عند بزوغ شمس 15 أبريل، تكون قد مرت ثلاثة أعوام كاملة على اندلاع الحرب في بلادنا الحبيبة، التي تدخل الآن عامها الرابع، دون بوادر حقيقية لسلام يلوح في الأفق القريب. وفي ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاقها، تتفاقم معاناة المواطنين بشكل غير مسبوق، حيث تجاوز عدد النازحين داخليا وعبر الحدود نحو 14 مليون شخص منهم 9 ملايين نازحون داخليًا، بينما عبر 4.4 مليون شخص الحدود نحو الدول المجاورة، في واحدة من أكبر وأسوأ أزمات النزوح في العالم وأكثرها كارثية.
وفي هذا الإطار تؤكد النقابة أن الحرب ليست نقيضاً لثورة ديسمبر العظيمة فحسب، بل هي انحرافٌ عنها وارتدادٌ على أهدافها النبيلة، كما أنها ليست حدثاً معزولاً، بل نتيجة مباشرة لمسارٍ سياسيٍ مختلّ أعقب الثورة. لقد فتحت ثورة ديسمبر الأفق واسعاً أمام التحول المدني والدولة الديمقراطية، غير أن تعثّر الانتقال بفعل قوى مدنية وعسكرية على السواء، أسهم في إنتاج الشروط التي قادت إلى اندلاع الحرب.
الصحافياتُ والصحافيُون
لقد أدت هذه الحرب اللعينة إلى تداعيات إنسانية بالغة الخطورة، إذ حُرم أكثر من 17 مليون طفل من التعليم، بينما يواجه ما يزيد عن 25 مليون شخص — أي أكثر من نصف السكان — مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع تسجيل حالات مجاعة فعلية في عدد من المناطق. كما خرجت نحو 80% من المرافق الصحية في مناطق النزاع عن الخدمة، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، واستمرار استهداف الكوادر الصحية، وانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة بمعدلات مخيفة.
يا حُماة الحقيقة
وفيما يتعلق بقطاع الإعلام، فقد شهدت الساحة السودانية تفشياً مقلقاً وغير مسبوق لخطاب الكراهية، الذي اتخذ أبعاداً خطيرة تهدد السلم المجتمعي وتغذي الانقسامات على أسس عرقية وجهوية وسياسية.
وقد أسهم غياب المؤسسات الإعلامية المهنية، إلى جانب الاستقطاب الحاد، في خلق بيئة خصبة لتداول المعلومات غير الموثوقة، حيث انتشرت الأخبار الكاذبة والمضللة بشكل واسع، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي باتت المصدر الرئيسي للأخبار لدى شريحة كبيرة من المواطنين.
كما لوحظ توظيف ممنهج للمعلومات المضللة كأداة في الصراع، بهدف التأثير على الرأي العام، وبث الذعر، وتقويض الثقة بين مكونات المجتمع، وهو ما أدى إلى تعقيد المشهد الإنساني والسياسي على حد سواء.
وتفاقم هذا الوضع في ظل غياب آليات فعالة للتحقق من المعلومات، وتراجع دور الصحافة المهنية المستقلة، نتيجة الاستهداف المباشر للصحفيين والمؤسسات الإعلامية. إن انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة لا يشكل فقط تهديداً لحرية التعبير، بل يمثل خطراً حقيقياً على وحدة النسيج الاجتماعي، ويقوض فرص السلام والاستقرار.
الزملاء الكرام
كما تعلمون، فالصحافة ظلت على الدوام في قلب الحدث، لذلك استهدفتها الأطراف المتحاربة منذ الوهلة الأولى، ما أدى لتوقف عدد كبير من المؤسسات الإعلامية عن العمل، وتدمير أو نهب أكثر من 60 مؤسسة. وقد وثّقت نقابة الصحفيين السودانيين أكثر من 500 انتهاك طالت المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها، شملت مقتل أكثر من 35 صحفياً وصحفية، ولا يزال عدد من الصحفيين رهن الاعتقال أو في عداد المختفين قسرياً.
كما أدت الحرب وسياسات الإفقار الممنهجة إلى زيادة معدلات الفقر وسط الصحفيين، الأمر الذي يفضي إلى نتائج خطيرة، على رأسها هجر المهنة والعزوف عنها.
ونؤكد أن استهداف الصحفيين وتقييد العمل الإعلامي يمثل انتهاكاً مباشراً لحرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة، ويسهم في انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي. وفي هذا الصدد نشير إلى أن استهداف الصحفيين ليس عرضاً جانبياً، بل جزء أساسي في معركة السيطرة على الرواية، فالحرب كما تعلمون تدار إعلامياً كما تدور في ميادين القتال.
وفي هذا السياق تدعو النقابة لإطلاق سراح جميع الصحفيين المعتقلين وإنهاء حالات الإخفاء القسري. وضمان حرية الوصول إلى المعلومات في كافة مناطق النزاع. لأنه في ظل غياب أو تغييب الصحافة الحرة، عمداً، تتناقص فرص توثيق الجرائم والانتهاكات وتُخفى الأدلة والقرائن ما يسمح بتقليل مساحة المساءلة وزيادة معدلات الإفلات من العقاب.
الصحافيون والصحافيات
انطلاقًا من مسؤوليتها المهنية والوطنية، تؤكد نقابة الصحفيين السودانيين موقفها الرافض للحرب كوسيلة لحل النزاعات، وتشدد على أن الحل يكمن في مسار مدني سلمي قائم على مبادئ الحرية والسلام والعدالة على نهج ديسمبر العظيم.
كما تؤكد النقابة تمسكها بوحدة السودان أرضاً وشعباً، ورفضها لأي محاولات للتقسيم أو التفكيك. وفي هذا السياق، تعلن دعمها للمبادرات الوطنية الهادفة إلى حماية حق التعليم، بما في ذلك المبادرة القومية الطارئة لمعالجة أزمة امتحانات الشهادة السودانية لعام 2026، مع التأكيد على ضرورة تمكين جميع الطلاب من أداء امتحاناتهم في ظروف عادلة ومنصفة.
كلمة أخيرة
ختاماً، فإن استمرار هذه الحرب في ظل غياب تحرك دولي فعال، واستمرار الانتهاكات من قبل أطراف النزاع، يؤدي إلى تعميق الأزمة وإطالة أمد المعاناة. وتدعو نقابة الصحفيين السودانيين جميع القوى المدنية والمجتمعية إلى تكثيف الجهود من أجل إنهاء الحرب، وإحلال السلام، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
نقابة الصحفيين السودانيين
15 أبريل 2026
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم