دكتور الوليد آدم مادبو
في السياسة الدولية، لا تسقط الدول حين تُهزم فقط، بل حين تُؤجَّل القرارات التي كان يمكن أن تنقذها. والسودان اليوم يقف عند هذه الحافة الدقيقة، حيث لا تكمن المعضلة في غياب النصوص القانونية—فالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة قائم—بل في قدرة العالم على تمريره عبر متاهة المصالح والفيتوهات. هنا، لا يعود السؤال: هل يستحق السودان تدخلاً دوليًا؟ بل: هل يمكن لهذا التدخل أن يرى النور أصلًا في ظل لعبة الأمم؟
في قلب هذه اللعبة يقف مجلس الأمن، حيث لا تُحسم القرارات بالمنطق الأخلاقي، بل بتوازنات القوة. الفيتو ليس مجرد إجراء إجرائي، بل هو التعبير الأشد وضوحًا عن اختلال النظام الدولي: دولة واحدة تستطيع أن تُسقط قرارًا يخص مصير شعب بأكمله. ومنذ تصاعد التوترات العالمية، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، أصبح هذا السلاح أكثر حضورًا، وأكثر ارتباطًا بتصفية الحسابات الكبرى.
لكن خلف هذا المشهد الصلب، تدور لعبة أكثر مرونة—وأكثر دهاءً. فالقرارات لا تولد في لحظة التصويت، بل في ممرات التفاوض الطويلة، حيث تُصاغ الكلمات كما تُصاغ المصائر. هناك، تُخفَّف العبارات، وتُؤجَّل البنود، وتُزرع مساحات من الغموض تسمح لكل طرف أن يقرأ النص على هواه. ليست هذه هشاشة في القانون، بل هي حيلة السياسة للبقاء.
هكذا تُدار “فنيات تجنّب الفيتو”: نصوصٌ أقل حدّة لكنها أكثر قابلية للمرور، مراحلٌ متدرجة تبدأ بالمراقبة وتنتهي—إن لزم—بالتدخل، وحزمٌ متوازية تمزج بين الإنساني والسياسي لتقليل حساسية القرار. وفي كثير من الأحيان، ما لا يُقال في القاعة يُحسم خارجها، عبر قنوات خلفية تُرسم فيها الخطوط الحمراء بهدوء، بعيدًا عن ضجيج المنابر.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا لو استُخدم الفيتو فعلًا؟ هل يتوقف كل شيء؟
ليس تمامًا. فثمة مسارات بديلة، وإن كانت أقل حسمًا: يمكن للجمعية العامة أن تمنح شرعية سياسية أوسع، ويمكن لتحالفات دولية أن تتحرك خارج الإطار التقليدي، ويمكن لأطر إقليمية أن تسد بعض الفراغ. لكنها كلها تظل حلولًا ناقصة، لأن الشرعية الكاملة—والقدرة التنفيذية الحاسمة—ما زالت تمر عبر بوابة مجلس الأمن.
هنا، يغري الخيال السياسي بفكرة “الصفقة الكبرى”: تنازل هنا مقابل تمرير هناك، أوكرانيا في مقابل السودان، أو إيران في مقابل البحر الأحمر. لكن الواقع أكثر تعقيدًا—وأقل رومانسية. القوى الكبرى لا تتبادل الملفات كقطع شطرنج مكشوفة، بل تديرها في حزمٍ متشابكة، حيث لا تكون المقايضة مباشرة، بل موزعة، غير معلنة، وقابلة للإنكار. ما يمكن أن يحدث ليس صفقة صريحة، بل تخفيف اعتراض، أو تعديل صياغة، أو تأجيل تصعيد.
في هذا السياق، تنظر روسيا إلى أي تدخل تحت الفصل السابع بعين الريبة، خشية أن يتحول إلى سابقة تُستخدم ضدها أو ضد حلفائها. وتتحرك الصين بحذر مماثل، مفضلة الاستقرار على المغامرة، والسيادة على التدخل. أما الولايات المتحدة، فهي قادرة على بناء التحالفات وقيادة الإجماع، لكنها تدرك أيضًا أن لكل معركة دبلوماسية كلفة، وأن فتح جبهة جديدة يتطلب حسابات دقيقة.
فأين يقف السودان في هذا الميزان؟ ليس في قاع الأولويات، لكنه ليس في ذروتها أيضًا. قيمته تنبع من موقعه الجيوسياسي، من إطلالته على البحر الأحمر، ومن خطر تحوله إلى فراغ أمني يمتد أثره إلى القرن الأفريقي وما وراءه. لكن هذه القيمة تحتاج إلى من يُحسن تقديمها: إلى خطاب يربط مأساة الداخل بمخاوف الخارج، ويُحوّل الانهيار المحلي إلى قضية استقرار دولي.
غير أن السؤال الأهم ليس فقط: هل سيمر القرار؟ بل: كيف يمكن أن يمر؟ الإجابة ليست قفزة إلى أقصى أدوات الفصل السابع، بل مسار متدرّج يبدأ بنص مخفّف يركّز على وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وآلية مراقبة، بحيث يصبح الاعتراض عليه مكلفًا. ثم تُستكمل العملية بآليات امتثال واضحة وتقارير دورية إلى مجلس الأمن، قبل الانتقال—عند الإخفاق—إلى تصعيد محسوب عبر عقوبات مستهدفة وتوسيع تدريجي للتفويض. وعلى امتداد ذلك، تُرافقه حزمة دعم اقتصادي وإنساني تُظهر أن الغاية هي تثبيت الاستقرار لا فرض العقاب.
بهذا المعنى، لا يصبح تمرير القرار معركةً قانونية فحسب، بل هندسةً دقيقة لتوازنات القبول: نصٌّ يمكن ابتلاعه، وخطواتٌ يصعب رفضها، ومسارٌ يُراكم شرعيته بقدر ما يتقدم.
ختامًا، السودان اليوم ليس اختبارًا للقانون الدولي، بل لاختبار الإرادة الدولية. بين نصٍّ يمكن أن يُكتب، وقرارٍ قد لا يُمرَّر، تقف حياة ملايين معلّقة على توازنات لا يرونها. قد لا تأتي الصفقة الكبرى، وقد لا يُرفع الفيتو بسهولة، لكن التاريخ لا ينتظر اكتمال الشروط المثالية. ما يمرّ اليوم—حتى إن كان ناقصًا—قد يُبنى عليه غدًا. أما ما يُجهض في قاعة التصويت، فيبقى مجرد فكرة عادلة… بلا أثر.
وفي عالمٍ كهذا، لا تُنقذ الدول فقط بالقوة، بل بالقدرة على جعل إنقاذها ممكنًا.
April 25, 2026
auwaab@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم