بقلم: لوال كوال لوال
في البلدان التي تبحث عن طريقها نحو الاستقرار الاقتصادي، غالبًا ما تبدأ الرحلة من الأرض. فالزراعة ليست مجرد نشاط تقليدي، بل هي العمود الفقري لأي اقتصاد يسعى للاعتماد على نفسه. ومن هذا المنطلق، جاء قرار تخصيص يوم الجمعة ليكون يومًا للزراعة في جنوب السودان، في محاولة لإعادة ربط المجتمع بالإنتاج، وتعزيز ثقافة العمل، وتقليل الاعتماد على الاستيراد. غير أن هذا القرار، على أهميته، يكشف في تطبيقه عن مفارقة مؤلمة بين الفكرة والواقع، بين ما يُعلن وما يُمارس. في كل صباح جمعة، تتكرر المشاهد ذاتها. مكاتب حكومية تُغلق أو تُفرغ من موظفيها، لكن الحقول لا تمتلئ بهم كما كان مأمولًا. بدلًا من ذلك، تتجه مجموعات منهم إلى جلسات اجتماعية، حيث تمتد ساعات النهار بين لعب الكتشينة والدومينو، أو تبادل الأحاديث، وكأن اليوم قد أُعلن إجازة رسمية غير معلنة. هنا، يتحول القرار من أداة إنتاج إلى مساحة للهروب من العمل، ومن مبادرة وطنية إلى ممارسة شكلية بلا مضمون. هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في سلوك فردي عابر، بل هي انعكاس لبنية أعمق تعاني من اختلالات متعددة. أول هذه الاختلالات هو غياب الرؤية الواضحة. فالدولة حين تقرر تخصيص يوم للزراعة، لم تُحدد بدقة: ماذا يعني ذلك؟ هل المطلوب أن يذهب كل موظف إلى أرضه الخاصة؟ أم إلى مشاريع جماعية؟ ومن سيوفر الأدوات؟ ومن سيتابع النتائج؟ هذه الأسئلة، التي تبدو بديهية، تُركت دون إجابات، مما جعل القرار مفتوحًا للتأويل، وبالتالي عرضة للإهمال. ثانيًا، هناك غياب واضح لآليات المتابعة والمساءلة. في الأنظمة التي تنجح في تحويل السياسات إلى واقع، تكون هناك دائمًا جهة مسؤولة عن التقييم، تقيس الأداء، وتكافئ المجتهد، وتحاسب المقصر. أما في الحالة التي نحن بصددها، فإن يوم الزراعة يمر دون أن يسأل أحد: ماذا زرعنا؟ ماذا أنتجنا؟ ومن شارك فعليًا؟ وبهذا، يفقد القرار قوته الإلزامية، ويتحول إلى خيار شخصي لا يترتب عليه أي أثر. ثالثًا، لا يمكن تجاهل مسألة الحوافز. فالإنسان بطبيعته يستجيب لما يحقق له فائدة مباشرة. وإذا لم يشعر الموظف بأن مشاركته في الزراعة ستعود عليه بعائد ملموس، سواء كان ماديًا أو معنويًا، فإنه سيبحث عن بدائل أكثر راحة. وهذا ما يحدث بالفعل، حيث تُفضل الغالبية قضاء الوقت في أنشطة اجتماعية سهلة بدلًا من الانخراط في عمل زراعي يتطلب جهدًا دون مقابل واضح. لكن المشكلة الأعمق تكمن في ثقافة العمل ذاتها. حين يُنظر إلى الوظيفة العامة باعتبارها مصدر دخل ثابت غير مرتبط بالإنتاج، تتراجع قيمة العمل الحقيقي. وحين تصبح الزراعة، وهي من أشرف المهن، مرتبطة في الذهن بالمعاناة أو التخلف، فإن أي محاولة لفرضها بقرار إداري ستواجه مقاومة صامتة. وهنا، لا يكفي إصدار القرارات، بل يجب العمل على تغيير القناعات. إن تحويل الزراعة إلى ثقافة يتطلب جهدًا طويل الأمد، يبدأ من التعليم، ويمر بالإعلام، وينتهي بالممارسة اليومية. يجب أن يرى الناس نماذج ناجحة لموظفين استطاعوا الجمع بين العمل المكتبي والإنتاج الزراعي، وأن يشعروا بأن هذا المسار ممكن ومربح. كما يجب أن تُعاد صياغة الخطاب حول الزراعة، لتُقدم كفرصة لا كعبء، وكخيار ذكي لا كواجب مفروض. من جهة أخرى، لا يمكن إغفال دور القيادة. فحين يلتزم المسؤولون بأنفسهم بالمشاركة في الأنشطة الزراعية، ويظهرون ذلك بشكل عملي، فإنهم يرسلون رسالة قوية للمجتمع. أما إذا ظلوا بعيدين عن هذا الواقع، مكتفين بإصدار التوجيهات، فإن الفجوة بين القول والفعل ستتسع، وسيفقد القرار مصداقيته. القيادة هنا ليست في إصدار الأوامر، بل في تقديم المثال. كما أن البنية التحتية تلعب دورًا حاسمًا. لا يمكن مطالبة الناس بالزراعة دون توفير الحد الأدنى من المقومات: أراضٍ صالحة، أدوات، بذور، مياه، ودعم فني. في غياب هذه العناصر، تصبح الزراعة مهمة شاقة، بل مستحيلة في بعض الأحيان. ولذلك، فإن أي سياسة جادة في هذا الاتجاه يجب أن تُبنى على أساس متكامل، لا على قرار معزول. إن الأثر الاقتصادي لنجاح مثل هذه المبادرة يمكن أن يكون كبيرًا. زيادة الإنتاج المحلي تعني تقليل فاتورة الاستيراد، وتحسين الأمن الغذائي، وخلق فرص عمل، وتحريك عجلة الاقتصاد في الريف والحضر على حد سواء. لكن في المقابل، فإن فشلها لا يعني فقط ضياع يوم عمل، بل يعني أيضًا استمرار الاعتماد على الخارج، وتعميق الهشاشة الاقتصادية. على المستوى الاجتماعي، يحمل هذا الموضوع أبعادًا أخرى. فالزراعة ليست فقط وسيلة للإنتاج، بل هي أيضًا نشاط يعزز الروابط بين الناس، ويعيد تشكيل العلاقة مع الأرض. حين يعمل الأفراد معًا في مشاريع زراعية، تنشأ بينهم علاقات تعاون وتضامن، وهو ما تحتاجه المجتمعات الخارجة من النزاعات. لكن حين يُستبدل هذا النشاط بجلسات ترفيهية، تضيع هذه الفرصة. ولا بد من التوقف عند مسألة الوقت كقيمة. في المجتمعات التي تتقدم، يُنظر إلى الوقت باعتباره موردًا ثمينًا يجب استثماره. أما حين يُهدر الوقت بشكل متكرر، دون شعور بالمسؤولية، فإن ذلك ينعكس على كل جوانب الحياة. يوم الجمعة، في حالته الحالية، يعكس هذا الإهدار، حيث تتحول ساعات يمكن أن تكون منتجة إلى وقت ضائع لا يضيف شيئًا. مع ذلك، لا ينبغي أن يكون النقد هدفه الإحباط، بل الإصلاح. فالمبادرة، رغم كل ما يحيط بها من سلبيات، تحمل إمكانية حقيقية للتغيير إذا أُعيد النظر في طريقة إدارتها. يمكن، على سبيل المثال، تحويلها إلى برامج جماعية منظمة، تُشرف عليها مؤسسات محددة، وتُحدد لها أهداف واضحة، وتُربط بنتائج قابلة للقياس. كما يمكن إدخال عنصر المنافسة، من خلال تكريم الجهات أو الأفراد الأكثر إنتاجًا. كذلك، يمكن التفكير في ربط الزراعة بالاقتصاد المحلي بشكل مباشر، بحيث يتم تسويق المنتجات الناتجة عن هذه المبادرات، وتعود أرباحها على المشاركين. هذا الربط بين الجهد والعائد هو ما سيخلق الدافع الحقيقي للاستمرار. فحين يرى الموظف أن ما يزرعه يتحول إلى دخل إضافي، سيتغير سلوكه تلقائيًا. وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجارب دول أخرى نجحت في دمج الزراعة في الحياة اليومية لمواطنيها، دون أن تكون عبئًا عليهم. هذه التجارب تُظهر أن الأمر ممكن، لكنه يتطلب تخطيطًا، وصبرًا، والتزامًا حقيقيًا من جميع الأطراف. في الختام، يمكن القول إن تخصيص يوم للزراعة في جنوب السودان هو فكرة تستحق الاحترام، لكنها في شكلها الحالي تعاني من اختلالات تجعلها أقرب إلى إجازة مقنّعة منها إلى مشروع إنتاجي. وبين الكتشينة والدومينو من جهة، والتراب والبذور من جهة أخرى، يقف المجتمع أمام خيار واضح: إما أن يستمر في إهدار الفرص، أو أن يعيد تعريف علاقته بالعمل والإنتاج. فالبلدان لا تُبنى بالشعارات، بل بالفعل. والأرض، مهما كانت سخية، لا تعطي إلا لمن يزرعها بجدية.
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم