفيذي (ألمانيا، الهند).
الخلاصة: الديمقراطية غير الليبرالية نموذج نظري، لو طُبق لقام الديكتاتوريات والحروب الأهلية. ومع استحالة قيام ملكية دستورية في السودان، فإن الخيار الوحيد المتبقي هو الجمهورية الدستورية – جمهورية يحكمها الدستور لا الأشخاص.

٣. السياسة فيما وراء العقل: علم النفس السياسي للاختلاف
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (هود-١١٨)
يبني كثير من المحللين والسياسيين استراتيجياتهم على افتراض أن الأفراد يختارون مواقفهم السياسية بناءً على مصالحهم العقلانية وبرامجهم الواقعية. يتجلى هذا في العدد الهائل من المقالات التي تسعى إلى إبراز الحجج المنطقية لمواقف المخالف، بل ومحاولة إقناعه بالتراجع عن قناعاته. لكن أبحاث علم النفس السياسي تُظهر عكس ذلك: فالاختيارات السياسية تُبنى أساساً على عوامل نفسية عميقة – مخاوف، قيم، هوية، تجارب حياتية – ثم تُبرَّر لاحقاً بلغة عقلانية.
أبرز خلاصات هذه الدراسات أن السياسة تُقاد بالمشاعر أكثر من العقل، فغالبية المواقف السياسية تتخذ بالحدس وتحددها عواطف مثل الخوف، الغضب، الأمل، والإهانة. كما أن قيم الناس تسبق السياسات التي يساندونها؛ أي أن الأفراد لا ينطلقون من السياسات، بل من قيم أخلاقية أساسية: العدالة، الحرية، النظام، الولاء، الكرامة. وتلعب التجارب الحياتية دوراً بارزاً في تحديد أولويات هذه القيم: فمن تعرض للظلم يعلي من قيمة العدالة، ومن عاش فوضى يميل إلى النظام.

غير أن الخلاصة الأعمق هي أن الهوية السياسية جزء من الهوية الذاتية (انظر ٤). فالمرء لا يملك آراء سياسية فحسب، بل هو “هو” بهذه الآراء. لذلك، فإن الاستخفاف بمواقف الآخرين السياسية يُقرأ كاستخفاف بذواتهم، مما قد يؤدي إلى تقليل تقدير الذات (self-esteem) وردود فعل دفاعية عنيفة.
إذن، تقدير وفهم المواقف السياسية للآخرين ليس مجرد لياقة اجتماعية، بل هو شرط أساسي للوصول إلى توافق يمكن صياغته في نصوص دستورية. وهذا يحتاج إلى جهد مزدوج: معرفة بطبيعة التكوين النفسي للإنسان، وتعاطف (empathy) يعني القدرة على رؤية العالم من منظور الآخر، حتى مع الاختلاف. والتعاطف بدوره مهارة يمكن تطويرها بالوعي والممارسة.
٤. الهوية الاجتماعية: الرأسية والأفقية وتأثيرها على الصراع

“ما أنا إلّا من غزيّة إن غَوَت
‏غويتُ وإن ترشُد غزيّةُ أرشُدِ
(دريد بن الصمة – شاعر جاهلي)

لفهم مواقف الأفراد والمجموعات في أي مجتمع، لابد من فهم أساسيات التكوين النفسي للناس. عندها يمكن فهم كثير من المواقف والسلوكيات التي يواجهها المرء في حياته من الآخرين.
لكل إنسانٍ تكوينه الفريد الذي يعطيه هوية ذاتية (self identity)، تتمثل فيها خلاصة جيناته، تربيته، تجاربه، الآمه وأحلامه. يبحث كل الأفراد عن الكرامة والاحترام وتقدير الذات. والإنسان بطبعه كائن اجتماعي، يمثل انتمائه لمجموعة ما حماية له وأكثر قدرة على البقاء. عندما يدخل الإنسان مع اناسٍ آخرين في تفاعل اجتماعي، سريعاً ما يدخل في عملية لا واعية تمر اولاً بتصنيف هؤلاء الناس (social categorization)، ومن ثم تعريف نفسه كفرد من أحد هذه التصنيفات (social identification) وبعدها يدخل في المقارنة (social comparison) )، هذا ما يسمى بالهوية الاجتماعية. انظر: نظرية الهوية الاجتماعية (Social identity theory- Tajel and Turner). هذه التصنيفات يمكن أن تكون عرقية، وعندها يتم التصنيف بناء على ملامح محددة، أو غير ذلك، وهنا يخترع الناس ما يميزهم، مثلا الازياء المميزة، الشلوخ، اللحى، الإعلام الخ. وعدم القدرة على التصنيف او التعريف الصحيحين قد يعني احياناً الفرق بين الموت والنجاة. المقارنة الاجتماعية هي التي تؤدي إلى بناء سيكولوجية المجموعة الداخلية ingroup psychology والتي تعظم من شأن المجموعة وافرادها ونسبة كل ما هو جميل لها، وسيكولوجية المجموعة الخارجية outgroup psychology والتي تحط من قدر المجموعة او المجموعات الأخرى ونسبة كل ما هو قبيح لها. وهذا قد يؤدي في نهاية الأمر للصراعات الدموية حول الموارد (راجع: تجربة كهف روبرت Robbert’s cave experiment – تعرف ايضا ب “نظرية الصراع الواقعي”- Realistic conflict theory. والمجموعات الإجتماعية قد تتأثر بمحيطها كما يتأثر الأفراد بمحيطهم. فمثلما يزيد إفراز مادة الدوبامين في الدماغ عند الفرد حين وضعه في موقع السلطة فيزيد ذلك من تقدير الذات، فإن المجموعات التي تمتلك، (أو يمتلك أحد أفرادها) السلطة، يزيد فيه تقدير الذات الجمعي (collective self esteem). الحرمان الممنهج من السلطة لمجموعات اجتماعية يؤدي إلى التأثير السلبي في تقدير الذات. أثبتت الدراسات أن ارتفاع تقدير الذات (high self esteem) له مردودات إيجابية كثيرة في الحياة منها صحة جسدية ونفسية أفضل، والتفوق الأكاديمي والمهني والوظيفي. أما انخفاض تقدير الذات فقد يؤدي إلى عواقب وخيمة مثل القلق والاكتئاب، الأداء الأكاديمي السئ والإدمان على المخدرات والكحول. ولأن الفرد والمجموعة الاجتماعية لها نزعة طبيعية نحو رفع تقدير الذات، فيبكون مفهوماً لماذا تندلع الصراعات حول السلطة والموارد.
هناك نوعان من الهويات الإجتماعية، هويات رأسية وتعرف أيضا بالهويات العميقة أو الثابتة، و فيها تكتسب الهوية عبر التوارث بين الأجيال وتشكل جزء من تعريف المرء لذاته وللمجتمع (مثل الإقليمية والقبلية والدينية، الخ). في الحالة السودانية الهوية الرأسية الأساسية هي الهوية القبلية. الهوية الرأسية تؤثر في سلوك الفرد في السياسة والإجتماع. كما أن هناك هويات أفقية وهذه تتكون بين افراد او مجموعات متساوية في المستوى الاجتماعي وعادة لا تورث (مثل المهنة، الاتجاه السياسي، الانتماء الرياضي، الخ)، وهي غير هرمية، أي لا ترتبط بالسلطة أو التفوق على الآخرين (مثلا: هوية المدينة، او المهنة). وأحد أهم الهويات الأفقية في السياسة السودانية هي الهوية الحزبية. ويمكن حين المقارنة بين الهوية الحزبية كهوية الافقية وبين الهوية القبلية كهوية رأسية فهم لماذا يصعب حل بعض القضايا السودانية لارتباط الهوية الرأسية بالهوية الذاتية بصورة اعمق.
والهويات ليست شيئاً جامداً، إذ أنها تتشكل وتتبدل من خلال التفاعلات الإجتماعية. ويمكن للمرء أن تكون له أكثر من هوية اجتماعية في الوقت ذاته.
تجربة الحكم الوطني في السودان تميزت بنشوء صراعات جهوية وحروب أهلية أدت إلى استقطابات مجتمعية عميقة، يلمس جزء منها الهويات الإجتماعية للمواطنين. تصميم أي دستور جديد للسودان لا يأخذ في الاعتبار هذا التاريخ والمخاوف الناتجة عنه، ستكون لها عواقب كبيرة على مستقبل البلاد واستقرارها

٥. الثنائيات القاتلة: من الصراع الصفري إلى التركيب الجدلي
هناك ثنائيات كثيرة في السودان أدت إلى استقطابات حادة، تراكمت على مدى عقود من الإخفاق في بناء مؤسسات قادرة على استيعاب التنوع وإدارة الصراع. هذا الوضع ضاعف من تغليب العواطف على العقل في كافة شئون المجتمع بما فيها القضايا السياسية. وبدون وضع حلول لهذه الثنائيات في نصوص دستورية واضحة، فسوف لن تبلغ البلاد الإستقرار السياسي المطلوب للتطور والازدهار. الدولة الحديثة هي في الأصل ليست كيانًا متجانسًا، ولكنها تركيب تاريخي يجمع بين عناصر متعارضة بطبيعتها: (السلطة والحرية)، (الوحدة والتعدد)، (الأغلبية والحقوق) و(الأمن والمساءلة). هذه التوترات ليست عيوبًا طارئة، بل جزء من طبيعة الدولة ذاتها. محاولة إلغاء أحد الأقطاب تؤدي غالبًا إلى اختلال النظام ككل.
يمكن الاستفادة منهجيًا من التصور الجدلي Hegelian) dialectic) عند الفيلسوف الألماني هيغل (Georg Wilhelm Friedrich (Hegel لفهم هذه التوترات . غير أن المقصود هنا ليس تبني الصيغة المدرسية الشائعة التي تعرض الجدلية بوصفها كثلاثية (أطروحة – نقيض – تركيب)، ولا اعتبارها قانونًا حتميًا يحكم مسار التاريخ، بل الاستفادة من الفكرة الأعمق في التفكير الجدلي: أن التناقضات الداخلية في أي نظام ليست خللاً طارئًا، بل هي محرك تحوله، وأن تجاوزها لا يتم بإلغاء أحد أطرافها، بل بإعادة تنظيم العلاقة بينها في إطار أعلى من العقلانية المؤسسية.
بهذا المعنى، لا يكون “التركيب” حلًا وسطًا حسابيًا، بل مستوى أكثر نضجًا من التنظيم يستوعب عناصر التوتر داخل بنية دستورية متماسكة. والأهم أن هذا التحول ليس مضمونًا سلفًا؛ إذ قد يؤدي سوء الإدارة إلى انتكاس أو إعادة إنتاج الأزمة في صورة أكثر حدة.
وعليه، فإن الدستور المقترح لا يسعى إلى حسم هذه الثنائيات لصالح طرف على آخر، بل إلى إعادة تنظيمها دستوريًا بطريقة تقلل احتمالات الصراع الصفري، وتحوّل التوتر البنيوي إلى مصدر توازن واستقرار

٥.١ ثنائية المركز والأقاليم: من السودنة إلى الشعور بالاستحقاق
تُعتبر ثنائية المركز والأقاليم من أبرز التحديات التي تتحمل تكلفتها المجتمعات متعددة الهويات والأعراق. في حالة السودان، ترتبط هذه الثنائية بنشوء الحروب الأهلية التي أدت الى مقتل ملايين المواطنين والى انفصال جنوب السودان، ولذلك يمكن اعتبارها الثنائية الأكثر أهميةً. أدى لظهور هذه الثنائية غياب مؤسسات قوية وآليات إدارة فعالة للدولة ككل وإدارة التنوع على وجه الخصوص. وبالإضافة للحروب وأيضاً كنتيجة لها، تراكم احتقان اجتماعي أدى إلى انتشار خطاب الكراهية. قلص هذا الوضع فرص التنمية والازدهار، وخلق حلقة من ضعف الموارد والتهميش الاقتصادي الذي تغذيه الصراعات المسلحة.
أحد المحاور المهمة في هذا السياق هو عملية السودنة، والتي، بدلاً عن إستخدامها للوصول الى دمج الأقاليم المختلفة ضمن هيكل الدولة الواحدة وتطوير قدرات إدارية محلية، فإنها صارت المحرك الأساسي لتكون الكيانات السياسية الاقليمية. نتيجة للحيف الظاهر في سودنة الوظائف العليا في البلاد بين الأقاليم المختلفة، تكونت كيانات إقليمية مستقلة، مثل المؤتمر البجا (1958)، واتحاد جبال النوبة، و جبهة نهضة دارفور (1959)، والتي تكونت جزئيًا نتيجة عجز السودنة عن استيعاب وإدارة التنوع المحلي.
رغم أن المدة الأصلية المخططة للسودنة كانت ٣٦ شهرًا، فإن التعجل باتمامها في ١٨ شهراً، حد من فعالية البرنامج في بناء قدرات مؤسسية حقيقية في الأقاليم. كما صاحبت عملية السودنة اعتماد اختيار الأفراد على العلاقات الحزبية والاجتماعية بدلًا عن وضع أسس مؤسسية شفافة مع خطط مستقبلية تطمئن الأقاليم. عليه، فإن ضعف التعليم في الأقاليم لم يكن العامل الوحيد في تفاقم الأزمة، لأن الذين قادوا الكيانات الإقليمية أعلاه، كانوا من النخب الإقليمية المتعلمة.
بالإضافة إلى ذلك، أدى تركيز المناصب العليا في الدولة في يد أفراد من مناطق معينة إلى خلق آثار نفسية واجتماعية متباينة. من جهة، أدى إلى شعور بالاستحقاق والتفوق لدى بعض المجموعات، حيث يُنظر إلى السيطرة على المناصب العليا كدليل على التميّز والحق في اتخاذ القرارات. ومن جهة أخرى، ولد هذا التركيز شعورًا بـ الظلم المتعمد لدى المجموعات الأخرى، خاصة لأن التوزيعات كان غير شفافة أو غير متوازنة، ما عزز شعورًا بالإقصاء والتهميش، وزاد من الاحتقان الاجتماعي والشكوك بين المجموعات المختلفة. وربما كانت عملية السودنة سابقة خطيرة رسخت في اللاوعي ثقافة التسامح والتعايش مع اختلالات عدالة التمثيل في الكيانات القومية، لدرجة رؤية سوء التمثيل هذا حتى في الأحزاب والمنظمات الحديثة التي تبني برامجها على محاربة التهميش.
وقد يختلف الناس حول الأسباب التى قادت الى الوضع الحالي، ولكن ما هو مؤكد هو أهمية الإتفاق على ما يجب أن يكون عليه المستقبل. فما جرى ام يكن أمراً حتمياً فرضته ظروف خروج البلاد من الإستعمار أو التنوع الكبير في المجتمع السوداني.المقارنة بالتجربة الهندية توضح أن وجود مؤسسات قانونية وإدارية واضحة، ودمج المجموعات المتنوعة ضمن سياسات شاملة وشفافة، يمكن أن يقلل من الاحتقان الاجتماعي ويُسهم في إدارة الصراعات بطريقة أكثر سلمية ومنظمة. ويجب التنبيه هنا لأن الهند أكتملت فيها عناصر ال الليبرالية الأخرى من فصل للسلطات، قضاء مستقل،إحترافية الخدمة المدنية.
بالتالي، يمكن القول إن تعزيز المؤسسية، الشفافية، والتخطيط المعرفي لإدارة التنوع المحلي يمثل عوامل مركزية للحد من الصراعات المتكررة، أكثر من التركيز على الأخطاء الفردية أو النوايا الشخصية.

بعد خاص: ثنائية العروبة والأفريقانية – عرض أم مرض؟
لا يتجاهل هذا التحليل ثنائية العروبة و الأفريقانية. ولكنها، رغم حضورها القوي في الخطاب السياسي والاجتماعي السوداني، تُفهم في سياق هذه الدراسة بوصفها تجلياً للثنائيات البنيوية السابقة وليس بديلاً عنها. فالصراع حول الهوية العربية أو الأفريقانية لا ينشأ في فراغ، بل يشتعل عندما تفشل مؤسسات الدولة في توزيع السلطة والثروة بعدالة، وعندما تشعر مجموعة ما بأن هويتها الرأسية (كما حللنا في ٣) مهمشة أو مهددة. الخطاب الذي يركز على “الأصالة العربية” أو “الجذور الأفريقانية” غالباً ما يكون قناعاً لصراع على الموارد أو تعبيراً عن جرح تاريخي في تقدير الذات الجمعي. ولذلك، فإن المعالجة الحقيقية لهذه الثنائية تكون ببناء دولة دستورية محايدة تحمي التنوع الثقافي وتضمن لجميع المواطنين كرامة متساوية، بغض النظر عن هويتهم اللغوية أو الإثنية. عندها تتحول هذه الثنائية من مصدر استقطاب إلى عنصر ثراء ثقافي.

٥.٢ ثنائية الدين والدولة: مسارات متباينة ونماذج مقارنة
جدلية “الحكم الإسلامي” و “الحكم العلماني” هي أحد أكثر الجدليات تعقيداً. يبدأ التعقيد في أن الداعين للحكم الإسلامي لا يتفقون على ماهية ذاك الحكم ولا تفاصيله، ولا يفعل ذلك المناهضون لذلك الحكم. وكذلك الداعون للحكم العلماني، فلا هم متفقون على ماهيته العلمانية ولا مناهضيهم يفعلون. والرافضون للعلمانية لهم مقارنات بدول علمانية كثيرة تسؤهم بعض مظاهر الحياة فيها فيخلصون لعلاقة سببية بين العلمانية وذلك السلوك. كما أن لرافضي الحكم الإسلامي ذكريات حية لقوانين الشريعة الإسلامية (قوانين سبتمبر في عهد النميري ١٩٨٥) وما سببته من إنتهاكات لخصوصية، أجساد وأنفس السودانيين. كما لم يزل كثير من الإسلاميين الذين أتوا بعهد الإنقاذ (١٩٨٨-٢٠١٩) الجائر يمشون بين الناس.
كانت العلمانية حل وجودي لأوروبا حينما ظهرت في العصور الوسطى. فالكنسية سيطرت فعلياً على المجتمع والسياسة، كليها، بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية حوالي ٤٧٦ ميلادية ونشأت بعدها الإمبراطورية الرومانية المقدسة. بدأت محاولات تحرير العقل من التفسير الديني للطواهر الطبيعية بكوبرنيكوس وجاليلو. ولكن التحدى الوجودي الذي واجهته القارة العجوز كان اثر بروز المنهج الإصلاحي لمارتن لوثر فخلق هويتين اجتماعيتين دينيتين (الكاثوليك) و (البروتستانت) وصلت قمة الصراع بينهما في حرب الثلاثين عاماً والتي مات فيها من القتل، الجوع والمرض حوالي ٤-٨ ملايين انساناً، اغلبهم في ألمانيا، والتي مات في بعض مناطقها حوالي نصف السكان. كانت معاهدة وستفاليا (١٦٤٨) حلاً أوقف الاقتتال بإبعاد الدين عن السياسة. أي، بجعل الدين شيئاً خاصاً. مع مرور الزمن وتراكم الأحداث مروراً بحرب الإستقلال الأمريكية وتكوين الجمهورية الأمريكية والثورة الفرنسية وتكوين دول مع بعد الاستعمار، وصلنا نموذجين رئيسيين للعلمانية:

  • العلمانية الانجلو/ساكيونية: كما في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وبعض دول اروبا الغربية، وهي علمانية متسامحة مع الدين. تطورت هذه العلمانية في بريطانيا تدريجيا منذ انفصال الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابا في روما في في عهد الملك هنري الثامن وصار الملك بعدها رأساً للكنيسة وللدولة. أما في أمريكا، فقد كان أغلب المهاجرين قد تركوا اروبا نتيجة الاضطهاد الديني وكان هاجسهم هو منع سيطرة مجموعة دينية بعينها على جهاز الدولة، فابتدعوا دستوراً يحقق ذلك.
  • العلمانية الفرنسية: وهي علمانية صارمة مع الدين وتمنع ارتداء الرموز الدينية في الفضاء العام (مثل الحجاب والصليب). هذا الوضع فرضته السلطة القوية للكنيسة في الدولة وفي شئون الناس قبل الثورة الفرنسية.
    كان للعالم الإسلامي مسار مختلف بين الدين والدولة. ففي العالم السني الذي ينتمي لمحيطه السودان، كانت السلطة العليا هي السلطة السياسية وكانت حصرياً لأمير المؤمنين، الملك أو السلطان، وكان دور رجال الدين هو دور استشاري فقط. ولم يكن لرجال الدين نفس المكانة الكهنوتية كما في المسيحية وإنما كانوا فقهاء. العالم في الإسلام هو فقيه في الشريعة وليس رجل دين بالمعنى الكهنوتي كما كان في الغرب. ولم تكن هناك مؤسسة فقهية تشبه الكنيسة. الأزهر مثلاً، وهو قد انشئ عام ٩٧٠ ميلادية كمؤسسة دينية شيعية ثم تحول الى مؤسسة سنية، كان يحتكر حق الفتوى، أي يحتكر العلم الديني، ولكن الكنيسة كانت تحتكر “الخلاص” أي لا خلاص خارج الكنيسة وكانت تمتلك سلطة مقدسة (الأسقف والكاهن كانوا وسطاء بين الناس والله). وهذه اشياء ضد تعاليم الإسلام نفسه. ومنذ عهد محمد على باشا فقد الأزهر استقلاله السابق ومنذ ١٩٦١ صار الأزهر مؤسسة تابعة للدولة وشيخه يعينه رئيس الجمهورية.
    الجديد في العالم الإسلامي اذاً هو تغير مفهوم الدولة نفسها. هذا المفهوم الجديد أتى به الاستعمار الأوربي بعد إكتمال تطور مفهوم الدولة الحديثة وتبلور شروطها، ومن ضمن هذه الشروط هي السيادة الإقليمية، أب دولة ذات حدود معترف بها عالمياً، اذ ان ما كان سائداً قبلها هو دار الاسلام ودار الحرب. الشرط الثاني هو مفهوم المواطنة المتساوية، إذ إن الناس قبلها كانوا أهالي او رعايا ومسلمين وذميين. والشروط التي تشكل مشكلة هي السيادة الشعبية، القانون الوضعي والعلمانية، وكل هذه اعتبرت من قبل الكثيرين مضادة لتعاليم الإسلام، رغم أن هنالك مفكرين مسلمين يرون أن العلمانية ضرورية لإخراج وتنزيه الإسلام من ممارسات السياسة (حسب ما رأى المفكر فرج فودة) بينما يرى آخرون أن العلمانية لا تتعارض مع الإسلام ويمكن التوفيق بينهما (كما ذهب المفكر محمد اركون).
    ومهما يكن من أمر، فالواقع إن العلمانية تلاقي رفضا من قبل قطاع مقدر من السودانيين، وربما لا يملك هؤلاء أن يتفقوا على أساس فقهي يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية. في نفس الوقت فإن العالم نفسه قد تغير بحيث صار تطبيق الشريعة وفق تصوراتها الفقهية الكلاسيكية يصطدم ببنية الدولة الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية والسيادة الشعبية. هذا المعضلة واجهت نظام الإنقاذ مثلا، فلا هم نفذوا الشريعة ولا هم أقاموا دولة حديثة.
    فهل يمكن التوفيق بين قطبي الجدلية هذين؟ ربما كان من المفيد دراسة كيفية تعامل أكبر دولتين إسلاميتين من ناحية عدد السكان ومع وجود أقليات دينية معتبرة مع هذه القضية، وهما اندونيسيا وماليزيا ودراسة حالة دولتين افريقيتين، أحدهما شديدة الشبه بالسودان (النيجر) والأخرى تختلف عن السودان في تركز المسلمين في جزء من الدولة (نيجيريا):
    إندونيسيا: دولة مدنية تقوم على فلسفة بانشاسيلا؛ لا تنص على الشريعة وطنيًا، لكنها تعترف بالدين رسميًا، وتُطبَّق الشريعة في الأحوال الشخصية وبعض الأقاليم مثل آتشيه ضمن إطار دستوري موحد.
    ماليزيا: الإسلام دين الاتحاد دستوريًا مع ضمان حرية الأديان؛ نظام قانوني مزدوج: محاكم مدنية اتحادية ومحاكم شرعية للمسلمين في الأحوال الشخصية، مع استمرار التوتر حول حدود الاختصاص والصلاحيات
    النيجر:دولة علمانية دستوريًا؛ الإسلام دين الأغلبية دون صفة رسمية. القانون مدني موحّد، مع تأثير اجتماعي للشريعة في الأعراف والأحوال الشخصية، دون نظام قضائي شرعي موازٍ للدولة.
    نيجيريا: دولة اتحادية علمانية رسميًا؛ لكن منذ 1999 تطبق ولايات شمالية ذات أغلبية مسلمة الشريعة جنائيًا وأحوالًا شخصية، إلى جانب القانون الاتحادي، ما أوجد نظامًا قانونيًا مزدوجًا وتوترات دينية وسياسية.
    بفهم كل تعقيدات الهوية والتاريخ الاستعماري والتاريخ السياسي ومع الوضع في الاعتبار التقدم المفاهيمي الكبير في عالمنا المعاصر عن الدولة وحقوق الإنسان، يصير لزاماً علينا الوصول الى منتج مبتكر. هذه النماذج الأربعة المقدمة أعلاه لدول ذات أغلبية سكانية مسلمة تقدّم دليلاً على أن الخروج من الثنائية ممكن، وأن الحل ليس إما علمانية صارمة أو دولة دينية، بل تصميم دستوري يأخذ في الاعتبار خصوصية كل مجتمع. التحدي أمام السودان ليس اختيار أحد النموذجين الأوروبيين، بل ابتكار صيغة مستلهمة من تجارب دول مشابهة (كإندونيسيا والنيجر)، تراعي هويته الإسلامية وتحترم في الوقت نفسه مبادئ المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان

٥.٣ ثنائية المدني والعسكري: الانقلاب كعرض والمسؤولية المشتركة
منذ الاستقلال، دخل السودان في حلقة مفرغة قوامها: تجربة ديمقراطية قصيرة، يعقبها انقلاب عسكري يفضي إلى حكم استبدادي، ثم انتفاضة شعبية تفتح فترة انتقالية تنتهي بانتخابات، لتبدأ دورة جديدة من عدم الاستقرار. هذه الدائرة لم تكن مجرد تعاقب أنظمة، بل تعبيرًا عن خلل بنيوي في علاقة المدني بالعسكري وفي طبيعة الممارسة السياسية نفسها.
ورغم أن غالب الخطاب السياسي ركّز على ضرورة إصلاح المؤسسة العسكرية، فإن الحديث عن إصلاح الأحزاب وتجويد الممارسة الديمقراطية ظل محدودًا، بل أحيانًا يُواجَه بالتخوين بوصفه تبريرًا لحكم العسكر. هذا الاختزال يُضعف فرص الخروج من الحلقة المفرغة، لأن الظاهرة – كغيرها من الظواهر الاجتماعية – متعددة الأسباب.
الانقلاب كعرض لا كأصل المرض
الانقلابات العسكرية لا تنشأ من فراغ، بل تتغذى على بيئة سياسية ومؤسسية مضطربة. صحيح أن من أسبابها المباشرة طموح بعض القيادات العسكرية للحفاظ على النفوذ والامتيازات، وضعف النصوص الدستورية المنظمة للعلاقة بين الجيش والسلطة المدنية، لكن الدراسات المقارنة في دول ما بعد الاستعمار تشير كذلك إلى عوامل أخرى لا تقل أهمية، منها: ضعف الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب، هشاشة مؤسسات الدولة وغياب ثقافة سياسية تؤمن بالفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الانقلاب بوصفه “عرضًا” لخلل أعمق في بنية الدولة، لا باعتباره سببًا قائمًا بذاته. والتشخيص الصحيح هو شرط المعالجة الصحيحة.
سوء الممارسة الديمقراطية كعامل محفِّز
في السودان، كما في تجارب مثل تركيا وباكستان، سبقت الانقلابات حالات استقطاب حزبي حاد وصراع سياسي أربك مؤسسات الدولة. في عام 1958، انتهى الصراع الحزبي بتسليم رئيس الوزراء السلطة لقائد الجيش، في سابقة خطيرة كرّست مبدأ تدخل المؤسسة العسكرية كفاعل سياسي. وفي عام 1968، تجاهلت الأغلبية البرلمانية حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية حل الحزب الشيوعي، في إخلال واضح بمبدأ الفصل بين السلطات. مثل هذه الممارسات أضعفت الشرعية الدستورية، ومهّدت لانقلاب 1969 وما تبعه من نظام استبدادي طويل. هذه الوقائع لا تبرر الانقلاب، لكنها تبرز أن هشاشة الثقافة الدستورية وغياب الانضباط المؤسسي يخلقان بيئة مواتية لتدخل الجيش.
ضعف البناء الدستوري للعلاقة المدنية-العسكرية
عانت الدساتير السودانية المتعاقبة من قصور في تنظيم العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية.

  • دستور 1956 المؤقت نص على أن مجلس السيادة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنه لم ينشئ آليات واضحة للرقابة البرلمانية أو ضوابط صارمة للنشاط السياسي والاقتصادي داخل الجيش.
  • دستور 1964 لم يضف تنظيمًا جوهريًا جديدًا.
  • دستور 1973 دمج فعليًا السلطتين المدنية والعسكرية في يد الرئيس.
  • دستور 1985 أقر خضوع الجيش للسلطة التنفيذية، لكنه لم يؤسس مجلس دفاع قومي بصلاحيات واضحة ولم يضع قيودًا دستورية محكمة على التسييس داخل المؤسسة العسكرية.
  • دستور 1998 أنشأ مجلس دفاع وأمن، لكنه جاء في سياق اندماج الحزب الحاكم مع الدولة.
  • دستور 2005 نص على مهنية وقومية القوات المسلحة وحظر النشاط السياسي داخلها، إلا أن الرقابة البرلمانية على ميزانية الدفاع ظلت ضعيفة.
  • أما الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية بعد 2019، فقد أنشأت مجلس أمن ودفاع ذي أغلبية عسكرية دون إخضاع كامل للقوات المسلحة لرقابة مدنية مستقلة فعّالة.
    هذا التراكم أنتج علاقة عرفية بين المدني والعسكري أكثر منها مؤسسية، ما أبقى المجال مفتوحًا للتأويل والصراع.
    بين الإدانة والمسؤولية المشتركة
    ليس المقصود تبرئة الجيش من مسؤولية الانقلابات، فالمسؤولية القانونية والسياسية عن الاستيلاء على السلطة بالقوة لا لبس فيها. لكن اختزال المشكلة في طرف واحد يحوّل الصراع إلى مواجهة أخلاقية ثنائية (أخيار/أشرار)، ويغذي التفكير الصفري الذي يفترض أن خطأ طرف يعني براءة الطرف الآخر.
    من منظور علم النفس السياسي، الاتهام الجمعي يُستقبل بوصفه تهديدًا للهوية، ما يفعّل آليات دفاعية ويغلق باب المراجعة. أما مقاربة “المسؤولية المشتركة” في إصلاح البيئة السياسية والمؤسسية، فهي تقلل تهديد الذات وتزيد قابلية التعاون. هذه المقاربة لا تعني تساوي المسؤوليات القانونية، بل تعني الاعتراف بأن منع الانقلاب يتطلب إصلاحًا مزدوجًا: ضبطًا دستوريًا صارمًا لدور الجيش، وتجويدًا حقيقيًا لأداء القوى المدنية.
    البعد الإنساني والهوية المركّبة
    ينتمي العسكريون إلى المجتمع، ويتأثرون – هم وأسرهم – بتداعيات الاستقطاب السياسي وسوء الإدارة الاقتصادية. ومن الطبيعي أن يسعوا إلى ضمانات تحول دون انهيار الدولة أو شللها بسبب صراعات حزبية. الطريق المشروع لتحقيق ذلك ليس التدخل في السياسة، بل بناء إطار دستوري يطمئن الجميع: جيش مهني خاضع لرقابة مدنية، وسلطة مدنية منضبطة بالقانون وقادرة على الحكم الرشيد.
    إن بناء الثقة يبدأ بالاعتراف المتبادل بالحاجة إلى الإصلاح. فإصلاح المؤسسة العسكرية لا يكتمل دون إصلاح الأحزاب، كما أن تجويد الممارسة المدنية لا ينجح دون تحصين دستوري يمنع عسكرة السياسة. الخروج من الحلقة المفرغة لا يتحقق بإدانة طرف واحد، بل بإعادة بناء القواعد التي تنظّم العلاقة بينهما على أساس دستوري واضح، ومؤسسات رقابية فعّالة، وثقافة سياسية تعلي من شأن القانون فوق الجميع.

٦. البعد الإقليمي والدولي: صراع المصالح وتداخل السيادات
يمتلك السودان موقعاً جيوسياسياً حساساً: فهو يطل على ساحل بطول ٨٥٠ كم في البحر الأحمر، أحد أهم ممرات التجارة العالمية، وتشترك مياهه (النيل) مع عدة دول، ويجاور ٦ دول أغلبها تعاني عدم استقرار. هذه العوامل جعلت منه ساحة لتنافس مصالح إقليمية ودولية، بلغت ذروتها في الحرب الدائرة حالياً. تسببت الحرب في موت مئات الآلاف من السودانيين بالقتل والجوع والمرض، كما تم تهجير الملايين داخلياً وخارجياً وتم تدمير كثير من البنى التحتية.
في هذه الحرب، انخرطت أطراف خارجية بدعم طرفي النزاع، وفق تقارير دولية موثقة (*) فبينما تشير تقارير إلى دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، يتلقى الجيش دعماً لوجستياً وسياسياً من مصر وتركيا والسعودية، التي تعلن دعمها لـ”شرعية الدولة” ممثلة في الحكومة التي يقودها البرهان.
المصالح المُحركة لهذه التدخلات متعددة: فمن جهة، هناك سباق على النفوذ في البحر الأحمر وموانئه، ومن جهة أخرى، صراع على موارد السودان (كالذهب)، وارتباطات بالصراعات المجاورة (كالحرب في اليمن). وقد أشارت تقارير إلى تهريب كميات كبيرة من الذهب السوداني إلى الإمارات خلال فترة النزاع.
في المقابل، تتحرك الأطراف الداعمة للجيش السوداني بدوافع تتراوح بين الحفاظ على الاستقرار الإقليمي (خشية تداعيات الانهيار السوداني على دول الجوار)، وموازنة النفوذ الإقليمي للخصوم، والحفاظ على شرعية الدولة كمبدأ في النظام الإقليمي.
المهم في سياق هذه الدراسة أن أي مشروع لحل سياسي شامل لا يمكن أن ينجح دون أخذ هذه المصالح المتقاطعة في الحسبان. فالحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً بحتاً، وأي تسوية تحتاج إلى مخاطبة الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، وليس السودانيين فقط.

*· تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن السودان (٢٠٢٤)
· تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش حول انتهاكات الحرب في السودان
· تحقيقات وول ستريت جورنال أو الغارديان حول الدعم الخارجي للأطراف السودانية

٧. خاتمة: نحو دستور يعيد تنظيم التعدد
توضح هذه الدراسة أن التعقيد الذي يعانيه السودان ليس مجرد تراكم لأخطاء سياسية أو صراعات نخبوية عابرة، بل هو تعبير عن إشكاليات بنيوية تتداخل فيها عوامل متعددة، منها غياب فهم دقيق لنوع الديمقراطية المطلوب، وإهمال الأبعاد النفسية والهوياتية للسلوك السياسي، وتراكم ثنائيات اجتماعية حادة عجزت المؤسسات عن استيعابها، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية في الشأن الداخلي

الهدف من هذه الدراسة هو تأسيس أرضية معرفية لأي مشروع دستوري قادم. فمن يريد كتابة دستور للسودان، عليه أن يضع في اعتباره ما يلي:

أولاً: ضرورة التمييز بين الديمقراطية الإجرائية (حكم الأغلبية المطلقة) والديمقراطية الليبرالية المقيدة بالدستور. أي دستور ناجح يجب أن يختار بشكل واضح نموذج الجمهورية الدستورية، حيث الدستور هو الضامن للحقوق والحد من سلطات الحاكم والأغلبية على السواء.

ثانياً: الاعتراف بأن الاختلاف السياسي ليس مجرد خلاف على مصالح، بل هو متجذر في الهويات والتجارب النفسية والقيم العميقة. أي نص دستوري لا يأخذ هذا البعد في الحسبان، سيفشل في استيعاب الصراعات الحقيقية، وسيظل خطاباً سطحياً لا يلامس دوافع الناس الحقيقية.

ثالثاً: مواجهة الثنائيات القاتلة (المركز/الأقاليم، الديني/العلماني، المدني/العسكري) لا تكون بإلغاء أحد قطبيها، بل بإعادة تنظيم العلاقة بينهما في إطار دستوري يحولها من مصدر صراع إلى عنصر توازن. على واضع الدستور أن يسأل: كيف يمكن لبنود الدستور أن تطمئن الأقاليم؟ كيف يمكنها أن تستوعب التدين دون أن تسمح بدولة دينية؟ كيف يمكنها أن تضبط العلاقة بين المدنيين والعسكريين دون أن تخلق وصاية لأحد الطرفين؟

المقارنة بتجارب دول مثل الهند وإندونيسيا والنيجر تظهر أن هذه الحلول التركيبية ممكنة، وأن بناء مؤسسات شفافة وعادلة هو الطريق الوحيد لكسر الحلقة المفرغة من الديمقراطيات القصيرة والانقلابات المتكررة.

رابعاً: استحضار السياق الجيوسياسي كعامل لا يمكن تجاهله. أي دستور يُكتب دون أن يضع في اعتباره أن السودان واقع في منطقة صراع مصالح إقليمية ودولية، سيكون دستوراً مثالياً لا يصمد أمام اختبار الواقع.

في النهاية، تبقى الغاية الأسمى هي بناء دولة تحفظ كرامة كل مواطن، بغض النظر عن هويته الرأسية أو الأفقية، وتضمن له مشاركة متساوية في الثروة والسلطة. ما قدمته هذه الدراسة هو تشخيص للإشكاليات التي يجب أن يعالجها أي مشروع دستوري. وأما كتابة النصوص الدستورية نفسها، فهي مسؤولية جماعية تحتاج إلى نقاش موسع يشارك فيه الفقهاء والسياسيون والمجتمع المدني، وتسترشد بما تقدمه الدراسات من أطر معرفية. والتذكير ضروري: النصوص وحدها لا تصنع الاستقرار، بل تحتاج إلى إرادة سياسية وثقافة مجتمعية تؤمن بأن الاختلاف ليس حرباً، وأن التوافق ليس هزيمة

عن د. أيمن بشرى

د. أيمن بشرى

شاهد أيضاً

تصور لحل إشكالية قسمة السلطة المركزية

د. أيمن بشرى ٢٠ فبراير ٢٠٢٥ aymen.b.ahmed@gmail.com ١. المقدمة صراع البشر على السلطة ظاهرة اجتماعية …