دكتور محمد عبدالله
في أوقات تختلط فيها أصوات المدافع بأنين الجياع، وتضيع ملامح المدن تحت الغبار والدخان، لا تعود الأجراس تُقرع إيذاناً بموعد صلاة أو مناسبة فرح. تصير نداءاً أخيراً، تحذيراً لا يقبل التأويل بأن شيئاً ما قد تحطم في الضمير الإنساني. والسؤال الذي يفرض نفسه بقسوة، ونحن على أبواب عام ثالث من حرب لا أفق لها في السودان: لمن تَقرع هذه الأجراس؟
هل تقرع لأولئك الذين خسروا بيوتهم؟ أم لمن فقدوا أسماءهم وتحولوا إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار الباردة؟ أم تَقرع لعالم يكتفي بالمشاهدة الصامتة، وكأن الكارثة تقع في كوكب آخر؟
الأرقام هنا لا تحتاج إلى بلاغة. هناك نحو 33.7 مليون إنسان باتوا بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية. هذا ليس رقماً عابراً، بل أغلب سكان بلد كامل يقفون اليوم على حافة البقاء. ومن بينهم ما يزيد على 13 إلى 14 مليون نازح اقتُلعوا من أراضيهم، بعضهم أكثر من مرة، وكأن الأرض ذاتها تلفظهم.
الجوع لم يعد خطراً محتملاً، بل واقعاً يومياً. أكثر من 21 مليون شخص يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، فيما أُعلنت المجاعة في أجزاء من دارفور. ليست هذه المجاعة نتيجة كوارث طبيعية، بل ثمرة قرارات بشرية، أو بالأحرى غياب أي قرار. ومع انهيار شبه كامل للنظام الصحي، تنتشر الأمراض كالنار في الهشيم. وأكثر من 10 ملايين طفل حُرموا من حقهم في التعليم، لينشأوا في فراغ لا يُنتج إلا مزيداً من الهشاشة.
ولأن الحروب لا تكتفي بالقتل، بل تمعن في إذلال الأحياء، تتزايد التقارير عن العنف الجنسي. النساء والأطفال يدفعون الثمن من أجسادهم، بلا حماية، بلا صوت، وبلا عدالة.
هذه ليست مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل واحدة من أكبر الكوارث في العالم اليوم. ومع ذلك، تمر على شاشات العالم كخبر هامشي، لا يحظى بالاهتمام الذي تستحقه فداحته؛ لا من الإعلام الدولي، ولا من صانعي القرار، ولا من الحكومات التي تملأ الدنيا بشعارات حقوق الإنسان.
لكن إذا كان العالم قد اختار النظر في اتجاه آخر، فإن ذلك لا يعفي أحداً من المسؤولية. استمرار هذه الحرب مسؤولية مشتركة. طرفا النزاع يتحملان الوزر الأكبر، ليس فقط لأنهما أشعلا النار، بل لأنهما يصرّان على إبقائها مشتعلة رغم وضوح الكلفة الإنسانية. وإلى جانبهما، يقف من ينفخ في بوق الحرب، يبررون، ويزينون ، أو يختبئون خلف شعارات خاوية، فيما الناس تموت.
المسؤولية هنا عملية ومباشرة. على الأطراف المتحاربة أن تستشعر، ولو متأخرة، أن سيطرتها على الأرض تعني التزاماً أخلاقياً وقانونياً تجاه المدنيين. حماية الناس ليست منّة، بل واجب. والسماح بوصول المساعدات ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة عاجلة. فتح ممرات آمنة للدواء والغذاء، وتأمين طرق خروج المدنيين من مناطق الاشتباك، ووقف استهداف البنية التحتية الحيوية—كل ذلك يجب أن يبدأ فوراً، بلا شروط معطلة، وبلا حسابات ضيقة. فكل تأخير هنا يُقاس بأرواح تُزهق.
ولا يمكن إعفاء المجتمع الدولي من تقصيره الفادح. الصمت، أو الاكتفاء ببيانات القلق، لم يعد موقفاً محايداً، بل صار شكلاً من أشكال التواطوء غير المباشر. المطلوب ليس تعاطفاً في البيانات، بل ضغطاً حقيقياً وتحركاً ملموساً يضع حداً لهذه المأساة.
تظاهرات مثل الوقفة المرتقبة في ساحة سوهو بلندن ليست مجرد فعاليات رمزية، بل محاولة لاستعادة الصوت في وجه هذا الصمت الثقيل، وتذكير بأن هناك من لا يزال يرى، ويشعر، ويرفض أن تصبح المأساة أمراً عادياً.
في النهاية، تعود الأجراس لتقرع سؤالها القديم: لمن تقرع ؟
الإجابة، وإن بدت قاسية، أنها تقرع لنا جميعاً: لمن يطلقون النار، ولمن يبررون، ولمن يصمتون. تقرع كإنذار أخير بأن ما يجري ليس قدراً محتوماً، بل خيار يمكن إيقافه. لكن ذلك لن يحدث ما لم يُقرّ الجميع، بلا استثناء، أن حياة المدنيين ليست تفصيلاً في معادلة الحرب، بل هي جوهر القضية كلها.
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم