إعادة تعريف المصلحة الوطنية
كيف نوقف الحرب ونبني السودان من جديد؟
م. هيثم عثمان إبراهيم
مقدمة: سؤال بسيط في زمن معقد
كل سوداني، أينما كان، يسأل اليوم سؤالاً واحداً بسيطاً: “لماذا لا تتوقف هذه الحرب؟”. الإجابة الشائعة هي أن هناك جهات وأشخاصاً يستفيدون من استمرار القتال والدمار.
هذا صحيح.
لكن السؤال الأهم الذي لا يُطرح كثيراً هو: كيف نقنع هؤلاء المستفيدين، وكيف نقنع أنفسنا أيضاً، بأن المصلحة الحقيقية لنا جميعاً هي في إيقاف الحرب وإعادة بناء الوطن، وليس في استمرار الخراب؟
على مدى عقود طويلة، كانت السياسة في السودان تدور حول من يصل إلى السلطة في العاصمة الخرطوم ومن يسيطر على خيرات البلاد. وكان المواطن العادي في القرية والمدينة الصغيرة يشاهد هذا الصراع من بعيد، ولا يملك فيه حولاً ولا قوة. لكن الحرب الحالية مختلفة تماماً. لقد دمرت العاصمة نفسها، وشردت الملايين، وجعلت كل فرد وكل أسرة وكل حي وكل قرية تفكر في سؤال واحد ملح: كيف نعيش؟ كيف نأكل؟ كيف نحمي أطفالنا؟
في هذا الواقع الجديد القاسي، نحتاج إلى طريقة جديدة في التفكير. طريقة تبدأ من المواطن واحتياجاته اليومية، لا من السياسي ومطامحه في الكرسي. وهذا ما يحاول هذا المقال أن يشرحه.
أولاً: لماذا فشل الحديث عن “مصلحة البلد” في الماضي؟
كلنا سمعنا عبارة “المصلحة الوطنية” أو “مصلحة البلد” في خطابات النخب السياسية والعسكرية على حد سواء. والمؤسسة العسكرية هنا ليست مجرد جهاز تنفيذي محايد، بل كانت ولا تزال طرفاً سياسياً فاعلاً بامتياز، تربطها شبكات مصالح اقتصادية واسعة ومخاوف حقيقية من المحاسبة والعدالة. هذه العبارة – “المصلحة الوطنية” – ظلت في الغالب كلمة كبيرة وجميلة، لا تتحول إلى شيء ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية. لماذا؟
- الدولة كانت تتحكم في كل الخيرات
اقتصاد السودان لسنوات طويلة كان يعتمد على موارد محددة يسهل السيطرة عليها من المركز، مثل البترول والذهب والمساعدات الخارجية. من يسيطر على الخرطوم – سواء كان حزباً سياسياً أو قيادة عسكرية – يسيطر على هذه الخيرات ويوزعها على من يدعمه. في هذا النظام، “مصلحة البلد” كانت تعني عملياً “مصلحة من هم في السلطة والمقربين منهم”، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين. - المواطن لجأ إلى أهله وقبيلته
في ظل دولة لا تقدم خدمات متساوية للجميع، ولا تحمي الضعيف، كان من الطبيعي أن يلجأ المواطن إلى أهله وقبيلته وجهته ليؤمن لنفسه الأمان وفرصة العمل. فأصبح ولاؤه الأول لقبيلته أو منطقته، لأنها هي التي توفر له الحماية الفعلية، وليس الدولة البعيدة في الخرطوم. وهكذا أصبحت “مصلحة البلد” مفهوماً بعيداً وغير مؤثر في حياة الناس. - الحرب خلقت اقتصاداً جديداً قائماً على الفوضى
الآن، خلقت الحرب فرصاً جديدة للكسب السريع وغير المشروع. هناك من يربح من بيع السلاح، ومن تهريب الذهب، ومن السيطرة على طرق التجارة، ومن المساعدات الإنسانية. هؤلاء لا يريدون أن تتوقف الحرب، لأن توقفها يعني توقف مصدر رزقهم ونفوذهم الجديد.
إذن، المشكلة ليست فقط في غياب الوطنية، بل في أن نظام الحياة نفسه صُمم بطريقة تجعل من الصعب على المواطن العادي أن يشعر بأن مصلحته مرتبطة بمصلحة البلد الكبير.
ثانياً: الطرف الذي لا يريد للحرب أن تتوقف: قراءة في مصالح لا تريد السلام
في هذا السياق، لا يمكن أن نكتمل الحديث عن أسباب استمرار الحرب دون التوقف عند طرف محدد له مصلحة كبرى في استمرار القتال والفوضى. هذا الطرف ليس مجرد “جماعة سياسية” عادية، بل هو شبكة واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية والأيديولوجية التي بُنيت على مدى ثلاثة عقود من حكم النظام السابق.
نحن نتحدث هنا عن فلول النظام البائد وعناصر الحركة الإسلامية بكل أذرعها وتنظيماتها. وليس الحديث عنهم تشفياً أو تخويناً، بل هو ضرورة لفهم الواقع. فهؤلاء ليسوا مراقبين من بعيد، بل هم فاعلون أساسيون في المشهد الحالي، يملكون أدوات قوة حقيقية، ولديهم أسباب موضوعية وقوية تجعلهم يرون في استمرار الحرب ضمانة لبقائهم، وفي السلام الديمقراطي نهاية لمشروعهم.
لماذا يريدون استمرار الحرب؟ - الخوف من المحاسبة والمساءلة: عقود من حكمهم شهدت انتهاكات جسيمة وفساداً منظماً. أي مسار ديمقراطي جاد سيفرض، بالضرورة، عدالة انتقالية ومحاسبة. استمرار الحرب والفوضى هو الضمانة الوحيدة لمنع هذا المسار المحاسبي.
- الحفاظ على شبكات المال والنفوذ: بنوا إمبراطورية اقتصادية واسعة داخل الدولة وخارجها. شركات، بنوك، استثمارات، امتيازات في الذهب والزراعة. أي دولة مدنية حقيقية ستعني تفكيك هذه الشبكات واستعادة الأموال المنهوبة. الحرب توفر الغطاء المثالي لاستمرارها.
- التمسك بمشروع أيديولوجي: لديهم إيمان راسخ بأن وصولهم للسلطة ليس مجرد تداول سياسي، بل هو “تمكين” لمشروع حضاري. التسليم بفكرة الدولة المدنية والتداول السلمي للسلطة هو بالنسبة لهم تنازل وجودي غير مقبول.
كيف يعملون على الأرض الآن؟
• التغلغل في مراكز القرار: لهم وجود قوي في أجهزة الدولة والمؤسسة العسكرية والأمنية، ويستخدمون هذا النفوذ لعرقلة أي مسار تفاوضي قد يؤدي إلى حل سلمي مع القوى المدنية.
• السيطرة على الإعلام والتوجيه: يملكون شبكات إعلامية واسعة تستخدم في حرب دعائية لتخوين كل من يدعو للسلام، وتصويره على أنه خائن أو عميل، وتأطير الحرب على أنها “معركة وجود وهوية” لا تقبل الحلول الوسطى.
• تفعيل الشبكات الاقتصادية: في ظل انهيار الاقتصاد الرسمي، تعمل شبكاتهم المالية بكفاءة لتمويل استمرار الحرب والاستفادة من اقتصادها.
إن الاعتراف بوجود هذا الطرف وقوته ليس استسلاماً، بل هو بداية الفهم الصحيح للمشكلة.
ولا يمكن أن يكون هذا الاعتراف مدخلاً لتبييضهم أو البحث عن “مخارج ناعمة” تسمح لهم بالإفلات من العقاب. فهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلاً، وسنفصل في ذلك لاحقاً.
ثالثاً: الثورة في الدواخل ودماء الشهداء حاجز أخلاقي لا يمكن تجاوزه
قبل أن نمضي في الحديث عن أي حلول أو مسارات مستقبلية، لا بد من وقفة صادقة أمام حقيقة مركزية الحالة الثورية لا تزال حية في دواخل السودانيين.
رغم الحرب، ورغم القتل والتشريد والجوع، فإن روح ثورة ديسمبر المجيدة لم تمت.
هي قد تكون خفتت تحت وطأة الرصاص والانقلابات، لكنها لم تنطفئ. في كل حي، في كل لجنة مقاومة، في كل شاب وشابة يواصلون العمل الإنساني والإغاثي رغم المخاطر، هناك جذوة من روح الثورة.
وهناك أيضاً دماء الشهداء الذين سقطوا في مواكب ديسمبر 2018م ودماء الذين قُتلوا في فض الاعتصام أمام القيادة العامة ودماء الذين سقطوا في مواكب 30 يونيو 2021 وما بعدها ودماء الذين يسقطون كل يوم الآن في هذه الحرب العبثية.
هذه الدماء لم تجف بعد وهي تشكل حاجزاً أخلاقياً وسياسياً وتاريخياً لا يمكن لأي وطني تجاوزه أو القفز فوقه.
لهذا السبب تحديداً، فإن أي حديث عن “مستقبل السودان” أو “الحلول السياسية” سيُواجَه فوراً بالرفض والاستهجان إذا تضمن ولو تلميحاً إلى:
• تبييض النظام البائد أو إعادة تأهيل رموزه.
• البحث عن مخارج ناعمة تسمح لهم بالإفلات من العقاب.
• إعادة تدوير الوجوه التي ثار الشعب السوداني في وجهها بالأمس القريب.
• نسيان دماء الشهداء أو التعامل معها على أنها “تكلفة باهظة للتغيير” يمكن طي صفحتها.
إن المواطن السوداني، الذي قدم أرواح أحبابه، لن يقبل بأي حل يعيد له نفس الوجوه التي ثار ضدها، أو يحميها من المحاسبة. هذا ليس تعنتاً أو رغبة في الانتقام، بل هو شرط أساسي لبناء أي سلام حقيقي ومستدام. سلام بدون عدالة هو هدنة مؤقتة تلد حروباً جديدة.
لذلك، فإن أي مسار نقترحه لإعادة تعريف المصلحة الوطنية وإيقاف الحرب، يجب أن ينطلق من هذا المبدأ الراسخ: لا إفلات من العقاب، ولا عودة للنظام القديم بأي صورة من الصور.
رابعاً: تعريف جديد للمصلحة الوطنية يبدأ من حياة الناس وكرامتهم
إذا أردنا أن نبني وطناً حقيقياً يحترم دماء الشهداء ويحقق أحلام الثورة، يجب أن نبدأ من الأسفل، من احتياجات الناس اليومية وكرامتهم. التعريف الجديد للمصلحة الوطنية يجب أن يكون بسيطاً وواضحاً، يفهمه كل سوداني.
أقترح أن يكون التعريف هو:
“المصلحة الوطنية في الوقت الحالي هي أن يحصل كل مواطن في حيه أو قريته على الأمن، وعلى لقمة عيشه الكريمة، وعلى التعليم والصحة لأولاده، في إطار نظام عادل يحترم كرامته ولا يميز بينه وبين غيره. هذا هو الأساس الذي سنبني عليه لاحقاً دولة مدنية ديمقراطية حقيقية، تكون فيها سيادة القانون والمواطنة المتساوية هي الأساس، ويكون فيها القتلة والفاسدون تحت طائلة المحاسبة، لا فوقها.”
وهذا التعريف بالطبع ليس دعوة للتطبيع مع سلطات الأمر الواقع لأنه قد يتساءل أي أحد هل هذا التعريف للمصلحة الوطنية هو دعوة ضمنية للقبول بسلطتي الأمر الواقع في بورتسودان ونيالا؟ هل هو محاولة لتجميل وجههما أو الاعتراف بهما كممثلين شرعيين قادرين على توفير الأمن والخدمات للمواطنين؟
الإجابة الصريحة والواضحة هي: قطعاً لا.
إن سلطتي بورتسودان ونيالا هما في حقيقة الأمر وجهان لعملة الحرب نفسها. هما ليستا سلطتين قائمتين بذاتهما تعملان لصالح المواطن، بل هما امتداد إداري وسياسي لطرفي القتال الرئيسيين. كل منهما يستخدم مناطق سيطرته كورقة ضغط وتوت في مواجهة المجتمع الدولي، محاولاً إضفاء شرعية زائفة على وجوده، بينما يعجز – وبشكل ممنهج في أحيان كثيرة – عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة للسكان الخاضعين لسيطرته.
والأدلة على هذا العجز واضحة وماثلة للعيان:
• في مناطق سيطرة سلطة بورتسودان: انهيار شبه كامل للخدمات الصحية والتعليمية، أزمة خانقة في الخبز والوقود والغاز، تدهور متسارع في قيمة العملة الوطنية، وارتفاع جنوني في الأسعار يفوق قدرة المواطن العادي. الأمن الذي تتحدث عنه هذه السلطة هو أمن عسكري قائم على قمع المعارضين وتكميم الأفواه، وليس أمان المواطن على نفسه وماله وعرضه.
• في مناطق سيطرة سلطة نيالا: الوضع الإنساني كارثي بكل المقاييس. انتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين، نهب للممتلكات، تفشي للجوع والمرض، وغياب شبه تام لأي خدمة أساسية. الحديث عن “حكومة مدنية” في هذه المناطق هو مجرد غطاء هش يخفي حقيقة السيطرة العسكرية المطلقة واقتصاد النهب المنظم.
إذن، التعريف الذي أقترحه للمصلحة الوطنية لا يخاطب هاتين السلطتين ولا ينتظر منهما شيئاً. إنه يتجاوزهما تماماً. إنه يراهن على قدرة المجتمعات المحلية ذاتها، ممثلة في لجان المقاومة، ولجان الأحياء، والإدارات الأهلية المستقلة، والنقابات المهنية، والمبادرات الشبابية والنسائية. هؤلاء هم الفاعلون الحقيقيون القادرون، رغم شح الموارد وقسوة الظروف، على خلق جزر من الصمود والأمل في خضم بحر الحرب العبثية.
هذا التعريف هو بمثابة إعلان استقلال مدني سلمي عن سلطات الحرب أينما كانت. إنه يقول بوضوح: نحن، كمواطنين، لن ننتظر من يسيطر على بورتسودان أو نيالا ليمنحنا شيئا. سننظم أنفسنا في أحيائنا وقوانا بشكل سلمي خالص، لا علاقة له بحمل السلاح أو منازعة أدوات القهر المادي. سنسعى لتوفير احتياجاتنا الأساسية بتكافلنا وتعاوننا، ونبني قوتنا الحقيقية من القاعدة عبر التضامن الاجتماعي والخدمات الذاتية.
هذه القوة الناعمة، قوة التنظيم المدني السلمي، هي التي ستكون حاضرة بقوة يوم الحل السياسي الشامل. عندها، لن تكون مجرد كتلة بشرية تنتظر من يمنحها شيئاً، بل قوة اجتماعية منظمة يصعب على أي سلطة أمر واقع أن تتجاهلها أو تبتلعها.
وهذا التوجه السلمي مهم أيضاً لأنه لا يضعنا في مواجهة مع البسطاء من أبناء شعبنا الذين قد يرون في شعارات طرفي الحرب الوطنية الكاملة كلٌ من موقعه. نحن نحترم مشاعرهم ووطنيتهم، ولا نريد إثارة فتنة أو الدخول في جدال عقيم معهم. هم أيضاً ضحايا هذه الحرب، وهم أيضاً يبحثون عن الأمن والكرامة. طريقتنا هي أن نقدم نموذجاً عملياً سلمياً للعمل الوطني بعيداً عن لغة السلاح والتخوين، علّ هذا النموذج يجذبهم يوماً ويقنعهم بأن الخلاص الحقيقي ليس في الانتصار العسكري، بل في بناء المجتمع المدني القادر على الصمود.
هذا التعريف البسيط مهم جداً لعدة أسباب:
• يحرم الحرب من أي مبرر: إذا كانت مصلحتنا الحقيقية هي أمننا وحياتنا وكرامتنا، فالحرب التي تدمر بيوتنا وتقتل أبناءنا وتجوعنا وتهين كرامتنا هي أكبر عدو لهذه المصلحة. وسلطات الحرب، أينما وجدت، هي جزء من هذه الحرب وليست حلاً لها.
• يجمع الناس على كلمة سواء: هذا التعريف يجمع النازح في معسكرات دارفور، والمزارع في مشروع الجزيرة، والتاجر الصغير في أسواق كسلا، والشاب الثائر في لجان المقاومة. كلهم يشتركون في نفس الاحتياجات الإنسانية الأساسية ونفس التطلع إلى الكرامة والعدالة، بعيداً عن شعارات السلطات المتنازعة.
• يعطي للجان الخدمية والمجتمعية بوصلة واضحة للعمل: بدلاً من أن تشتت جهودها في متاهات السياسة والتبعية لهذه السلطة أو تلك، يمكن للجان المقاومة ولجان الأحياء أن تركز على تحقيق هذه الأهداف البسيطة والمباشرة التي تلمس حياة الناس وتبني قوتهم الذاتية المستقلة.
• يؤكد على مبدأ المحاسبة: هذا التعريف لا ينسى دماء الشهداء. بل يجعل من العدالة وعدم الإفلات من العقاب جزءاً لا يتجزأ من “المصلحة الوطنية”. فلا كرامة ولا أمن ولا دولة عادلة بدون محاسبة من أجرموا في حق هذا الشعب، سواء كانوا في الخرطوم أو بورتسودان أو نيالا.
خامساً: خطوات عملية لتحويل هذا التعريف إلى واقع
لكي لا يبقى هذا الكلام مجرد أمنيات، نحتاج إلى خطوات عملية نقوم بها جميعاً، كل في مكانه. هذه الخطوات لا تنتظر مؤتمراً في عاصمة أجنبية أو اتفاقاً بين الجنرالات، بل تبدأ منا نحن:
- دعم المشاريع الصغيرة المنتجة
بدلاً من أن يضطر الشاب للعمل في الميليشيات أو البحث عن المال السريع في اقتصاد الحرب، يجب أن ندعمه ليعمل في مشروع صغير يوفر له ولأسرته حياة كريمة. كيف؟
• دعم التعاونيات الزراعية والرعوية التي تنتج الغذاء.
• مساعدة المشاريع الصغيرة مثل المخابز والمطاحن والمراكز الصحية.
• توجيه أموال المغتربين السودانيين لدعم هذه المشاريع مباشرة، بشفافية ونزاهة.
الهدف هو أن يشعر كل شاب في أي قرية أن العمل الشريف في زراعة أرضه أو فتح مشروع صغير هو أكثر استدامة وأكثر أماناً وكرامة له ولأسرته من حمل السلاح. - تقوية المبادرات المحلية الخدمية
أثبتت الحرب أن لجان الأحياء ولجان المقاومة والإدارات الأهلية هي الأكثر قدرة على إيصال المساعدات وحل مشاكل الناس اليومية. هذه اللجان هي الوريث الحقيقي لروح الثورة. يجب علينا جميعاً أن ندعم هذه المبادرات ونقويها:
• دعم مراكز الإيواء والمطابخ الجماعية التي يديرها الشباب المتطوع.
• دعم العيادات الصحية الصغيرة والمدارس الأهلية.
• تشجيع مجالس الأحياء والقرى على حل النزاعات البسيطة بالحوار والعرف، بعيداً عن منطق السلاح والثأر.
هذه الأفعال اليومية البسيطة هي التي تعلّم الناس معنى “مصلحة البلد” عملياً. وهي التي تبني قوة مدنية حقيقية على الأرض، قوة لا يمكن لأي فاعل عسكري أو سياسي أن يتجاهلها مستقبلاً. - مخاطبة المجتمع الدولي بلغة المصالح
لا يمكن أن نطلب من الدول الأخرى أن تساعدنا من باب الأخلاق فقط. يجب أن نخاطبهم بلغة يفهمونها: لغة المصالح.
• الرسالة لهم واضحة: “استثماراتكم وأمنكم في البحر الأحمر وفي المنطقة كلها في خطر كبير بسبب استمرار الحرب والفوضى في السودان. دعمكم لأحد أطراف القتال، أو غض الطرف عن انتهاكاته، أو التعامل مع سلطات الأمر الواقع على أنها تمثل حلاً، هو رهان خاسر على المدى البعيد. مصلحتكم الحقيقية هي في دعم أي جهد يؤدي إلى استقرار حقيقي، والاستقرار الحقيقي لا يأتي إلا بدعم المبادرات المحلية المستقلة التي تبني السلام من القاعدة، وبمحاسبة مرتكبي الجرائم ومنع إفلاتهم من العقاب.” - رفض أي مسار يعيد إنتاج الماضي
على كل القوى الوطنية الحية، وعلى كل مواطن غيور، أن يرفض وبكل وضوح أي محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم أو تبييض رموزه أو إيجاد مخارج لهم من المحاسبة. هذا الرفض يجب أن يكون:
• صريحاً وعلنياً: لا مساومات على دماء الشهداء.
• مستنداً إلى أدوات ضغط: توثيق الانتهاكات، كشف شبكات الفساد، فضح محاولات التسلل إلى أي مسار تفاوضي.
• مصحوباً ببناء البديل: القوة المدنية الحقيقية التي تجعل من المستحيل على أي قوة عسكرية أو سياسية قديمة أن تحكم مرة اخرى.
سادساً: دورنا جميعاً في هذه المرحلة
هذه الرؤية الجديدة لا تحتاج إلى أبطال خارقين أو قادة عظماء. إنها تحتاج إلى عمل كل فرد منا في محيطه.
• السياسيون والمثقفون: دورهم اليوم ليس فقط إصدار البيانات، بل النزول إلى الميدان ودعم المبادرات المحلية الصغيرة، والمساعدة في التوفيق بين المتخاصمين في أحيائهم ومناطقهم، والدفاع عن مبدأ المحاسبة والعدالة دون مساومة.
• المجتمع المدني واللجان الخدمية: دورهم هو الاستمرار في العمل الخدمي اليومي، وتنظيم الناس حول احتياجاتهم الأساسية، وإثبات أن المدنيين قادرون على إدارة حياتهم بأنفسهم، وحفظ الذاكرة الحية للثورة ولدماء الشهداء.
• المواطن العادي: دوره هو دعم جاره، والمشاركة في أي مبادرة محلية تهدف إلى تقديم خدمة أو حل مشكلة، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتحريض، ورفض أي محاولة لطمس الحقيقة أو تبييض الماضي.
خاتمة: بناء الوطن حجراً حجراً، والعدالة أساس لا يهتز
الحرب مستمرة لأنها أصبحت تجارة مربحة لقلة، وكارثة على الأغلبية. ومن بين هؤلاء القلة، يقف فلول النظام البائد وعناصر الحركة الإسلامية كطرف يرى في استمرار الحرب والفوضى ضمانة وحيدة لبقائه وهروبه من المحاسبة. ويقف إلى جانبهم كل من يستفيد من اقتصاد الحرب، بمن فيهم أولئك الذين يديرون سلطات الأمر الواقع في بورتسودان ونيالا، والذين يستخدمون معاناة الناس كغطاء لمشاريعهم الخاصة.
إيقاف الحرب لن يأتي بقرار من فوق، من مؤتمر في عاصمة أجنبية، أو بانتصار عسكري حاسم لأي طرف. إيقافها سيبدأ من تحت، من الأحياء والقرى والنازحين، عندما يدرك الناس جميعاً أن مصلحتهم الحقيقية في لقمة عيشهم وأمن أطفالهم وكرامتهم أكبر وأهم من أي مصلحة أخرى. وعندما يدركون أن سلطات الحرب، أينما كانت، ليست سوى جزء من المشكلة وليست طريقاً للحل.
وفي قلب هذه المصلحة الوطنية المعاد تعريفها، تقف العدالة. لا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي بدون محاسبة. لا يمكن أن تكون هناك مصالحة بدون معرفة الحقيقة وجبر الضرر. ودماء الشهداء التي لم تجف بعد هي العهد الذي قطعناه على أنفسنا بألا نسمح بعودة القتلة والفاسدين إلى واجهة المشهد، أو بإفلاتهم من العقاب تحت أي ذريعة.
هذا الطريق طويل وصعب، وقد لا نرى نتائجه الكاملة قريباً. لكنه الطريق الوحيد الذي يمكن أن يقودنا من خراب الحرب إلى أرض صلبة نستطيع أن نبني عليها وطناً جديداً.
وطناً تكون فيه مصلحة كل مواطن، في أي قرية أو حي، هي نفسها مصلحة السودان الكبير. وكل لبنة صغيرة نضعها اليوم، سواء كانت مطبخاً جماعياً أو عيادة صغيرة أو حقلاً مزروعاً أو شهادة حق تُحفظ للتاريخ، هي خطوة حقيقية في هذا الطريق الطويل نحو السلام العادل والحرية والكرامة.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم