إمام زين العابدين والعطور الباقية 1938 –2026(1–3) محمد صالح عبدالله يس رحل امام زين العابدين عبدالله الموظف المثالي بعد عمر مديد قضاه في خدمة الآخري تاركا فراغا موجعا لا تملؤه الكلمات. مضى بهدوء كما عاش لكنه خلف في القلوب أثرا عميقا وحزنا لا يجبر كان مثالا نادرا للموظف النزيه أفنى زهرة شبابه في محراب الخدمة المدنية مخلصا لواجبه صادقا في عطائه مؤمنا بأن العمل أمانة ورسالة. عاش الوظيفة في عصرها الذهبي فكان أحد أعمدتها وشاهدا على قيمها النبيلة يحملها في سلوكه اليومي دون ادعاء أو ضجيج عرفه كل من اقترب منه وشهد له بدماثة الخلق، ونقاء السيرة السريرة ورحابة القلب وسعة الافق فاستقر حبه في وجدان الناس وثوي في قلوبهم وتوطن وتسرمد حياته تمثل زمنا جميلا شديد الطلاوة معطونا نداوة واخضرارا فمثله لم يكن مجرد موظف عادي في ديوان الضرائب بل كان احد الاباء المؤسسين للديوان ومن الأوائل الذين وضعوا اللبنات الراسخة لمؤسسة خدمت السودان وأهله بإخلاص ونزاهة كان مثالا للتفاني الصامت والعطاء غير المجذوذ واحد رموز النزاهة والانضباط كان يمكنه ان يتحول الي أحد أثرياء السودان ان أراد ذاك كيف لا وقد كان خراج السودان كله يتدفق وينسال بين يديه ومما يحكي عنه ان احد ارباب الوجاهة والمال حاول ان يغريه ويستدرجه بطعم الرشوة مقابل اعفائه من بعض المتاخرات الضريبية وقد اودع له ظرفا كبيرا محشوا بالجنيهات فما كان منه الا وانتهره علي ملاء من الموظفين فاعتذر التاجر وسحب ظرفه وعاد في اليوم الثاني وسدد ماعليه كان يمكن لامام ان يستلم المبلغ ويقبل الرشوة ولا احد يعلم بذلك ولكن القيم التي تربي عليها عصمته من الزلل وقد اضفت له هذه الحادثة القا وهيبة ووقارا وموثوقية عاليه طارت بها ركبان الخدمة المدنية . حكي لي احد الثقاة القريبين من امام ان احد رجال الاعمال كان مشهورا بترويض الموظفين بتسهيلاته وعطاياه لهم فاذا حضر في اي مؤسسة رسمية لقضاء بعض معاملاته التجارية ارتجت المؤسسة من مديرها الي غفيرها وكثرت الجلبة والصياح ويفرح الموظفون بمقدمه الذي يمثل يوم سعد لهم ويعلقون مصالح العامة ويهملونها ويضعونها في بئر معطلة وجب سحيق فلا خدمة لاحد ولا صوت يعلوا حتي تقضي حاجته وابان توليه لديوان الضرائب في فترة حكومة الاحزاب اصطدم الامام باحد اعضاء مجلس السيادة اسمه يشابه اسمي حرمني من السفر الي السعودية لان اسمه في قوائم المحظورين الممنوعين من مغادرة السودان بسبب مخالفات وجنايات وضعتهم تحت طائلة الحظر وظنت السلطات ان لي علاقة رحم به ولكن تم فك هذا الاشتباك عن طريق وزارة الداخلية التي بعد الفحص تاكد لها اني ارتكب اية مخالفة تجعل اسمي محظورا لم تكن تجمعني قرابة او علاقة بذلك المسؤول فقط تشابه الاسماء واخير استلمت جوازي فقد كنت اريد ان ارافق خالتي للملكة ولكن تاخرت الاجراءات وضاعت الفرصة بعد ان فك حظر الجواز وختم لي فيه بالعبارة المشهورة ليس( المعني) اعود بكم الي سيرة ذلك التاجر الذي تعود علي اسغلال موقعة كسياسي لينال الاعفاءات الضريبية والجمركية في في احدي صباحات الخميس دخل الي مكتب مدير الضرائب بخطواتٍ واثقة يمني نفسه بصفقة كبيرة تفرج عنها ادارة الضرائب وكان ينظر الي حقيبته المحشوة بالدراهم والمنتفخةً بالنقود وظن أن لمعانها ا سيطفئ نور العدالة ويذهب عقل المدير وصل الي غرفة الاستقبال وفي الحال دخلت السكرتيرة للمدير واخبرته ان عضو مجلس السيادة في غرفة الزوار ويريد مقابلتك فوافق علي الفور وقال لها إذني له بالدخول دخل العضو وعلي سيمائة الخيلاء والزهو وبعد التحية والمجاملة ترك امام كرسي التربيزة وجلس مع الضيف علي كراسي الضيوف وتبادلا اطراف الحديث ثم عرجا الي حياة الناس واوضاعهم المعيشية وكيف ان تلك الفيضانات قد احدثت دمارا كبير بالعاصمة وتحولت المساكن والبيوت الي حطام وعوالي استاذن العضو امام بالسماح له باشعال كدوسه فسمح له وبدا يحكي للمدير كيف انه عاني من فك اعتقال بضائعة المكدسة بسبب الضرائب الباهظة التي فرضت عليه وحكي له ان هناك نوع من البضائع لا تحتمل التخزين وقد تتعرض للتلف وبعضها قد تفقد قيمتها والاسعار في طريقها للتدهور ان لم تفرج عنها ولم تسطيع المنافسة وان السوق كاشف هذه الايام والافراج عنها سيحدث انفراجا ويحل ضائقة يعاني منها المواطنون كان امام ينصت اليه بانتباه شديد والعضو يضغط باحدي اصبعية علي الشنطة حتي انفتحت وتتطايرت الاوراق النقدية ثم قربها من امام وامام ينظر اليه بسخرية وتهكم ونواصل
محمد صالح عبدالله يس
ms.yaseen5@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم