الجزء الثاني: ملابسات خراب ميناء (عيذاب) البجاوي الشهير (شهادات إبن بطوطة،إبن سليم الأسواني، إبن جبير الأندلسي)

شهادة إبن بطوطة الرحالة المغربي الأشهر:
ابن بطوطة (1304–1368م).
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الطنجي، أعظم رحالة ومؤرخ مسلم عرفته العصور الوسطى،لدرجة لُقّب بـ “أمير الرحالة”،
( وألقبه أنا بأمير الفضوليين) 😁
فقد ساح وطاف في المعمورة لأكثر من 30 عاماً، (قاطعاً مسافة تتجاوز 121 ألف كيلومترا)، زار خلالها معظم أنحاء العالم الإسلامي، وقارتي أفريقيا، وآسيا.
ودوّن مغامراته في كتابه الأشهر “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” المعروف ب”رحلة ابن بطوطة”.

الإطلالة العابرة ..لإبن بطوطة لميناء عيذاب بعد تدميرها.
فإبن بطوطة قد زار عيذاب وهي “نصف خراب” بعد حملة (توران شاه) المدمرة بـ144 سنة، ولكنه لم يزل قد وجد فيها بعض من وصفها السابق ..وما تبقي منها ومن مجدها القديم..

فسرد شهادته أدناه:

“ثم سافرنا في البحر إلى “مدينة عيذاب”، وهي مدينة كبيرة على ساحل بحر القلزم ( إسم قديم للبحر الأحمر).
وكان بها ملك للبجاة يعرف بالحدربي( لقب بجاوي) ، وله بلاد واسعة في البر.
وكانوا يأخذون العشر من التجار والحجاج، ويحمونهم من (العرب).
وأخبرني فقيها أن عيذاب كانت أعظم مراسي الدنيا.
يركب منها أهل المغرب وأهل مصر وأهل الشام إلى جدة.
وكانت المراكب تأتيها من “الهند واليمن وزنجبار” بالفلفل والبهار والرقيق.
ووجدنا بها آثار عمارة عظيمة، وقصوراً خربة، ومساجد كبيرة.
والآن قد خربت ولم يبق بها إلا قوم من البجاة في خيام،
يبيعون الماء على الحجاج بالثمن الغالي، لأن الماء بها عزيز ( نادر) .
وسلطان مصر قد منع الناس من الركوب منها خوفاً عليهم من البجاة.. ( كما يدعي طبعا)..
*وأمرهم بالركوب من القصير . فركبنا من القصير إلى جدة.
( يقصد ميناء القصير المصري)

*( إبن بطوطة _ تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار_ ج1 ص 106).

النص الكامل لابن جبير عن عيذاب – ص 64-67

“ذكر مدينة عيذاب”

“واجتزنا بمدينة عيذاب يوم الخميس الثالث والعشرين لذي الحجة من السنة المذكورة.
وهي الآن قاع صفصف، خراب يباب.
وقد كانت من أعظم المراسي وأشهرها، وأكثرها مالاً وتجارة
وفرضة بلاد اليمن والحبشة والهند.
ومركب الحاج من مصر والمغرب والاندلس.
*فأخبرنا من لقيناه من بقية أهلها أن عسكر مصر خربها في السنة الخالية.
*وذلك في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة.
وقتلوا ملكها، وأجلوا أهلها،
فلم يبق بها إلا النزر اليسير من طوائف البجاة،
*يأوون إلى أطلالها في خيام من الشعر
*ويتقوتون بصيد السمك من البحر
*وهم قوم جفاة غلاظ، كأنهم الوحش
*وأما جامعها الكبير فما بقي منه إلا جدرانه قائمة
*وسقفه خر على الأرض.
*وأما أسواقها فصارت مأوى للضباع والذئاب
*وأما دورها وقصورها فأطلال بالية
*تدل على أنها كانت مدينة جليلة القدر، عظيمة الخطر

*وسبب خرابها أن أهلها كانوا قوماً من البجاة
*يقال لملكهم الحدربي
*يتوارثون ملكها خلفاً عن سلف
*وكانوا يأخذون من الحجاج المكوس والمغارم
*فكثرت الشكوى منهم إلى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب
*فأمر عسكره بالمسير إليهم
*فخربوا المدينة، وقتلوا ملكها
*وأجلوا أهلها عنها
*وحول طريق الحج إلى مدينة القصير
*وهي على مسافة أيام من عيذاب في الشمال منها
*فصارت عيذاب كأن لم تغن بالأمس.

*ولقد رأينا بها آثار عمارة عظيمة
*من دور فسيحة، وقصور مشيدة
*وآبار مطوية بالحجارة
*تدل على سعة حال أهلها، وكثرة أموالهم
*وكان الماء بها من آبار عذبة
*والآن قد غارت مياهها أو كادت
*فلا يجد الحاج بها إلا الماء الأجاج
*يشربونه ضرورة.

وأخبرنا الثقات أن ملكها المقتول اسمه عبد الله بن كنون الحدربي،
وكان آخر ملوكهم،
*وبه انقرض ملك البجاة في عيذاب،
*وكان لهم فيها دولة نحو أربعمائة سنة.
*ووجدنا في خرابها رخاماً كثيراً،
*وأحجاراً منحوتة،*
*تدل على أنها كانت دار ملك وإمارة.

*وبالجملة فهي اليوم عبرة لمن اعتبر،
*وموعظة لمن تذكر،*
*فسبحان مغير الأحوال، ومبدل الدول،
*لا إله إلا هو العزيز الحكيم.*

*وأقمنا بها يوماً واحداً نترود من الماء،

*ثم أقلعنا عنها.

*كلام ابن سليم الأسواني كاملاً عن عيذاب ثم دمارها:

المصدر: كتاب أخبار النوبة والمقرة والبجة والنيل – تحقيق محمد مصطفى زيادة 1958
التاريخ: ابن سليم عاش في أسوان 955م – 985م وكتب كتابه حوالي 975م / 365هـ
*ملاحظة مهمة:
ابن سليم *مات قبل خراب عيذاب بـ207 سنة. فما ذكر دمارها لأنه شافها عامرة. لكن وصفها بالتفصيل وبذلك هو أوثق مصدر من بقية الرحالة والمدونين.

فإلى نص ابن سليم الأسواني عن عيذاب 975م – كاملاً:
من كتاب أخبار النوبة والمقرة والبجة والنيل، الباب الثالث:
“في ذكر بلاد البجة”:

*”وأما بلاد البجة فإنها مملكة واسعة.
*أولها من قبلي أسوان إلى بحر القلزم،
*وملكهم اليوم كنون بن عبد العزيز الحدربي ( كنايون بابدال إيديد الحدربي)
*وله منعة وشوكة، وله جيش وعدد، ودوابهم الإبل العراب،*
وسلاحهم الرماح والسيوف، ولا يثبت لهم أحد في حرب.

وبيده معادن الذهب بجبل العلاقي،
وهي معادن قديمة، يستخرج منها التبر،
ويحمل إلى مصر في كل سنة ما لا يحصى كثرة.

وله مدينة على ساحل بحر القلزم يقال لها عيذاب،
وهي مدينة كبيرة عامرة، آهلة بالتجارة،
يخرج منها الحاج إلى مكة،
وترسى بها مراكب اليمن والهند،
وبها جامع كبير، وأسواق حافلة،
وأهلها أخلاط من البجا والعرب والفرس.

وملكها يأخذ من كل حاج يمر بها ديناراً،
ومن كل تاجر العشر من تجارته،
وله في ذلك عمال وجباة،
ولا يقدر أحد من ملوك النوبة والحبشة على منعه،
لشدة بأسه وكثرة جمعه.

*وإذا غضب على أحد من التجار
أخذ ماله وسجنه، فلا يتجاسر أحد على مخالفته.

*وبين عيذاب ومكة مجرى يوم وليلة بريح طيبة،
*وبينها وبين أسوان عشر مراحل في البر.
*على آبار ومياه، وطريقها آمن لا يخاف فيه إلا من البجا أنفسهم.

*وأهل عيذاب مسلمون،
*إلا أن فيهم من لا يحسن الصلاة ولا يعرف شرائع الإسلام،*
وإنما هم تجار، همتهم جمع المال.

  • وسكنها قوم من ربيعة صاهروا البجا ( الكنوز)،*
    *وليس للمسلمين مدينة على بحر القلزم أعمر منها ولا أكثر مالاً.”

إنتهى.

الخلاصة :

  • ما يستقى ويستقرأ من النصوص العديدة التي تؤرخ وتوثق لدمار وسقوط ميناء عيذاب نهائيا حسب تحليلي ، وإضافة إلى معلومات تاريخية حول العهد المملوكي الذي تولى الحكم بعد العهد الإيوبي .
    أود أن أدعم بعض الفرضيات التي ذكرت عرضا أو صراحة ضمن مدونات الرحالة الذين وثقوا لحدث دمار ميناء بهذا الحجم وبإمكانيات ذلك الزمان .
  • أمور ذكرت في وثائق عديدة تتعد مرحلة الفرضيات إلى تكوين صورة واقعية لما حدث من دمار وأسبابه .
  • إتساع نفوذ ملوك الحداربة البجاويين على الساحل الشرقي المصري وسيطرتهم القديمة على معظم جنوب شرق صحراء مصر، وحتى جنوبا حيث هزموا الأحباش وسيطروا على باضع وجز دهلك ووصلوا إلى مضيق باب المندب .
  • تضخم ثروة ونفوذ ملوك البجا بسبب التجارة البحرية وكذلك موارد الأرض من ذهب ومواشي..وكذلك سيطرتهم على التجارة في الجانب السوداني بين النيل والبحر ..بل حتى التجارة مع موانئ البحر المتوسط وكذلك الهند والسند .
  • الطبيعة القبلية المتماسكة للقومية البجاوية الكبيرة التي كانت تمتد أرضها التاريخية في مناطق شاسعة في مصر والسودان وتسيطر على طرق التجارة بين البحر والنيل منذ الأزل .
    *من الملاحظ أنه بعد تدمير ميناء عيذاب..إستيأس البجا من إستعادة موانئهم الأخرى ( مرسى علم ، والقصير) على الساحل المصري الشرقي . رغم أنها كانت موانئ تاريخية قديمة لهم يمارسون عبرها التجارة البحرية عبر ( وادي الحمامات ) إلى البحر الأحمر .
    *وبذلك إنتقل المركز التجاري البحري البجاوي جنوبا نحو موانئ بجاوية أخرى كان أشهرها ( ميناء سواكن) ، والتي تعرضت لاحقا للأسف تقريبا لنفس المصير التدميري لإقتصاد البجا التجاري البحري ، ولكن بصورة بطيئة ممنهجة تجعل البجا منذ قرن من الزمان يعانون نفسيا معاناة رهيبة وهم يشاهدون ( سراياتهم ) تتساقط حجرا حجرا أمام أعينهم.
    ومركز تجارتهم ( أوسوك، السوق) وتجارتهم البحرية الأزلية التي توارثوها أبا عن جد تمنع وتصنف كتهريب بأمر مراسيم حكومية قاصرة.
    هذا بدلا عن تقنين هذه التجارية البحرية العريقة وتطوير طرق صناعة مراكبها ( السنابيك) كما فعلت دول الخليج العربي التي إحترمت تراث وماضي أسلافها في تجارة البحار .
    .
    *وبالطبع جميعنا نعلم أن تدمير ميناء سواكن الممنهج ( رغما عن كل الحجج الواهية ) كان هذا مؤآمرة إستعمارية رسمها المستعمر، لتدمير مركز النشاط الإقتصادي الرئيسي للبجا ..
    ولإبعادهم عن أوسوك ( سوقهم التجاري الذي كانوا يتداولون فيه السياسة والشعر والتثاقف) ..خشية أن توقظ أسواقهم هذه جذوة النقاش حول الثورة مجددا ضد الحكم الثنائي.

وثم سارت على درب خطتهم التدميرية هذه ..ما يفترض بأنها حكوماتنا الوطنية ..!!
فأهملت ودمرت ميناء جزيرة سواكن والذي كان يعد من أجمل موانئ البحر الأحمر بل والعالم .
وكان ( نباخذة) قباطنة السفن الشراعية مشهورون ولا يزالوا بالبراعة في قياداة السفن الشراعية والمعرفة بشؤون الإبحار والبحار .
لذلك سبحان الله، حتى اليوم تجد رغبة شباب البجا في التخصص في علوم البحار والتخرج كقباطنة والعمل في قطاع الموانئ تفوق غيرهم من السودانيين .
…..

وهكذا هو شأن المستعمر في كل زمان ومكان :
(النهاية 1182م:
شمس الدولة توران شاه بن أيوب الملقب ب( أمير اليمن +فاتح النوبة وعيذاب).
دمر عيذاب + نقل طريق الحج للقصير + دمر ميناء وحكم الحداربة لعيذاب بعد أن عمروها 230 سنة، وجعلوها عروس البحر الأحمر ومن أعظم موانئ القرون الوسطى.
ورغم أن الأمر كان قد صدر من د قائد الأيوبيين بتأديب ملوكه الحدارب وتخريب تجارتهم وسيطرتهم على ممر الحجيج، ألا الوقائع تقول كذلك إن عيذاب قد خربها نهائيا الحكام المماليك، بعد أن منعوا الركوب منها وأغلقوها رسمياً بعد عهد الأيوبيين.
ثم، حولوا طريق الحج إلى ميناء القصير شمالا).

……

الخلاصة: ابن جبير كان أول شاهد عيان أوروبي-عربي دخل عيذاب بعد التدمير مباشرة.
لذلك شهادته ( رغم تحاملها على البجا ) تعتبر شهادة توثق اللحظة الفاصلة:
نهاية 400 سنة من مملكة عيذاب البجاوية البحرية، وبداية عهد القصير في مصر ..ثم مجد سواكن في السودان.

آمنة أحمد مختار إيرا
24 Apr 2026

*المراجع:

  1. ابن جبير، رحلة ابن جبير، تحقيق د. حسين نصار، مكتبة مصر 1992، ص 64-67
  2. W. Wright, The Travels of Ibn Jubayr, Leyden 1852, p. 65-66 – النص العربي الأصلي
  3. ابن بطوطة، تحفة النظار، ط. دار صادر، ج1 ص 106
  4. كتاب، أخبار النوبة والمقرة وعلوة واابجة والنيل لابن سليم الأسواني – جمع ونقول محمد مصطفى زيادة 1958م

amnaaira3@gmail.com

عن آمنة أحمد مختار إيرا

آمنة أحمد مختار إيرا

شاهد أيضاً

لمحة من حضارة البجا البلميين

لمحة من حضارة البجا البلميينفي جنوب شرقي مصر المقالة الرئيسية: نقش إنشائي للملك البليمي “كابانتيا” …