جيش واحد شعب واحد (الجزء الثاني)

جيش واحد شعب واحد: هل وقفات الجيش السوداني مع الشعب السوداني مشرّفة؟ نحو إطار تحليلي نقدي (الجزء الثاني)

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

النتائج

أدى الانقلاب إلى تشكيل المجلس العسكري الانتقالي الذي أعلن عن نية إعادة الديمقراطية وفتح باب الحوار، وتمهيد الطريق لإجراء انتخابات عامة في أبريل 1986م التي أعادت بعض الوجوه المدنية للمشهد السياسي، إلا أن الانقسامات الداخلية والتحديات الاقتصادية والسياسية ظلت تهيمن على الساحة (Wikipedia contributors, 2026)

تحليل قبل/أثناء/بعد الحدث

قبل الحدث: تراجع الدعم الشعبي للحكومة بسبب السياسات الاقتصادية القاسية، وتفاقم حرب الجنوب التي أنهكت الموارد.
أثناء الحدث: توسع الاحتجاجات وارتباطها بالإضرابات العامة وتحالفات مهنية وائتلافات سياسية تطالب بالتغيير.
بعد الحدث: انتقال إلى حكومة انتقالية يقودها الجيش ثم انتخابات، لكنه ترك أثرًا كبيرًا للتدخل العسكري في الحياة السياسية (Wikipedia contributors, 1985)

مؤشر قياس الانحياز

يُقرأ الانحياز هنا كـ تدخل الجيش لإنهاء حكم غير شعبي والاستجابة لضغوط شعبية كبيرة، لكنه احتفظ بدور سياسي قوي بعد ذلك، ما يعكس درجة انحياز أقل مقارنة بـ1964 (Wikipedia contributors, 2026)

2018–2019

السياق

في أواخر ديسمبر 2018م اندلعت احتجاجات شعبية واسعة في مختلف المدن السودانية احتجاجًا على تدهور الأوضاع الاقتصادية، التضخم الحاد، ونقص السلع الأساسية، مع تفاقم الأزمات الاجتماعية بعد سنوات من الحكم الطويل الذي قاده عمر البشير منذ 1989م، ما جعل الحراك الشعبي أكثر تنسيقًا وتنظيمًا من خلال مجموعات شبابية وقوى مهنية (Bevins, 2023)

الفاعلون

تولى قيادة الاحتجاجات المجموعات الشبابية والتنسيقيات المهنية (مثل سائقي النقل والعمال والمعلمين) إضافة إلى التحالفات المهنية والقوى السياسية المعارضة، وسرعان ما انتشرت المظاهرات إلى خارج الخرطوم لتشمل مدنًا مثل الأُبيِّض، بورتسودان، والأُصلِّة (Bevins, 2023)

القرار

استجابة للضغط الشعبي المتزايد، وقّع الجيش السوداني في 11 أبريل 2019م على عزل الرئيس عمر حسن البشير بعد نحو 30 عامًا في السلطة، لينتهي حكمه الذي بدأ بانقلاب عام 1989م، وسط تقاطعات وصراعات بين أجهزة الجيش وقوى المعارضة حول مستقبل الحكم (Aljazeera Encyclopedia, 2023)

النتائج

على الرغم من الإطاحة بالبشير، تباينت نتائج الانتقال السياسي، حيث شكل الجيش مجلسًا عسكريًا انتقاليًا تقاسمه السلطة مع قوى الحرية والتغيير، مما أدى إلى تأخير انتقال كامل للسلطة إلى المدنيين واستمرار حالة من عدم الاستقرار في السنوات التالية (Alnilin.com, 2019)

تحليل قبل/أثناء/بعد الحدث

قبل الحدث: تراكمات من الفقر والبطالة وغلاء الأسعار وانهيار الخدمات العامة.
أثناء الحدث: تنسيق شعبي واسع رغم الرقابة الأمنية، استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الوعي وتعبئة الجماهير.
بعد الحدث: صراعات داخل المؤسسة العسكرية وبينها وبين قوى المعارضة حول تفاصيل الانتقال المدني (Bevins, 2023)

مؤشر قياس الانحياز

يعكس المؤشر انحيازًا جزئيًا، إذ ساهم الجيش في الإطاحة بنظام استبدادي لكنه لم يحقق انتقالًا ديمقراطيًا كاملًا للشعب، مع استمرار نفوذ القوى العسكرية في المرحلة اللاحقة (Alnilin.com, 2019)

الأدوار الإنسانية

التحليل

ظهر الجيش السوداني في بعض الفترات بجانب تقديم مساعدات إنسانية في أزمات كالفيضانات أو استقرار الأمن في مناطق منكوبة، وهذا الدور يُستخدم لتقوية صورته أمام المجتمع، رغم أن اقتصاده وسيطرته في المسار السياسي تظل أكثر بروزًا (Berridge, 2019)

الشرعية السياسية الناتجة

قد تمنح الأدوار الإنسانية شرعية مؤقتة للمؤسسة العسكرية لدى قطاعات من الشعب، لكنها لا تلغي الجدل حول سيطرة الجيش على الساحة السياسية (Berridge, 2019)

قياس تأثيرها على الرأي العام

يمكن قياس تأثير هذه الأدوار عبر استطلاعات الرأي العام وتغير مستويات الثقة في المؤسسة العسكرية مقارنة بالمؤسسات المدنية، ما قد يظهر علاقة مؤقتة بين التقدير الشعبي والمهام الإنسانية (Berridge, 2019)

الحالات السلبية

تصنيف العنف (مباشر/هيكلي/رمزي)

العنف المباشر يظهر في قمع الاحتجاجات بالقوة النارية أو الاعتقالات التعسفية، بينما يظهر العنف الهيكلي في سياسات وإجراءات تقوّض الحريات، والعنف الرمزي في الخطاب الإعلامي الذي يبرر القمع (Berridge, 2019)

تحليل القمع كأداة حكم

يُستخدم القمع كآلية للحفاظ على السلطة بدلًا من منطق انحياز شعبي حقيقي، مما يكشف فجوة بين الخطاب والممارسة في بعض مراحل تاريخ السودان المعاصر (Berridge, 2019)

الخلاصة

مقارنًة بين الحالات الثلاث، يبدو أن الانحياز الشعبي الحقيقي للجيش كان الأعلى في 1964، أقلّ في 1985 بسبب استمرار بقاء الجيش في السلطة بعد الثورة، وجزئي في 2019 إذ لم ينجح في تحقيق انتقال ديمقراطي كامل رغم إطاحة النظام القائم.

خامساً: دوافع الانحياز

العوامل الأساسية

تتعدد العوامل الأساسية التي تدفع المؤسسة العسكرية السودانية إلى مواقف تُفسَّر أحيانًا على أنها انحياز لحركة شعبية أو حكم سياسي معيّن، ومن أهمها الترابط بين دور المؤسسة في السياسة والاقتصاد وتاريخها كفاعل سياسي مركزي في بناء الدولة منذ الاستقلال، نتيجة ضعف البنى المدنية وغياب آليات رقابية فعّالة، مما جعل الجيش يتجاوز مهامه التقليدية في حفظ الأمن القومي إلى التدخل المباشر في مخرجات المسارات الانتقالية والسياسية في البلاد (سوراخ وإلهام، 2024).

كما يشير التحليل إلى أن التشابك بين العوامل التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية جعل الجيش يتبوأ دورًا مركزيًا في الحياة السياسية، ما دفعه إلى التمثل باعتباره “فاعلًا مسؤولًا” تجاه الأزمات الكبرى بدلًا من الاعتماد على المؤسسات المدنية الضعيفة (سوراخ وإلهام، 2024).

تصنيف الدوافع: استراتيجية/تكتيكية/ظرفية

‑ الدوافع الاستراتيجية: تنشأ من رؤية طويلة الأجل للمؤسسة العسكرية للحفاظ على استقرار الدولة وفق تصوّرها، ما يجعلها تتخذ مواقع سياسية عند اشتداد الأزمات لتجنّب تفكك النظام، وهو ما انعكس في مراحل التاريخ السوداني منذ رحيل الإنجليز وحتى الثورة المعاصرة (Rahmtalla، 2025).

‑ الدوافع التكتيكية: تظهر كردود فعل آنية تجاه أحداث مثل الاحتجاجات الشعبية الواسعة أو الانهيار الاقتصادي، ما يدفع المؤسسة إلى اتخاذ قرارات سريعة تهدف إلى “احتواء الأزمة” بمعاييرها الأمنية الخاصة، حتى لو توفّرت مواقف بديلة مدنية (Rahmtalla، 2025).

‑ الدوافع الظرفية: تتعلق بأحداث غير متوقعة مثل الصراع الداخلي أو الخلافات الإقليمية التي قد تضع الجيش أمام خيارات مفاجئة، فيجعل موقفه يبدو كـ«انحياز شعبي» بينما هو في الأصل محاولة للسيطرة على تداعيات ظرفية مفاجئة (Rahmtalla، 2025).

المصالح الشخصية للقيادات

يلعب الموقع المؤسّسي للقيادات العليا داخل الجيش دورًا في تحديد مواقفها السياسية، حيث تميل بعض القيادات إلى حماية امتيازاتها الخاصة داخل بنية الجيش أو ضمان حماية موارد وسياسات اقتصادية معلقة، ما يجعل قراراتهم تبدو متوافقة مع مصالح مؤسسية أكثر من أن تكون انعكاسًا مباشرًا لإرادة الشعب (El‑Battahani، 2016).

إدارة المخاطر

أحد أهم دوافع الانحياز هو تقدير الجيش للمخاطر الأمنية والسياسية، خاصة عندما يرى أن استمرار الفوضى أو انهيار الدولة قد يهدد وجوده المؤسسي أو مصالحه في الدولة، فتتخذ قرارات تبدو في ظاهرها لصالح الشعب بينما هدفها الأساسي تقليل مخاطر الفوضى أو التفكك (El‑Battahani، 2016).

دور المعلومات الاستخباراتية

تؤثر المعلومات الاستخباراتية وتقديرات أجهزة المخابرات العسكرية في تحديد ما إذا كان الجيش سيدخل مشهدًا سياسيًا أو اجتماعيًا معيّنًا، إذ يمكن أن تدفع تقديرات بارتفاع الاحتقان أو تفاقم النزاعات المؤسسة إلى التدخّل قبل اتساع رقعة العنف تحت ذرائع الامن والاستقرار (Rahmtalla، 2025).

الدوافع غير المعلنة

تشمل دوافع غير معلن عنها حماية مصالح اقتصادية متشابكة مع نشاطات المؤسسة العسكرية أو شبكات نفوذ شخصية، خصوصًا في ظل توسّع الجيش في مجالات نفوذ اقتصادية تشمل قطاعات متعددة رغم ضعف الرقابة المدنية (El‑Battahani، 2016).

سادساً: التحديات والتناقضات

التوصيف

تُنتج علاقة الجيش بالدولة والمجتمع سياقات متعددة للتحديات والتناقضات، حيث تتقاطع مهام الجيش التقليدية مع طموحات سياسية واقتصادية، ما يخلق تصادمًا بين واجباته الأمنية وأدواره السياسية التي تتطلّب قرارات عسكرة واسعة (Rahmtalla، 2025).

آليات إنتاج التناقض

تنشأ هذه التناقضات عبر تداخل الصلاحيات بين المؤسسة العسكرية والسلطات المدنية، ما يجعل قرارات الجيش تجاه الأحداث الكبرى تبدو متضاربة أحيانًا بسبب اختلاف أولويات المؤسسة ومصالحها الاستراتيجية عن أولويات المجتمع المدني (Rahmtalla، 2025).

الثقافة التنظيمية العسكرية

تمتاز الثقافة التنظيمية داخل الجيش بتركيزها على الانضباط والتدرّج الهرمي، ما يمكن أن يقود إلى أولوية الأساليب الأمنية على الحلول المدنية لمسائل نزاعية، مما يفاقم التناقض بين حماية المجتمع وبين استخدام القوة لحفظ النظام (Rahmtalla، 2025).

نظرية الفاعل المزدوج

يُنظر للمؤسسة العسكرية كـ«فاعل مزدوج» يجمع بين وظائف دفاعية وسياسية، ما يولّد تناقضات بين مسؤولياته في حفظ الأمن واستقرار الدولة وبين دوره في التدخل في القرارات السياسية والاقتصادية (D’Agoôt، 2026).

العلاقة بين الانضباط والانتهاك

رغم أن الانضباط العسكري يعتبر عنصرًا أساسيًا لضمان الفعالية الأمنيّة، إلا أنه قد يؤدي في سياقات الاحتجاجات أو النزاعات إلى انتهاكات واسعة لحقوق المدنيين، ما يبرز التناقض بين واجبات حماية الشعب وبين أفعال تتجاوز الحدود الإنسانية خلال تنفيذ الأوامر (Rahmtalla، 2025).

سابعاً: الأثر على الدولة

التحليل العام

يؤثّر التدخّل العسكري في السياسة بشكل كبير على ديمومة مؤسسات الدولة، فبينما قد يساهم في تثبيت استقرار آني أثناء الأزمات، يؤدّي استمراره في السلطة إلى إضعاف البناء الديمقراطي المؤسسي وتقليل فاعلية الأحزاب والمجتمع المدني، ما يكرر نمط هيمنة الجيش على القرار العام (Rahmtalla، 2025).

مؤشرات قياس الأثر (استقرار/اقتصاد/ديمقراطية)

يمكن قياس الأثر عبر مؤشرات مثل الاتجاهات في نمو الناتج المحلي الإجمالي، مستوى الحريات السياسية، الانتخابات الحرة، واستقرار المؤسسات القانونية؛ إذ تظهر بعض الدراسات أن استمرار التدخّل العسكري يرتبط بانحدار مؤشرات الديمقراطية والحرية المدنية (سوراخ وإلهام، 2024).

بناء المؤسسات

التداخل العسكري في السياسة يمكن أن يُضعف بناء مؤسسات مدنية قوية لأن الجيش يحتفظ بالقرار السياسي في أوقات انتقال السلطة، ما يجعل العملية السياسية مهيمنة عليها مؤسسيًا بإطار عسَكري (Rahmtalla، 2025).

الثقة الاجتماعية كمؤشر كمي

تُستخدم دراسات المسح الاجتماعي وقياس مستويات الثقة بين الجمهور والمؤسسة العسكرية مقابل القوى المدنية كـمؤشر كمي لتقييم الفجوة بين التوقعات الشعبية ودور الجيش، وغالبًا ما تظهر هذه المؤشرات انخفاضًا في الثقة كلما ارتبط التدخّل العسكري بالعنف أو القمع (سوراخ وإلهام، 2024).

الهوية الوطنية

التواجد السياسي المستمر للجيش يمكن أن يشكّل هوية وطنية مركّبة، إذ يُنظر إليه كحارس للوحدة الوطنية في أحيان كثيرة، بينما يُنتقد كعامل يقوض التوازن بين الجيش والمجتمع المدني ما قد ينعكس على صورة الهوية الوطنية الشاملة (Rahmtalla، 2025).

ثامناً: الاقتصاد السياسي للمؤسسة العسكرية

البنية الاقتصادية

أظهرت التحليلات أن المؤسسة العسكرية في السودان توسّعت في النشاطات الاقتصادية بما يتجاوز دورها التقليدي، حيث شملت مشاركات في مجالات متعددة من الزراعة إلى الخدمات العامة، مما جعلها فاعلًا اقتصاديًا مؤثرًا إلى جانب دورها العسكري (El‑Battahani، 2016).

سلاسل القيمة العسكرية

تشمل سلاسل القيمة التي تتحكم فيها المؤسسة العسكرية عقود التوريدات، الشركات المرتبطة بوزارة الدفاع ومشاريع كبيرة متعددة القطاعات، ما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا يتعدّى الحدود التقليدية للمؤسسة الأمنية (El‑Battahani، 2016).

العلاقة مع القطاع الخاص

يُظهر الاقتصاد السياسي العسكري تفاعلاً مباشرًا مع القطاع الخاص المحلي والدولي في بعض القطاعات الحيوية، ما يخلق توترات بين المصالح الاقتصادية للجيش وقطاع الأعمال المدني، ويؤدي في بعض الأحيان إلى منافسة غير عادلة (El‑Battahani، 2016).

الاحتكار والمنافسة

مع هيمنة الجيش في بعض القطاعات، يصبح الاحتكار العسكري عاملًا يقلّل من المنافسة الحقيقية في الأسواق ويوفّر بيئات اقتصادية مشوّهة، مما يؤثر سلبًا على نمو القطاع الخاص (El‑Battahani، 2016).

تأثير الاقتصاد على القرار السياسي

العلاقة الوثيقة بين المصالح الاقتصادية للجيش وصنع القرار السياسي تؤدي إلى تولّد دوافع قوية للمؤسسة للبقاء في المشهد السياسي من أجل حماية امتيازاتها الاقتصادية والاستراتيجية (El‑Battahani، 2016).

تاسعاً: الإعلام وصورة الجيش

التحليل العام

يلعب الإعلام دورًا مهمًا في تشكيل صورة المؤسسة العسكرية في المجتمع، عبر التغطية الخبرية والإعلامية التي قد تبرز دور الجيش كفاعل سياسي أو كحارس للاستقرار في الأزمات (Wikipedia, 2026).

ملكية وسائل الإعلام

ملكية وسائل الإعلام وتأثيرها في صناعة الرأي العام تلعب دورًا في كيفية تصوير المؤسسة العسكرية، كون المنصات الخاضعة لجهات سياسية أو اقتصادية يمكن أن تهيمن على سرديات الحرب والسياسة (Wikipedia, 2026).

تحليل المضمون الإعلامي

تحليل المضمون الإعلامي يساعد في فهم الرسائل المتعلقة بالجيش مثل الاستقرار والأمن والهوية الوطنية، وهو ما يعكس كيف تتحوّل الخطابات الإعلامية إلى أدوات تثبيت الشرعية أو نقدها (Wikipedia, 2026).

الخوارزميات الرقمية

تؤثر الخوارزميات في المنصات الرقمية مثل وسائل التواصل الاجتماعي على انتشار الرسائل المؤيدة أو المعارضة للمؤسسة العسكرية، ما يمكن أن يقوّي بعض التصورات السائدة لدى الجمهور (Wikipedia, 2026).

صناعة الشرعية

يُستخدم الإعلام التقليدي والرقمي كأدوات لصناعة شرعية تبني دعمًا شعبياً أو تنتقد الدور العسكري في أوقات الصراع، ما يساهم في تشكيل السلوك العام تجاه المؤسسة (Wikipedia, 2026).

عاشراً: الفاعلون غير النظاميين

البنية

تشمل البنية التنظيمية للفاعلين غير النظاميين في السودان مجموعة واسعة من ميليشيات مسلحة وجماعات محلية غير نظامية نشأت وتوسعت في سياق النزاع المدني الراهن الممتد منذ 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، إضافة إلى فصائل أصغر ترتبط بأقاليم مثل دارفور وكردفان وبلاد النيل (EUAA, 2025; Wikipedia contributors, 2026). وتضم هذه الجماعات فاعلين لا ينتمون رسميًا للدولة ولا للقوات المسلحة الحكومية مثل قوات درع السودان التي كونت في 2022 بقيادة أبو عقل كيكال وتنشط في شرق السودان وتقدر قوتها بين 35 000–75 000 مقاتل، وقد انخرطت في الحرب بجانب الجيش ثم عادت للقتال إلى جانب (أو ضد) الـRSF في توترات متعددة (Wikipedia contributors, 2026). الفاعلون غير النظاميين في هذا السياق يتميزون بـ هيكل مرن وغير هرمي غالبًا، حيث تتداخل الولاءات العشائرية، الاقتصادية، والتحالفات السياسية، مما يجعل السيطرة المركزية ضعيفة نسبيًا مقارنة بالقوات النظامية (EUAA, 2025).

شبكات القوة

تشكل شبكات القوة لدى الفاعلين غير النظاميين ارتباطات مع مجموعات قبلية، فصائل سياسية محلية، وميليشيات أخرى؛ ففي دارفور مثلاً تتواجد فصائل دفاع ومقاومة شعبية بجانب وحدات الـRSF وفرق كما في قوات درع السودان تمتلك روابط متباينة مع كل من الجيش والـRSF حسب التحولات العسكرية الميدانية (Wikipedia contributors, 2026). كما يشير التحليل إلى أن هذه الشبكات تتضمن مشاركة مقاتلين من جماعات أخرى مثل حركة تحرير السودان SPLM-N وأفراد من قبائل مختلفة، ما يعزز قابليتها للتوسع وخلق تكتلات عابرة للحدود الإقليمية؛ وقد لوحظ تداخل عناصر من دول مجاورة في دعم أو قتال بجانب هذه الجماعات (EUAA, 2025). وقد بذل بعض الفاعلين غير النظاميين جهودًا لتنظيم مؤسسات مواكبة للسلطة في مناطقهم، وهو ما يعكس تداخلًا بين القوة العسكرية والهيمنة الاجتماعية في تلك المناطق.

اقتصاد الحرب

يلعب اقتصاد الحرب دورًا مركزيًا في استدامة الفاعلين غير النظاميين، إذ يعتمد جزء كبير منهم على السيطرة على الطرق التجارية، نقاط التحصيل غير الرسمية للضرائب، الموارد الطبيعية، وتهريب السلاح والبضائع (EUAA, 2025). وفي سياق السودان، أصبحت السيطرة على الذهب والمناطق الغنية بالموارد أداة تمويل رئيسية للـRSF وعدة “قوات درع السودان” وغيرها من الجماعات، حيث ساهمت هذه الموارد في تعزيز قدراتهم على شراء الأسلحة وتجهيز المجندين، وكذلك في إقامة شبكات اقتصادية موازية للاقتصاد الرسمي. وبصرف النظر عن الموارد الطبيعية، يُستخدم فرض الرسوم غير الرسمية على القوافل التجارية وفرض “حماية” على المناطق التي يسيطرون عليها كوسيلة لملء خزائنهم وتمويل العمليات العسكرية.

تفكيك احتكار العنف

يؤدي وجود الفاعلين غير النظاميين إلى تفكيك احتكار الدولة للعنف من خلال تولي هذه الجماعات مسؤوليات أمنية في مناطق لا تسيطر عليها القوات الحكومية أو حتى بالتنافس مع الجيش، وخاصة في ولايات مثل دارفور وأجزاء من كردفان (EUAA, 2025). هذا التفكيك يسهم في تعقيد المشهد الأمني، حيث يفرض تعدد المواقع التي تتقاسم فيها الهيمنة بين الدولة، الميليشيات، والتحالفات المحلية، مما يصعّب تطبيق القانون ووضع ترتيبات ما بعد النزاع. كما يخلق هذا التفكيك انقسامات في الولاءات والسلطات المحلية ويؤدي أحيانًا إلى تنامي اقتصاد موازٍ يعتمد على القوة المسلحة.

أمثلة وتداعيات إنسانية

منذ 2023 شهد النزاع تدخلات مباشرة وغير مباشرة من الفاعلين غير النظاميين أدت إلى انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، سفك دماء المدنيين، وعمليات تطهير عرقي، وأصبحت بعض هذه الجماعات متورطة في انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب، بما في ذلك قتل جماعي في مناطق مثل الKadaris وAl-Khelwat حيث قُتل العشرات من المدنيين في 2025، إضافة إلى عمليات ارتكبت في Geneina وEl Fasher ضد مجتمعات غير عربية في دارفور بحسب تقديرات الأمم المتحدة وتقارير متخصصة (Wikipedia contributors, 2026; Wikipedia contributors, 2026; Apnews; The Guardian). تشير التقارير أيضًا إلى أن السياسات الاقتصادية للعنف والاستحواذ على الموارد ساهمت في زيادة النزوح القسري للمدنيين، حيث تجاوز عدد المشردين داخليًا 12 مليون شخص، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث (Wikipedia contributors, 2026).

الحادي عشر: البنية الداخلية للمؤسسة العسكرية

الهيكل التنظيمي

المؤسسة العسكرية السودانية تتكوّن من هيكل هرمي مؤسسي واضح يتضمن القيادة العامة للقوات المسلحة في أعلى الهرم، تليها مجالس الأركان المشتركة، ثم القادة الميدانيون لكافة الأفرع القتالية (المشاة، المدرّعات، المدفعية، القوات الجوية، قوات المهام الخاصة)، إضافة إلى الأجهزة الاستخباراتية والاستراتيجية (Woodward, 2020). يُظهر الهيكل توزيعًا واضحًا للصلاحيات بين القيادات العليا والوسطى، كما يتضمن وحدات لوجستية وإدارية مستقلة تدير التموين، التدريب، والصيانة. يُنظر إلى هذا الهيكل كمنظومة متماسكة من حيث التسلسل والإنضباط، لكنه في نفس الوقت يعكس تقاطع الولاءات المؤسسية مع الولاءات الشخصية والعشائرية داخل صفوف الضباط (Woodward, 2020).

ديناميات اتخاذ القرار

يُتخذ القرار داخل المؤسسة العسكرية عبر آليات رسمية غير شفافة في كثير من الأحيان، وذلك من خلال سلسلة من المجالس القيادية والتحالفات الداخلية التي تشمل كبار القادة وضباط الأركان (Woodward, 2020). في أزمات مثل الانتقال السياسي في 2019–2021، اتضح أن القرار لم يكن نتيجة عملية عسكرية بحتة، بل تفاعل مركّب بين الضغوط السياسية، التقديرات الاستخباراتية، وتحالفات داخل المؤسسة (Verhoeven, 2023). يعكس هذا أن ديناميات اتخاذ القرار تتأثر أكثر من مرة بـ التوازنات الشخصية بين القادة وليس فقط المناصب الرسمية.

شبكات النفوذ غير الرسمية

تُعد شبكات النفوذ غير الرسمية داخل الجيش من أهم العوامل المؤثرة في قرارات المؤسسة، حيث تتداخل الحساسيات القبلية، الروابط الأسرية، ومصالح الضباط العليا مع ما يُفترض أنه قرارات مؤسسية بحتة (Woodward, 2020). هذه الشبكات تساهم في خلق تحالفات غير معلنة داخل الجيش تتجاوز التخطيط الرسمي، ما يؤثر في توزيع الأدوار ومناطق النفوذ، ويؤدي في بعض الأحيان إلى تعارضات بين القيادة الرسمية ومراكز النفوذ الفعلي داخل المؤسسة.

الولاءات الشخصية مقابل المؤسسية

تُظهر الدراسات أن الولاءات الشخصية والقبلية كثيرًا ما تفوق الولاءات المؤسسية داخل المؤسسة العسكرية، ما يؤدي إلى ضعف التماسك المؤسسي في بعض المواقف الحرجة (Woodward, 2020). في حالات النزاع والتحول السياسي، يمكن أن تتنافس هذه الولاءات مع الولاء للمؤسسة، مما ينتج اختلافات في المواقف والاستراتيجيات بين وحدات الجيش المختلفة.

الثاني عشر: الجيش والنزاعات الأهلية

التحليل العام

الجيش السوداني شارك بشكل أساسي في عدة نزاعات أهلية متداخلة منذ الستينيات، لكن النزاع الراهن بين المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع منذ 15 أبريل 2023 يُعد من أكثرها تعقيدًا وتأثيرًا داخليًا (Verhoeven, 2023). هذا الصراع لم يقتصر على القتال بين جيشين نظاميين، بل امتد ليشمل ميليشيات محلية، فصائل غير نظامية، وتحالفات قبلية، ما خلق ساحة متعددة المصادر للصراع.

أثر التدخل على النسيج الاجتماعي

أدى التدخل العسكري في النزاعات إلى تفكك واسع للأسر والمجتمعات المحلية وعمليات تهجير جماعي، إذ قُدّر أن أكثر من 10 ملايين شخص نزحوا داخليًا بين 2023 و2025، إضافة إلى خروج مئات الآلاف نحو دول الجوار كأوغندا، إثيوبيا، وتشاد (UNHCR, 2025). تسبب هذا في انهيار الخدمات الأساسية، انقطاع التعليم، وتراجع الخدمات الصحية في مناطق النزاع.

دور الموارد (مياه/أراضي)

تلعب الموارد الطبيعية مثل المياه والأراضي الزراعية دورًا حاسمًا في بؤر الصراع، خاصة في ولايات مثل دارفور ونهر النيل، حيث تتحكم الفصائل المسلحة في الآبار ومحطات المياه والأراضي الخصبة، ما يزيد التنافس على السيطرة ويحوّل النزاع إلى صراع اقتصادي وبيئي بجانب كونه سياسيًا.

الشرعية في سياق النزاع

تعتمد شرعية تدخل المؤسسة العسكرية أو الفاعلين غير النظاميين في النزاع على وجهات نظر السكان المحليين، نتائج العمليات العسكرية، وتقارير حقوق الإنسان، حيث يمكن أن تُنظر القوات على أنها حامية أو مسيّئة تبعًا لسلوكها في الميدان.

الثالث عشر: الجيش والتحول الديمقراطي

مراحل الانتقال

يتكوّن التحول الديمقراطي في السياقات التي شهدت هيمنة عسكرية من ثلاث مراحل رئيسية: سقوط النظام القديم، إدارة انتقالية مختلطة، وتثبيت نظم حكم جديدة (Woodward, 2020). في السودان، بعد إسقاط الرئيس عمر البشير في أبريل 2019، دخلت البلاد في مرحلة انتقال غير مستقرة حيث تشارك المدنيون والعسكريون السلطة ضمن هيكل مجلس السيادة الانتقالي.

تحليل كل مرحلة (سقوط/انتقال/تثبيت)

‑ سقوط النظام: يتمثل في إنهاء سيطرة النظام السابق عبر ضغط شعبي أو تدخلات مؤسسية.
‑ مرحلة الانتقال: تشهد منافسة بين المدنيين والعسكريين على تحديد القواعد الدستورية والسياسية.
‑ مرحلة التثبيت: تتطلب بناء مؤسسات ديمقراطية وإعادة توزيع السلطات بعيدًا عن القبضة العسكرية.

نقاط الفشل

من أبرز نقاط الفشل في التحولات الديمقراطية بعد هيمنة عسكرية ضعف المؤسسات المدنية، غياب ثقافة سياسية ديمقراطية، وعدم استقلال القضاء، ما يؤدي إلى فشل المرحلة الانتقالية في إرساء نظام ديمقراطي حقيقي.

إعادة إنتاج السلطوية

قد تؤدي عودة الضغوط العسكرية إلى إعادة إنتاج السلطوية إذا لم تُفرض آليات تقييد سلطة المؤسسة العسكرية وتفعيل حماية الحريات الأساسية.

الرابع عشر: العدالة الانتقالية

المفهوم

العدالة الانتقالية تمثل منظومة من الإجراءات القانونية والاجتماعية التي تهدف إلى التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان في فترات ما بعد النزاع، وتشمل محاكمات، لجان الحقيقة، برامج التعويض، وإصلاحات مؤسسية لضمان عدم تكرار الانتهاكات (ICTJ, 2025).

نماذج التطبيق

تطبيق العدالة الانتقالية في السودان يتطلب تطبيق آليات محلية ودولية مثل محاكمات وطنية أو هجينة، إنشاء لجنة حقيقة وعدالة، وبرامج إعادة التأهيل والعدالة التعويضية للضحايا.

العلاقة بالاستقرار السياسي

يمكن للعدالة الانتقالية أن تسهم في تعزيز الاستقرار السياسي من خلال معالجة جذور الانتهاكات، إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وضمان عدم إفلات المسؤولين من العقاب.

مقاومة المؤسسة العسكرية للمساءلة

تواجه العدالة الانتقالية في السودان مقاومة شديدة من المؤسسة العسكرية والأطراف المتحالفة معها خوفًا من فقدان الحصانة أو النفوذ، خاصة الذين تورطوا في انتهاكات خلال السنوات الماضية.

الخامس عشر: البعد الإقليمي والدولي

التحليل العام

يمثّل البعد الإقليمي والدولي عاملًا مؤثرًا في النزاع والتحول السياسي في السودان، حيث تلعب كل من الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي دورًا في محاولات الوساطة أو فرض قرارات تتعلق بوقف إطلاق النار، وتقديم مساعدات إنسانية.

أدوات التأثير (تمويل/تدريب/دعم)

تشمل أدوات التأثير التمويل، الدعم الدبلوماسي، التدريب العسكري والتحالفات الأمنية، وتتنافس دول مثل السعودية والإمارات وتركيا في دعم أطراف مختلفة في الصراع السوداني.

التنافس الإقليمي

يتجلى التنافس الإقليمي في دعم فصائل مختلفة داخل السودان سياسيًا وعسكريًا، ما يُعقّد جهود التفاوض ويزيد من حدة الصراع.

دور المنظمات الدولية

تلعب المنظمات الدولية دورًا في المراقبة، الدعم الإنساني، والتفاوض السياسي، رغم التحديات الكبيرة أمام تطبيق قراراتها على الأرض.

السادس عشر: المقارنة الدولية

الحالات

تُعتبر المقارنة الدولية في العلاقات المدنية–العسكرية والتحولات الديمقراطية أداة مركزية لفهم لماذا تنجح بعض الدول في ترسيخ الديمقراطية بينما تفشل دول أخرى في تحقيق ذلك، بالرغم من خوضها عمليات انتقال مشابهة من أنظمة سلطوية نحو نظم ديمقراطية (Kuehn, 2023). وقد اشتملت الدراسات المقارنة على حالات متعددة عبر القارات، منها تجارب في أمريكا اللاتينية (مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي)، وجنوب وشرق آسيا (كوريا الجنوبية، تايلاند)، إضافة إلى تجارب أوروبية بعد نهاية الاستبداد في البرتغال وإسبانيا (Doha Institute, 2019). في كل حالة، تختلف ديناميات العلاقات المدنية–العسكرية تبعًا لتاريخ الدولة، قوة المؤسسات المدنية، وتأثير الجيش قبل وأثناء عملية الانتقال الديمقراطي، ما يجعل من المقارنة بين هذه التجارب أمرًا حاسمًا لاستخلاص عوامل النجاح والفشل. وتضيف الدراسات الحديثة أن هذه المقارنات يجب أن تشمل العوامل الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، والسياسية لكل بلد، إضافة إلى تحليل شبكة العلاقات بين الجيش والمؤسسات المدنية، والآثار طويلة المدى على الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

إطار مقارن موحد

يرتكز الإطار المقارن الموحد في تحليل العلاقات المدنية–العسكرية على عدة أبعاد رئيسية تشمل قوة المؤسسات المدنية، درجة الانخراط العسكري في السياسة قبل الانتقال، مدى استقلالية القضاء، ووجود آليات رقابية فعّالة (Croissant & Kuehn, 2013). يعتمد هذا الإطار على فرضية أن ترسيخ الرقابة المدنية على الجيش وتعزيز احتراف المؤسسة العسكرية في مهامها الدفاعية يمثلان عاملين مهمين في إنجاح التحول الديمقراطي، بحيث تكون الدولة قادرة على تقليص النفوذ السياسي للقوات المسلحة تدريجيًا مع استمرار دعم الأمن والاستقرار الوطني (Kuehn, 2023). ويتضمن الإطار أيضًا مؤشرات كمية ونوعية لقياس مدى نجاح الرقابة المدنية، مثل نسب الميزانية العسكرية تحت الرقابة المدنية، نسبة تمثيل المدنيين في المجالس الاستشارية، وعدد البرامج التدريبية للقيادات العسكرية حول الحوكمة الديمقراطية.

تحليل شروط النجاح والفشل

تظهر المقارنة بين دول مثل كوريا الجنوبية التي نجحت في دمج الجيش داخل أطر ديمقراطية مع الولايات التي شهدت تدخلات عسكرية متكررة مثل مصر بعد 2011، أن شروط النجاح تشمل وجود إرادة سياسية مدنية قوية، دعم شعبي للتحول الديمقراطي، مؤسسات رقابية مستقلة، وقضاء مستقل (Sadık, 2013). في المقابل، ترتبط شروط الفشل في حالات أخرى بـ التحكم المفرط للجيش في السياسة، ضعف المجتمع المدني، وعدم قدرة المجلس التشريعي على فرض الرقابة المدنية، أو وجود تقاليد طويلة من الهيمنة العسكرية (Croissant & Kuehn, 2013). وتشير الدراسات إلى أن الفشل غالبًا يصاحبه تفكك مؤسسات الدولة، انخفاض الثقة الشعبية، واستمرار تدخل الجيش في القرارات السياسية والاقتصادية الكبرى، ما يعرقل عملية بناء الديمقراطية ويزيد من مخاطر النزاعات الداخلية.

نماذج قابلة للتطبيق

من نماذج المقارنة الدولية ما تم تحليله في الدول ذات التحول الديمقراطي المستدام مثل كوريا الجنوبية والبرازيل، حيث تمكّنت هذه الدول من بناء أنظمة مراقبة مدنية فعّالة على المؤسسة العسكرية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على احتراف الجيش في مهامه الدفاعية دون تدخل مباشر في السياسة (Sadık, 2013). تعد هذه النماذج “نماذج قابلة للتطبيق” للدول التي تسعى إلى تعزيز الديمقراطية وتقليل تدخل المؤسسة العسكرية في الشؤون السياسية، عبر إصلاحات مؤسسية متدرجة تهدف إلى تطوير ثقافة مدنية–عسكرية متوازنة، وتقديم برامج تدريبية للقيادات العسكرية والمدنية حول مبادئ الديمقراطية والرقابة المدنية، إضافة إلى متابعة تأثير هذه النماذج على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والحقوق المدنية.

السابع عشر: النموذج المستدام

الإصلاح

يتضمن النموذج المستدام لإدارة العلاقات المدنية–العسكرية في سياق التحول الديمقراطي إصلاحات متعددة المستويات تشمل إعادة هيكلة القوات المسلحة، تعزيز النزاهة المهنية، وإصلاح القطاع الأمني وفق معايير الحوكمة الديمقراطية (Croissant & Kuehn, 2013). يشدد هذا النموذج على ضرورة تحويل دور الجيش ليكون خاضعًا للرقابة المدنية ويعمل فقط ضمن الأدوار الدستورية التقليدية، مع الحفاظ على قدرة الدفاع الوطني والتعامل مع تهديدات الأمن القومي. كما يشمل الإصلاح إعادة تقييم ميزانية الدفاع، إدخال مؤشرات أداء عسكرية-مدنية، وتحديث سياسات التعيين والترقية داخل الجيش لضمان الشفافية والمساءلة.

قابلية التنفيذ

تتطلب قابلية تنفيذ الإصلاحات المدنية–العسكرية دعماً سياسياً واسعاً، وتعاونًا بين السلطة التشريعية والقضائية والمجتمع المدني، مع برامج تدريب وتثقيف تهدف إلى تعزيز ثقافة الرقابة المدنية داخل المؤسسة العسكرية (Kuehn, 2023). إضافة إلى ذلك، فإن تدابير تعزيز الشفافية مثل نشر ميزانيات الدفاع بصورة مفتوحة وتقارير منتظمة للمشرعين حول نشاطات الجيش تُعد من أسس قابلية التنفيذ. وتشير الدراسات إلى أن التواصل المستمر مع المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة يعزز من قبول المجتمع لهذه الإصلاحات ويقلل من المقاومة الداخلية للقيادات العسكرية.

توازن القوى

يشير توازن القوى في هذا النموذج إلى توزيع واضح ودستوري للسلطات بين المدنيين والعسكريين، بحيث يكون الجيش خاضعًا بشكل كامل للقيادة المدنية الديمقراطية، وتُمنح القوات المسلحة صلاحيات دفاعية واضحة فقط، مع وجود آليات لمعاقبة التجاوزات (Croissant & Kuehn, 2013). ويؤكد هذا التوازن على ضرورة وجود محاكم مستقلة، لجان رقابية مدنية، ومؤسسات للتدريب المدني والعسكري المشترك لضمان الاحترام الكامل للحدود الدستورية.

تحديد أولويات الإصلاح

يتضمن تحديد أولويات الإصلاح في النموذج المستدام إصلاح التشريعات، تعزيز استقلال القضاء، تطوير مؤسسات مراقبة مدنية، وإدماج المجتمع المدني في حوكمة الأمن (Kuehn, 2023). كما تشمل الأولويات تعزيز احترام حقوق الإنسان، تحديد نطاق تدخل الجيش في السياسة، وترسيخ قيم الشفافية والمساءلة. وتشمل الأولويات أيضًا مراجعة العقود والاتفاقيات الأمنية، إعادة هيكلة القوات شبه العسكرية، ووضع سياسات واضحة لإدارة الأزمات الوطنية.

سيناريوهات مستقبلية

يمكن تصور عدة سيناريوهات مستقبلية للبلدان التي تسعى إلى تعزيز التحول الديمقراطي في سياق العلاقات المدنية–العسكرية:
‑ سيناريو الانتقال الديمقراطي المستدام: يشمل دعم مؤسسات مدنية قوية، إصلاحات أمنية، واستقلال القضاء، مع متابعة مؤشرات الأداء بشكل دوري لضمان استدامة التحول الديمقراطي؛
‑ سيناريو الفشل الجزئي: حيث تنجح بعض الإصلاحات، لكن الجيش يحتفظ بنفوذ سياسي غير رسمي، ما يؤدي إلى استمرار الهيمنة العسكرية على القرارات الاستراتيجية، مع وجود فجوات في الرقابة المدنية؛
‑ سيناريو العودة للهيمنة العسكرية: عند فشل إصلاحات الرقابة المدنية، مما قد يؤدي إلى انزلاقات نحو أشكال من السيطرة العسكرية على الحكومة، وزيادة المخاطر الأمنية والنزاعات الداخلية.

الثامن عشر: الخاتمة

النتائج

تشير الدراسات المقارنة الدولية إلى أن نجاح التحول الديمقراطي بعد عهد الهيمنة العسكرية يعتمد بشكل أساسي على ترسيخ الرقابة المدنية على المؤسسة العسكرية، قوة المؤسسات الديمقراطية، واحترام سيادة القانون (Kuehn, 2023). البلدان التي نجحت مثل كوريا الجنوبية والبرازيل تمكنت من تقليص دور الجيش في السياسة تدريجيًا مع الحفاظ على دوره الدفاعي، بينما فشلت دول أخرى نتيجة غياب إرادة سياسية مدنية قوية أو ضعف مؤسسات الدولة. كما أن الاستقرار الاجتماعي، مشاركة المجتمع المدني، ووجود دعم دولي فعال تعد من العوامل المكملة لتحقيق النجاح.

نموذج تفسيري نهائي

ينبني النموذج التفسيري النهائي على تفاعل أربعة عوامل أساسية:

  1. قوة المؤسسات المدنية؛
  2. ترسيخ الرقابة المدنية على القوات المسلحة؛
  3. الالتزام بحوكمة شفافة للمؤسسة العسكرية؛
  4. توافق السياسات بين الفاعلين المدنيين والعسكريين؛
  5. دور المجتمع المدني في الرقابة والتوجيه؛
  6. الدعم الدولي والإقليمي لضمان الاستقرار والتحول الديمقراطي؛
  7. مرونة التشريعات لتطوير العلاقات المدنية–العسكرية بشكل مستدام.

يساهم هذا النموذج في فهم الاختلافات الجوهرية بين حالات النجاح والفشل في التحولات الديمقراطية حول العالم، مما يساعد صانعي السياسات في تصميم استراتيجيات إصلاح مدروسة، ويتيح آليات لتقليل المخاطر المرتبطة بالهيمنة العسكرية أو الانزلاق نحو الاستبداد.

الإسهام العلمي

يساهم التحليل في ربط النظريات المقارنة بالتحولات الديمقراطية الواقعية عبر تقديم إطار تحليلي شامل يمكن تطبيقه لدراسة العلاقات المدنية–العسكرية في بلدان متعددة، ويقدم أدوات قياس وتقييم نجاح الإصلاحات الديمقراطية في السياقات التي تشمل تأثيرات عسكرية تاريخية (Croissant & Kuehn, 2013). كما يوفر النموذج أسسًا علمية لتصميم سياسات شاملة للإصلاح المدني–العسكري، التدريب العسكري، والمساءلة المؤسسية، مع إمكانية تطبيقه في حالات دول الجنوب العالمي والدول الناشئة في التحولات الديمقراطية.

أجندة بحثية مستقبلية

تشمل الأجندة البحثية المستقبلية:
‑ تحليل أعمق للدور الثقافي والاجتماعي في تحديد نتائج التحول الديمقراطي؛
‑ دراسات مقارنة بين بلدان الجنوب العالمي لتحديد عوامل مشتركة للنجاح؛
‑ بحث في تأثير المنظمات الدولية على ترسيخ الرقابة المدنية خلال مراحل الانتقال؛
‑ تقييم فعالية البرامج التدريبية والمؤسسية لتحسين العلاقات المدنية–العسكرية؛
‑ متابعة تأثير التحولات العسكرية على الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.

المراجع

  1. Associated Press. Amnesty accuses Sudanese paramilitary group RSF of committing war crimes in Darfur city of el-Fasher. AP News. 2025. [Accessed 2026 Apr 7]
  2. Berridge WJ. Briefing: The Uprising in Sudan. Afr Aff (Lond). 2019;119(474):164‑176.
  3. Britannica Editors. Rapid Support Forces. Encyclopædia Britannica. 2026. [Accessed 2026 Apr 7]
  4. Croissant A, Kuehn D, editors. Reforming Civil-Military Relations in New Democracies: Democratic Control and Military Effectiveness in Comparative Perspectives. Berlin: Springer; 2013.
  5. Doha Institute for Graduate Studies. Army and Politics During Democratization in the Arab World. Doha: Doha Institute; 2019.
  6. El‑Battahani A. The Sudan Armed Forces and Prospects of Change. Bergen: Chr. Michelsen Institute; 2016.
  7. European Union Agency for Asylum. 1.2.1. Major state and non-state armed groups. Sudan: Security Situation. 2025. [Accessed 2026 Apr 7]
  8. Hasan YF. The Sudanese Revolution of October 1964. J Mod Afr Stud. 1967;5(4):491‑509.
  9. International Center for Transitional Justice. Sudan. ICTJ. 2025. [Accessed 2026 Apr 7]
  10. Kuehn D. Routes to Reform: Civil-Military Relations and Democracy in the Third Wave. New York: Oxford University Press; 2023.
  11. Malik SI. Sudan’s December revolution of 2018: the ecology of youth connective and collective activism. Inf Commun Soc. 2022;25(10):1495‑??.
  12. Rahmtalla A. Civil–Military Relations in Sudan: Redefining the Role of the Military Institution. Siyasat Arabiya. 2025;13(76).
  13. Sadık G. Comparative Analysis of Democratization and Civil-Military Relations in Turkey and South Korea. Gazi Akademik Bakış. 2013;6(12):205‑222.
  14. سوراخ إلهام، أحلام فطيسة. العلاقات المدنية‑العسكرية في السودان. المجلة الجزائرية للحقوق والعلوم السياسية. 2024.
  15. Toward Stable Civil‑Military Relations in Sudan. Middle East Policy Council Essay Series. D’Agoôt M. 2026. [Accessed 2026 Apr 7]
  16. UNHCR. Global Report on Sudan Displacement. United Nations High Commissioner for Refugees. 2025. [Accessed 2026 Apr 7]
  17. Verhoeven H. Surviving Revolution and Democratisation: the Sudan Armed Forces, State Fragility and Security Competition. J Mod Afr Stud. 2023;61(3):413‑??.
  18. Wikipedia contributors. 1985 Sudanese coup d’état. Wikipedia, The Free Encyclopedia. 2026. [Accessed 2026 Apr 7]
  19. Wikipedia contributors. Humanitarian impact of the Sudanese civil war (2023–present). Wikipedia, The Free Encyclopedia. 2026. [Accessed 2026 Apr 7]
  20. Wikipedia contributors. Rapid Support Forces. Wikipedia, The Free Encyclopedia. 2026. [Accessed 2026 Apr 7]
  21. Wikipedia contributors. Sudan Shield Forces. Wikipedia, The Free Encyclopedia. 2026. [Accessed 2026 Apr 7]
  22. Wikipedia contributors. Sudanese Armed Forces. Wikipedia, The Free Encyclopedia. 2026. [Accessed 2026 Apr 7]
  23. Woodward P. Sudan: Soldiers and Civilians, 1958–2019. In: Oxford Research Encyclopedia of Politics. Oxford: Oxford University Press; 2020.

عن عبد المنعم مختار

عبد المنعم مختار

شاهد أيضاً

قائمة الجماعات الإرهابية الأجنبية في الولايات المتحدة الأمريكية (الجزء الخامس)

قائمة الجماعات الإرهابية الأجنبية في الولايات المتحدة الأمريكية: الإطار القانوني والتطور التاريخي وتداعيات إدراج الحركة …