سم الله الرحمن الرحيم
مؤانسة الجمعة
فيصل محمد صالح
كيف نفهم تاريخنا (2)
أسطورة العنج ومملكة الأبواب
تُعدّ أسطورة العنج من أكثر القصص غموضًا في تاريخ السودان، وهي مزيج من روايات شفوية وتفسيرات تاريخية غير مؤكدة. يُشار إلى “العنج” في التراث الشفهي السوداني بوصفهم قومًا يُعتقد أنهم عاشوا في وسط السودان قبل قيام سلطنة الفونج في القرن السادس عشر، ويرى بعض الباحثين أنها قد تشير إلى بقايا ممالك مسيحية قديمة مثل مملكة علوة.
ويُوصَفون بأنهم ذوو بنية جسدية قوية وضخمة، وأحيانًا بصفات شبه “عملاقة” في الروايات الشعبية، وقد كانوا يحكمون المنطقة قبل أن يتم القضاء عليهم أو طردهم. وهناك أحاديث وإشارات إلى وجود مقابر لهم في منطقة سوبا تتميز بضخامة حجم القبور، وكذلك حكايات عن وجودهم سابقًا في منطقة أربجي. ويميل المؤرخون إلى تفسير “العنج” تفسيرًا عقلانيًا، مفاده أنهم ليسوا عمالقة، بل شعوب قديمة حقيقية جرى تضخيم صفاتها عبر الزمن.
يُلقي الدكتور أحمد المعتصم الشيخ ضوءًا على هذه الحكاية من خلال كتابه “مملكة الأبواب المسيحية وزمن العنج” (مركز الدراسات السودانية، 2002م)، مستعرضًا تاريخ هذه المملكة التي لم تلقَ اهتمامًا كبيرًا من المؤرخين، وتقلّ الإشارات إليها في مناهج التاريخ المدرسية، التي تشير إلى مملكتي المقرة وعلوة، ثم تقفز منهما مباشرة إلى مملكة سنار (السلطنة الزرقاء). ويطوف الكاتب على كثير من الكتابات التاريخية للمؤرخين العرب والأجانب والسودانيين، حتى يحسم موقع هذه المملكة بين الشلالين الرابع والخامس جنوب جزيرة مقرات.
ومن الناحية الزمنية، يشير الدكتور المعتصم إلى أن الإشارات الأولى إلى الأبواب، كموقع وكيان مستقل، جاءت في كتابات بعض الرحالة والمؤرخين العرب في القرن العاشر الميلادي، ثم خفت ذكرها لثلاثة قرون، قبل أن تُذكر مرة أخرى كمملكة مسيحية في القرن الثالث عشر. وقد شكّلت مملكة الأبواب عمقًا استراتيجيًا لمملكة المقرة، التي كانت تتعرض آنذاك لغزوات المماليك، وكان ملوك وأعيان المقرة يلجؤون إليها هربًا أو طلبًا للمساعدة العسكرية.
ولم تكن علاقة المملكتين، المقرة والأبواب، مستقرة دائمًا؛ ففي أزمنة لاحقة تغيّر موقف ملك الأبواب، وصار حليفًا للمماليك، وتقاتل مع ملك المقرة. ومع ذلك، استمرت المملكة مأوى للمسيحيين في أواخر عهد الممالك المسيحية، عندما انهارت مملكة المقرة تحت هجمات المسلمين. وقد ساعدها على ذلك تمتعها بموقع أمني متميز وحماية طبيعية بين مضايق الشلالين.
عاشت مملكة الأبواب في مرحلة غامضة من تاريخ السودان، كما ذكرنا، إلا أن الكتابات القليلة وروايات الرحالة في منتصف القرن السادس عشر تشير إلى أنها كانت مملكة نوبية على النيل، تضم عددًا كبيرًا من الكنائس والقلاع، وكانت تمارس التجارة الخارجية وتعدين الذهب، الذي كان يُنقل إلى ميناء سواكن. وقد حافظت على كونها آخر القلاع المسيحية حتى بعد سقوط دنقلا العجوز، عاصمة مملكة المقرة المسيحية.
وفيما يتعلق بموضوع “العنج”، فإن الكتاب نفسه يقرّ بندرة وضعف الإشارات إليهم في المصادر التاريخية، في مقابل كثرة ذكرهم في الروايات الشفهية، مقترنين بتلك الفترة المظلمة من التاريخ. ويذكر الكتاب أن المصادر الشفهية للمجموعات العربية التي ظهرت بعد سقوط الممالك المسيحية تنقل أنهم استلموا السلطة من العنج. ويخلص، بعد مراجعة المصادر الموثوقة، إلى أن وجود العنج لم يكن مجرد خرافة أو أسطورة، بل هو مصطلح يشير إلى شعب قديم كان يعيش في هذه المنطقة قبل وصول وانتشار المجموعات المهاجرة التي سيطرت لاحقًا على الدولة.
ويورد الدكتور أحمد المعتصم الشيخ كتابات مكي شبيكة، وماكمايكل، ونعوم شقير، ويوسف فضل، التي تؤكد إما أن “العنج” اسم كان يُطلق على النوبيين في الممالك المسيحية القديمة، أو أنه كان يُطلق على مجموعة محددة منهم، هي التي سكنت في مملكتي الأبواب وعلوة. في المقابل، لم يلتفت الآثاريون إلى الروايات المتعلقة بالعنج، أو يحاولوا الاستفادة منها لفهم أوسع لتاريخ النوبة في العصر الوسيط، كما لم يُعطَ الموروث الشفهي ما يستحقه من اهتمام بوصفه مصدرًا مهمًا لتاريخ الشعوب.
ويراجع الكاتب التراث الشفهي، الذي يوضح بجلاء عدم وجود ذكر للعنج في الشمال النوبي، بل يُشار أحيانًا إلى أنهم اشتبكوا مع المحس، بينما يكثر ذكرهم في المناطق الواقعة بين الشلالين الرابع والخامس، وفي مناطق نهر النيل الأخرى شمال مملكة علوة، وكذلك في منطقة البطاحين بشرق النيل، ومناطق سوبا وكترانج والعيلفون. كما وُجدت آثار من تراث العنج في مناطق الجموعية، وعند عرب النيل، ووادي المقدم. وهناك أيضًا إشارات إلى وجودهم في دلتا القاش ومناطق مجاورة للبجا، مع وجود علاقة بينهم وبين مجموعة البلو التي سيطرت على المناطق الجنوبية من شرق السودان في تلك الفترة.
الكتاب ممتع وشائق، وقد بذل مؤلفه جهدًا كبيرًا في تسليط الضوء على هذه الفترة الغامضة من تاريخ السودان، التي انتهت فيها الممالك المسيحية وبدأت الدولة الإسلامية. كما راجع وتابع المصادر الشحيحة، من كتابات وروايات شفوية، قد تكون متناقضة أحيانًا، حتى خلص إلى بعض النتائج المعقولة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم